أصبحت العلاقة بين الثقافة والتنمية الاقتصادية محورًا متزايد الأهمية في النقاشات المعاصرة. فالثقافة لا تُعد مجرد خلفية للتنمية، بل قوة ديناميكية تتفاعل مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية لتشكّل المجتمعات. وإذا ما فُهمت التنمية الاقتصادية باعتبارها تحسينًا في مستويات المعيشة، فإن ذلك يُبرز ضرورة النظر إلى العوامل الثقافية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من هذه العملية. وتجاهل السياق الثقافي لأي مجتمع يحمل خطر التغاضي عن عناصر أساسية قد يكون لها تأثير كبير على نتائج التنمية. كثيرًا ما تتداخل التحولات الاقتصادية والاجتماعية مع القيم والأعراف الثقافية، ما يؤثر في السلوك واتخاذ القرار وأولويات المجتمع.

يتناول هذا المقال كيف تؤثر الظروف الثقافية في السلوك البشري، ومن ثم في الديناميات الاقتصادية والتجارية داخل أطر محددة، وتأثيراتها الأوسع على التنمية الاقتصادية. كما يستعرض كيف تتشكل القرارات الاجتماعية والسياسية في كثير من الأحيان وفقًا لهذه الوقائع الثقافية. ويُعد الفهم النقدي لهذه التداخلات شرطًا أساسيًا لصياغة سياسات فعالة واستراتيجيات تنموية مجدية. وقد بدأت مؤسسات عالمية، مثل البنك الدولي، في السنوات الأخيرة، تدرك الدور المحوري للثقافة في التنمية، معترفةً بأنها ليست مجرد وسيلة لتحقيق غاية، بل عنصر جوهري في عملية التنمية ذاتها.

ويبدأ المقال بعرض مقاربات نظرية لفهم التفاعل بين الثقافة والتنمية، بما في ذلك وجهات النظر الكلاسيكية والحديثة، ثم ينتقل إلى دراسة حالة مدينة دمياط، وهي منطقة مزدهرة اقتصاديًا في مصر تُعرف بروحها الريادية وتفرّدها الثقافي. ومن خلال تحليل صناعاتها وبُناها الاجتماعية وديناميات سكانها، يُقدم المقال رؤى حول الكيفية التي تتعزز بها الثقافة والنشاط الاقتصادي بشكل متبادل. ويهدف المقال، من خلال هذا الاستكشاف، إلى إثبات أن إدراك التفاصيل الثقافية ودمجها في الاستراتيجيات التنموية يمكن أن يؤدي إلى نمو أكثر استدامة وشمولًا.

لقد بدأ البنك الدولي، بصفته مؤسسة رائدة في مجال التنمية، في السنوات الأخيرة، يدرك الدور الحاسم للثقافة وبدأ في دمج هذا الفهم في استراتيجياته للتنمية الاقتصادية. وقد أقرّ بأن الثقافة والتنمية مترابطتان، ليس فقط من حيث النتائج، بل كذلك من حيث الأساليب المُعتمدة لتحقيق هذه النتائج. ويجب إيلاء اهتمام كبير لفهم العلاقة بين الثقافة والتنمية، مع السعي لتصنيف الروابط المتنوعة بينهما، بما يضمن عدم إغفال أي فوائد محتملة ويساعد في تقليل التحديات غير المتوقعة.

المقاربات الثقافية

تعتمد العديد من وكالات التنمية نهج النموذج الكلاسيكي للاختيار العقلاني، وهو نموذج كان له تأثير كبير في التصورات الاجتماعية والثقافية للتنمية. ويرى هذا النهج الأفراد كفاعلين مستقلين يمكنهم، من خلال أفعالهم، ممارسة «القدرة الذاتية» والسعي لتحقيق الازدهار. ويفترض مفهوم «القدرة الذاتية» أن لدى الأفراد قدرات كامنة، وعند تفعيلها، تتحول إلى عناصر منتجة داخل المجتمع. ويشير هذا النموذج كذلك إلى أن الفقر غالبًا ما يكون نتيجة لغياب فرص الوصول إلى الموارد. ونتيجة لذلك، تسعى المؤسسات التي تتبنى هذا النموذج إلى تمكين الأفراد من ممارسة «قدرتهم الذاتية» وبالتالي التأثير في مجتمعاتهم المحيطة.

