تُعد دمياط، المدينة ذات الأهمية التاريخية الواقعة في الطرف الشمالي من دلتا مصر، من المدن المحورية في المشهدين الاقتصادي والاجتماعي للبلاد. فقد أسهم موقعها الجغرافي الفريد، المحصور بين نهر النيل والبحر المتوسط وبحيرة المنزلة، في تشكيل مسار تطور سكانها وقواها العاملة. وعلى مر السنين، تطورت دمياط إلى مركز مزدهر للصناعة والتجارة، واستقطبت عمالًا وعائلات من مختلف أنحاء المنطقة. وتُعد صناعة الأثاث والحرف اليدوية أحد أبرز ركائز الاقتصاد المحلي، ما جعل المدينة لاعبًا أساسيًا في الاقتصاد المصري. ومع استمرار نمو دمياط، ستكون ديناميات السكان وخصائص القوى العاملة عاملًا حاسمًا في فهم مستقبلها. وتتناول هذه المقالة السمات الاجتماعية والاقتصادية لسكان دمياط، مع التركيز على الاتجاهات الديموغرافية، وتركيبة القوى العاملة، والتأثير الأوسع لموقع المدينة على تطورها.

تُعد شدة تمركز السكان في وادي النيل والدلتا من أبرز سمات التوزيع السكاني في مصر. وتشكل الدلتا مركز الثقل السكاني للبلاد، إلا أن دمياط، الواقعة في أقصى شمال الدلتا، بقيت إلى حد ما معزولة عن المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.

وتُظهر خريطة توزيع التجمعات السكانية في المحافظة امتدادًا طوليًا على امتداد فرع دمياط من نهر النيل. ويجذب هذا المحور كثافة سكانية عالية، تقل تدريجيًا باتجاه الغرب والشرق، حتى تصل إلى أدنى مستوياتها عند سواحل بحيرة المنزلة والمستنقعات الشمالية الشرقية للمحافظة على البحر المتوسط.

ويشكل مركز دمياط نحو 46% من إجمالي سكان المحافظة. وتضم المدن والقرى المحيطة، التي تتكون من نحو 16 تجمعًا سكانيًا كبيرًا، نحو 94 تجمعًا صغيرًا. وتشكل الفئة العمرية بين 13 و65 عامًا ما يقرب من 70% من السكان، وهو أمر غير مفاجئ، نظرًا لكون المنطقة مركزًا لتوافر الأيدي العاملة، خاصة في صناعة الأثاث والحرف اليدوية الأخرى. كما تجذب وفرة الخدمات الأساسية العديد من الناس للاستقرار في المركز. وتتشكل الغالبية العظمى من سكان مركز دمياط (أكثر من 99%) من المسلمين.

وتشير الوفرة في القوى العاملة بالمدينة إلى استمرار الهجرة، وهي لا تشمل الرجال فقط، بل العائلات بأكملها التي تستقر في المدينة نظرًا لمزاياها الجاذبة. وتمثل هذه الهجرة نحو ثلثي عدد الوافدين إلى المحافظة.

ومن المتوقع أن تشهد محافظة دمياط نموًا سكانيًا كبيرًا بين عامي 2001 و2021، حيث يُتوقع أن يرتفع عدد السكان من نحو 1,008,000 نسمة في عام 2001 إلى 1,446,000 نسمة في عام 2021. وتشير التوزيعات العمرية إلى أن فئة صغار السن (0-19 عامًا) ستظل مستقرة نسبيًا على مدى العقدين، مع بعض التذبذبات الطفيفة. فعلى سبيل المثال، يُتوقع أن يتراوح عدد السكان في الفئة العمرية 0-4 أعوام حول 120,000، بينما يُتوقع أن ترتفع الفئتان 5-9 و10-14 عامًا إلى نحو 123,000 و114,000 على التوالي بحلول عام 2021. ومن المنتظر أن تشهد الفئة العمرية المنتجة (20-59 عامًا) نموًا أكثر وضوحًا، لا سيما في الشريحة العمرية 30-39 عامًا، التي قد تتضاعف تقريبًا من 139,000 في 2001 إلى 261,000 في 2021.

وبالمثل، يُتوقع أن ترتفع الفئة العمرية 40-49 عامًا من 111,000 إلى 197,000. كما يُتوقع أن تتزايد شريحة كبار السن (60 عامًا فأكثر) من 56,000 في 2001 إلى 132,000 في 2021، بما يعكس تحولات ديموغرافية أوسع في المحافظة.

تأثير الموقع الجغرافي على القوى العاملة في دمياط

لقد منح الموقع الجغرافي الفريد لدمياط، على سواحل البحر والنهر والبحيرة، عند مصب النهر في البحر، داخل دلتا زراعية خصبة، وفي منطقة ذات مناخ ومحاصيل متميزة، المدينة مناظر طبيعية ساحرة وإمكانات اقتصادية هائلة. وتقع هذه المنطقة في نطاق مناخي معتدل بين الحرارة والبرودة، وتتموضع عند تقاطع ثلاث قارات قديمة. وهكذا تجمع دمياط بين خصائص المدن التجارية والصناعية والزراعية.