وقد ظهرت في الآونة الأخيرة وجهات نظر حديثة وأكثر اعتدالًا حول العلاقة بين الثقافة والتنمية، تدمج بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لكنها تقلل من أهمية الأصول الفردية والقدرة الذاتية. ومن بين هذه الرؤى:

• تُعد المجموعات العرقية والمجتمعية الخاصة جزءًا أساسيًا من هوية الأفراد، حيث توفر ممارسات ثقافية محددة وشعورًا بالانتماء، مما يعزز ارتباطهم بالمجتمع الأوسع (مار، 1993).

• في العديد من المجتمعات، يخضع الأفراد لتأثير الأعراف والمواقف السائدة، والتي قد تمنعهم من التصرف باستقلالية. وفي مثل هذه السياقات، قد يواجه صانعو السياسات تحديات كبيرة إذا ما تجاهلوا هذه الحقائق الثقافية، مما قد يؤدي إلى فقدان نتائج مرغوبة أو مواجهة عقبات في تنفيذ المبادرات التنموية (راو ووالتون، 2004).

التفسير الثقافي

تميّز التحليلات بين المجتمعات التي تطمح إلى التنمية وتلك التي تُبدي مقاومة تقليدية لها من خلال ممارسات أساسية تعيق النمو. وفي هذا السياق، حظيت الثقافة باهتمام متزايد، بغض النظر عن خصائصها المحددة، طالما أنها تتماشى مع الأهداف السياسية (راو ووالتون، 2004). ومع ذلك، غالبًا ما تفشل التفسيرات الضيقة للثقافة في إدراك أثرها المنهجي على التنمية. ويعارض راو ووالتون (2004) التصورات الجامدة للثقافة، مؤكدين أن الثقافة يجب أن تُفهم من خلال العلاقات: العلاقات بين الأفراد، وبين الأفراد ومجموعاتهم، وبين المجموعات المختلفة داخل إطار فكري أوسع.

بعض أنواع المجتمعات، كما يشير بورديو (1990)، تعيد إنتاج تخلفها الذاتي من خلال ممارسات اجتماعية وثقافية مترسخة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التقليل من شأن النساء في المجتمعات التي تُروّج معتقدات وتقاليد موروثة تكرّس عدم المساواة في الحقوق بين الجنسين. فعلى سبيل المثال، قد تُسهم الأم في إعادة إنتاج هذا التفاوت من خلال تفضيل أبنائها الذكور على الإناث. وفهم هذه الممارسات الثقافية الأساسية يُعد خطوة ضرورية قبل تطبيق أي سياسات تهدف إلى معالجتها، كما يجب أن يكون جزءًا من تخطيط استراتيجي طويل الأجل.

السلوك الاقتصادي المتأثر بالثقافة

«يمكن أن تُحدث التأثيرات الثقافية فرقًا كبيرًا في جوانب من السلوك البشري، والتي قد تكون حاسمة للنجاح الاقتصادي» (سين، 2004). فالثقافة، التي تختلف من مجتمع لآخر، تُشكّل كيفية إدارة الموارد وتُحدد من يمكنه الوصول إليها، وذلك بناءً على المبادئ الأساسية التي يُغرسها كل مجتمع في أفراده. وهو ما يُبرز الحاجة الملحة لأن يتبنّى صانعو السياسات نهجًا حساسًا ثقافيًا ضمن أجنداتهم الاقتصادية.

وتُعد القدرة على تنمية ما يُعرف بـ«الطموح» من القدرات الأساسية التي يجب غرسها داخل المجتمع، خاصة في المجتمعات الأقل نموًا. فعندما يُشجَّع الأفراد على الطموح، يصبحون أكثر قابلية لتسخير قدراتهم واستغلال أصولهم. وحتى في ظل غياب الموارد، يدفعهم هذا الطموح إلى البحث عن الفرص والعمل من أجل تحقيق أهدافهم، ما يساهم في مكافحة الفقر. وتُعد هذه الفكرة ذات أهمية خاصة في الثقافات التي يُنظر فيها إلى الفقر على أنه واقع حتمي. ومن ثم، فإن البرامج الثقافية المصممة خصيصًا على المدى الطويل تُعد ضرورية لمواجهة هذه القناعات الراسخة وتغيير المواقف المجتمعية.

علاوة على ذلك، فإن خطط التنمية التي لا تأخذ في الاعتبار الحساسيات الثقافية قد تؤدي إلى نتائج سلبية (سين، 2004). ويجب أن يدمج صانعو السياسات مجموعة من العوامل بجانب الثقافة، من بينها الهوية، والموقع، والنوع الاجتماعي، والمهنة، والطبقة. ولتحقيق التغيير الفعّال، لا بد من تبنّي مفاهيم السيولة والتنوع، بما يضمن أخذ جميع مصادر الهوية التاريخية في الاعتبار.

حالة دمياط

يطرح تناول حالة مدينة دمياط، التي تُعرف بأنها الأعلى دخلًا في مصر وتم الإعلان رسميًا عن خلوها من الأمية اعتبارًا من يناير 2005، تساؤلات مهمة. فالتدفّق اللافت للاستثمارات الأوروبية ورؤوس الأموال الأجنبية المباشرة خلال السنوات الخمس الماضية يدفع إلى التساؤل: ما الذي يميز سكان دمياط عن باقي المصريين؟ وكيف يتعاملون مع قضايا التنمية الأساسية؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، من الضروري أولًا فهم السياق العام للمدينة، ثم تحليل تفاعلات سكانها.

الموقع: تقع محافظة دمياط في شمال دلتا النيل، ويشطرها فرع دمياط من النيل. يحدّها من الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق بحيرة المنزلة، ومن الجنوب والغرب محافظة الدقهلية. يحيط بها البحر الأبيض من الشمال، وبحيرة المنزلة من الشرق، في حين تمتد المزارع وسهول الدلتا من الجنوب والغرب.

المناخ: تقع دمياط ضمن النطاق المناخي للبحر المتوسط، حيث تتميز بصيف جاف وحار وشتاء معتدل ممطر. ويبلغ متوسط درجات الحرارة السنوية 22 درجة مئوية، ما يعكس الخصائص المناخية العامة في مصر.

المجتمع والسكان: يُعد تركز السكان في مناطق الوادي والدلتا من أبرز ملامح التوزيع السكاني في مصر. غير أن موقع دمياط على الحافة الشمالية للدلتا جعلها تاريخيًا في حالة انعزال نسبي عن مناطق الكثافة السكانية. وتضم مدينة دمياط نحو 46% من سكان المحافظة، في حين يقيم باقي السكان في المدن والقرى المجاورة.

ويشتغل عدد كبير من القوى العاملة في دمياط في الصناعات اليدوية، لا سيما صناعة الأثاث، مما يجعلها نقطة جذب للمهاجرين. ولا تقتصر هذه الهجرة على الذكور فقط، بل تنتقل أسر بأكملها إلى دمياط نظرًا لما توفره من فرص عمل وخدمات. ويستقر نحو ثلثي المهاجرين إلى المحافظة داخل المدينة، مما يعكس جاذبيتها كمركز للنشاط الاقتصادي.

تأثير البيئة على نشاط السكان: يمنح الموقع الجغرافي الفريد لدمياط — بين البحر والنهر والبحيرة — المدينة تنوعًا طبيعيًا وموارد وفيرة. وقد اشتغل سكانها تاريخيًا بالملاحة والتجارة والصناعات المحلية مثل الصيد، وطحن الأرز، والمنسوجات، وإنتاج الألبان، واستخراج الملح، وبناء السفن. وأسهمت علاقاتهم المنتظمة مع موانئ سورية وبلقانية في إثراء تنوعهم الثقافي والوراثي.

ويُشجّع المناخ المعتدل على الإنتاجية، مما ينعكس على ما يتصف به السكان من اجتهاد وودّ. وتدعم هذه البيئة الديناميكية أخلاقيات العمل الصارمة، وهو ما يتجلى في جودة منتجاتهم وسمعة المدينة العالمية في التميز.