وعلى مر التاريخ، عمل سكان دمياط في الملاحة والتجارة والصناعات المحلية مثل الصيد والتجارة وتبييض الأرز والنسيج ومنتجات الألبان واستخراج الملح ودباغة الجلود وصناعة السفن. وقد أسهم التواصل المستمر مع موانئ سوريا والبلقان في حدوث زيجات بين سكان دمياط وشعوب تلك المناطق، مما أدى إلى نشوء سكان يمتلكون خليطًا من السمات الوراثية والثقافية، تجمع بين مزايا الطرفين.

وقد أسهم المناخ المعتدل اللطيف في ترسيخ أخلاقيات العمل بين السكان، بما يشجع على النشاط والحركة والإنتاج. كما ساهم في إبراز روح المرح والمودة والانفتاح. وتشير دائرة المعارف الفرنسية إلى أن «أهلها نشطون ويميلون غالبًا إلى المرح». وعندما كان يُخطط للمنطقة الصناعية في دمياط، قيل: «دمياط ليست بحاجة إلى ذلك، فالمدينة نفسها مدرسة صناعية كبرى». وهذه العبارة تقترب من الحقيقة، إذ يكاد لا يوجد فرد في دمياط لا يعمل، حيث يعمل الرجال والأبناء في الورش، وتُسهم الأمهات من خلال الأعمال المنزلية. ويمارس الكثير من السكان أكثر من وظيفة، فيكون أحدهم مثلاً معديًا في الصيف وصيادًا في الشتاء، أو صاحب فندق في الصيف ومحاميًا أو مديرًا في القاهرة شتاءً.

وقد أدت هذه الروح العملية إلى زيادة الإنتاج، الذي يتدفق بدوره إلى الأسواق. ونتيجة لذلك، ترتفع أجور العاملين، ما يرفع مستوى المعيشة. كما أن هذا النمط الحياتي المكثف في العمل، والنوم المبكر، ساهما في الحفاظ على ثقافة سلوكية سليمة وأخلاق حميدة. وتتميز دمياط بالتدين والسكينة، وانخفاض معدل الجريمة، وغياب الحانات، وكثرة المساجد والمصلين. ويُعرف سكان دمياط بثلاث سمات رئيسية: حسن الخلق، والاجتهاد الكامل في العمل، وروح العمل الجماعي.

ويعمل العامل الدمياطي النموذجي من الساعة الثامنة صباحًا حتى التاسعة مساءً، مع ساعة واحدة فقط للراحة والغداء. ويُجسد هذا «الاجتهاد» التزامًا بالجدية والمثابرة والتفاني التام. ويؤدي العامل في دمياط مهامه بدقة، لا باستخدام أدواته فحسب، بل أيضًا عبر عينيه وأعصابه ومهاراته وقلبه وعقله وخبرته، التي تُعد كلها مكونات أساسية في عمله. ويظل في حالة يقظة وتركيز وإصرار طوال اليوم.

ويُعد حسن الخلق جزءًا أصيلًا من شخصية الدمياطي، سواء في تعامله مع أبناء مدينته أو مع الغرباء. ويتسابق السكان في إظهار السلوك القويم في جميع نواحي الحياة. وهذا لا يعني أن دمياط مدينة مثالية، لكنها تسعى لأن تقترب قدر الإمكان من هذا المثال، وتحافظ على قدر عالٍ من الانضباط.

وقد أسهم الجمع بين حسن الخلق والعمل الجاد في بروز دمياط ونجاحها في السوق الدولية. وتسير المدينة على طريق واضح نحو جذب الاستثمارات والاقتصاد العالمي، وهو هدف يمكن تحقيقه بفضل السمات الفريدة للعاملين فيها، وجودة منتجاتها العالية، وأسعارها التنافسية. ويتمتع أهل دمياط بالطاقة والهمة، ويتشاركون هدفًا مشتركًا يتمثل في الارتقاء بمدينتهم وبأنفسهم إلى أقصى درجات التميز. ويتمثل طموحهم الأساسي في الحفاظ على مكانتهم كرمز للجودة والابتكار والموثوقية.

ومع استمرار تطور دمياط، سيظل مزيجها الفريد من التراث الثقافي والسكان النشطين والموقع الاستراتيجي حجر الأساس في تقدمها. وستعتمد قدرة المدينة على جذب الاستثمارات، وتعزيز الابتكار، والحفاظ على نسيجها الاجتماعي، على مدى نجاحها في المستقبل. ويُنتظر أن يتعاظم دور دمياط في المشهد الاقتصادي الأوسع في مصر، مدفوعًا بإصرار سكانها وقدرتهم على الصمود. وبينما تتكيف المدينة مع التغيرات الاقتصادية، من المرجح أن تواصل تجسيدها لقيم الجودة والحرفية، مما يضمن مكانتها بوصفها فاعلًا مهمًا في الأسواق المحلية والدولية.