الصناعات:

الأثاث: توظّف صناعة الأثاث في دمياط نحو 84% من القوى العاملة، وتنتج ما يزيد عن ثلثي أثاث مصر. وتُعرف ورشها — وعددها 7,792 ورشة نجارة و7,974 ورشة مكملة — بمهارتها وحسّها الابتكاري.

الأحذية: تنتج المدينة نحو 1.5 مليون زوج من الأحذية سنويًا، عبر 800 وحدة إنتاج توفّر فرص عمل لأكثر من 2,400 عامل. وتدعم هذه الصناعة شبكات توزيع محلية ووطنية.

المنسوجات: يُغذّي القرب من مناطق زراعة الكتان والقطن صناعة المنسوجات في دمياط، التي تضم أكثر من 40 وحدة إنتاج وتولّد ما يزيد عن 240 طنًا من المنسوجات سنويًا.

الألبان: تُعرف دمياط بجبنتها القريش المميزة، ويضم قطاعها للألبان 240 منتجًا خاصًا وشركة واحدة تابعة للقطاع العام، وتُصدّر منتجاتها إلى أسواق إقليمية ودولية.

الحلويات: يتخصّص قطاع الحلويات في المدينة في إنتاج أصناف تقليدية مثل المشبك والهريسة. ويضم هذا القطاع 126 منتجًا، ويبلغ حجم إنتاجه السنوي نحو 20 ألف طن.

الصيد وصناعة القوارب: نظرًا لإحاطتها بالمياه، تتمتع دمياط بتاريخ طويل في الصيد وبناء السفن. ولا تزال هذه الحرفة مزدهرة، حيث تُورَّث المهارات جيلًا بعد جيل، مع تأثرها بالخبرات العالمية.

استخراج الملح: يُستخرج الملح على سواحل البحر المتوسط وبحيرة المنزلة باستخدام طرق تقليدية، ثم يُنقل المنتج المكرر إلى المصانع في دمياط وبورسعيد.

ميناء دمياط: أُنشئ في عام 1986، ويُعد من أكثر الموانئ تطورًا وكفاءة في البحر المتوسط، ما يجعله محورًا للتجارة الترانزيت والشحن بالحاويات. وقد جعله موقعه الاستراتيجي مركزًا للازدهار الاقتصادي والثقافي تاريخيًا.

رأس البر: تُعد هذه الضاحية من دمياط نقطة التقاء نهر النيل بالبحر المتوسط، ويجعل مناخها المعتدل وموقعها الخلاب منها مقصدًا سياحيًا شهيرًا.

دمياط الجديدة: تقع على بعد 4.5 كيلومتر من الميناء، وقد صُممت لتكون مركزًا حضريًا أخضر ومستدامًا. وتمزج خصائصها الساحلية والزراعية بين فرص السياحة والتنمية.

تُبرِز الطاقات الإنتاجية العالية لسكان دمياط وتنوع صناعاتها دورها الفريد كنموذج للتنمية الثقافية والاقتصادية في مصر، مما يُجسّد التفاعل الوثيق بين القيم الثقافية والتقدم الاقتصادي.

الاستبيان

لاستكشاف العلاقة بين الخلفية الثقافية والتنمية في مدينة دمياط، أُجري استبيان على عينة عشوائية غير ممثلة شملت 25 فردًا من خلفيات مهنية متنوعة. وهدف الاستبيان إلى تحليل كيفية اتخاذهم للقرارات المرتبطة بقضايا تنموية كبرى مثل تفضيلات العمل، حجم العمل، المشاركة في برامج تنظيم الأسرة، الأهمية الاجتماعية للتعليم، وقرارات الزواج. وقد تُرجم الاستبيان إلى اللغة العربية وقُدّم بشكل فردي لكل مشارك.

النتائج

هل تستخدم أنت أو زوجتك وسائل لتنظيم الأسرة؟

☑ نعم 68% ☑ لا 32%

«التعليم مهم لنجاح عملك». ما مدى موافقتك على هذه العبارة؟

☑ أوافق بشدة 68% ☑ أوافق 24% ☑ لا أوافق 8% ☑ لا أوافق إطلاقًا 0%

أيّهما أكثر أهمية بالنسبة لك؟

☑ تعليم الذكور 20% ☑ تعليم الإناث 80%

ماذا تود أن يعمل ابنك؟

☑ الحصول على شهادة جامعية والعمل معى 16%
☑ الحصول على شهادة جامعية والعمل في القطاع العام 20%
☑ الحصول على شهادة جامعية والعمل في القطاع الخاص 44%
☑ الحصول على دبلوم فني والعمل معى 0%
☑ الحصول على دبلوم فني وبدء مشروع خاص به 20%
☑ طالما يعرف القراءة والكتابة، يعمل معى 0%

إذا كان لديك ابن وابنة ومبلغ ضئيل لا يكفي إلا لتعليم أحدهما فقط، أيهما تختار؟

☑ الابنة 88% ☑ الابن 12%

إذا حصلت ابنتك على مجموع كافٍ لدخول الجامعة، فأين تُرسلها؟

☑ جامعة في دمياط فقط 32%
☑ أي جامعة في مصر 48%
☑ لا ترسلها إلى الجامعة 20%

إذا تقدّم لخطبة ابنتك شخص، هل تفضل أن يكون:

☑ يعمل لحسابه الخاص 32% ☑ موظفًا في القطاع الخاص 36% ☑ موظفًا في القطاع العام 32%

إذا تقدم شخص ثري، ذو سمعة طيبة ومحترم، لكنه غير متعلم، لخطبة ابنتك، ما موقفك؟

☑ أوافق بشدة 0% ☑ أوافق 12% ☑ لا أوافق 8% ☑ أرفض بشدة 80%

التحليل

تُقدّم نتائج الاستبيان، المستخلصة من 25 مشاركًا، فهمًا دقيقًا لتفاعل الثقافة مع التنمية الاقتصادية في دمياط. ومن أبرز النتائج قبول 68% من المشاركين باستخدام وسائل تنظيم الأسرة، ما يشير إلى توجه تقدّمي نحو ضبط حجم الأسرة كأداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. كما يؤكد التقدير المرتفع للتعليم — حيث أعرب 92% عن موافقتهم أو موافقتهم الشديدة على أهميته للأعمال — وعي المجتمع بالدور الحاسم للمعرفة في دفع النمو الاقتصادي.

ومن النتائج اللافتة كذلك أولوية تعليم الإناث، حيث رأى 80% من المشاركين أنه أكثر أهمية من تعليم الذكور. ويعكس هذا الموقف التقدّمي تحوّلًا في الأعراف الثقافية، ويُبرز الإمكانيات التحويلية لتمكين المرأة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، يتقاطع هذا الموقف مع نزعة محافظة تتمثّل في تفضيل بقاء الفتيات في جامعات محلية بنسبة 32%، ورفض 20% لفكرة التعليم الجامعي للفتيات تمامًا.

أما التفضيل الواضح لتوظيف الأبناء في القطاع الخاص بنسبة 44%، فيعكس عقلية ريادية، تدعمها رغبة 20% في أن يبدأ أبناؤهم مشروعاتهم الخاصة. ويتماشى ذلك مع السمعة التاريخية لدمياط كمركز للابتكار والنشاط. ومع ذلك، فإن تفضيل سكان المناطق الريفية في الجنوب للوظائف الحكومية يشير إلى استمرار التطلعات التقليدية المرتبطة بالعمل الحكومي.

وتُظهر تفضيلات الزواج تركيزًا على التعليم والاستقرار الوظيفي، حيث فضّل 36% من المشاركين أن يكون أزواج بناتهم من موظفي القطاع الخاص، كما رفض 80% بشكل قاطع تزويج بناتهم من رجال غير متعلمين، حتى وإن كانوا أثرياء. ويُبرز هذا الارتباط بين قرارات الزواج والأهداف الاجتماعية والاقتصادية الأكبر أهمية التعليم والدخل المستقر كأساس للتقدّم العائلي والمجتمعي.

وعمومًا، تكشف نتائج التحليل عن مجتمع يسعى إلى التوازن بين القيم التقليدية والتوجهات التقدّمية الناشئة، مما يؤكد أهمية الفهم الثقافي في تصميم سياسات تنموية تراعي السياقات المحلية.

الخلاصة

تشير نتائج الاستبيان إلى أن للثقافة دورًا أساسيًا في التنمية الاقتصادية لمدينة دمياط، بينما ساهم النمو الاقتصادي الأخير في المدينة أيضًا في تشكيل الأعراف الثقافية. ويتجلى هذا التفاعل المتبادل في المواقف التقدمية تجاه تنظيم الأسرة وأولوية تعليم الإناث، حيث فضّل 80% تعليم البنات على تعليم الذكور. إلا أن بعض النزعات المحافظة لا تزال قائمة، مثل تفضيل قصر التعليم الجامعي للفتيات على الجامعات المحلية، وتوقّع أن يصبحن ربّات منازل بعد التخرج.

وتعكس العقلية الريادية المتجذّرة في دمياط تاريخها الاقتصادي المميز، حيث أظهرت نتائج الاستبيان ميولًا قوية نحو التوظيف في القطاع الخاص وامتلاك المشروعات. وتتباين هذه الروح الريادية مع توجهات المناطق الريفية جنوب المحافظة، حيث تستمر التطلعات التقليدية للعمل في القطاع الحكومي. وتُبرز هذه النتائج التنوع داخل دمياط، وتوضح كيف تؤثر العوامل الثقافية والاقتصادية المحلية على استراتيجيات التنمية.

كما توضح تفضيلات الزواج كيف تتقاطع القيم الثقافية مع الأهداف الاقتصادية. فتركيز المجتمع على التعليم والاستقرار الوظيفي في قرارات الزواج يعزز أهمية هذه العوامل في تشكيل مسار التقدّم المجتمعي. ويُعد الرفض القوي لتزويج الفتيات من رجال غير متعلمين — حتى وإن كانوا أثرياء — مؤشرًا واضحًا على اعتبار التعليم حجر الزاوية في التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

ولا يدّعي هذا المقال أن دمياط تمثّل مدينة مثالية، بل يسعى إلى تسليط الضوء على التفاعل المعقّد بين الثقافة والتنمية الاقتصادية في المدينة. ولا تزال هناك تحديات تتطلب معالجة، مثل المشاركة المحدودة للمرأة في الحياة العامة، والتي تعود في كثير من الأحيان إلى الأعراف الثقافية أو التفضيلات الشخصية. ويتطلب التعامل مع هذه المسائل استراتيجيات تنموية واعية ثقافيًا ومبنية على السياق المحلي. ومن خلال فهم هذه الديناميات وتوظيفها، يمكن لتجربة دمياط أن تقدّم دروسًا قيّمة لبقية المجتمعات المصرية الساعية إلى تحقيق تنمية مستدامة.

ويُغذي تاريخ دمياط الاقتصادي الطويل عقلية ريادية تقدّر المبادرات الخاصة على الاعتماد على الحكومة أو العمل في القطاع العام. إلا أن ردود المشاركين من المناطق الريفية جنوب دمياط تُظهر استمرار بعض التفضيلات للعمل الحكومي، وهو اتجاه شائع في ريف مصر، حيث تُعد الوظائف الحكومية رمزًا للمكانة الاجتماعية.

ولا يدّعي هذا المقال أن دمياط تمثل يوتوبيا، بل يهدف إلى توضيح التفاعل بين الثقافة والموجة التنموية الناشئة في المدينة. وهناك خصائص مجتمعية معينة تستحق اهتمامًا خاصًا، مثل محدودية المشاركة الفعلية للمرأة في الحياة العامة، والتي غالبًا ما تكون مدفوعة بأعراف ثقافية أو قناعات شخصية. ويتطلب التصدي لهذا التوجه استراتيجيات تنموية تراعي الثقافة المحلية. ومن خلال فهم الثقافات المحلية ودمجها في السياسات، يمكن لتجربة دمياط أن تكون نموذجًا تحتذي به مجتمعات مصرية أخرى لتحقيق تقدم مماثل.

المراجع

Brault, Simon. “The Arts and Culture as New Engines of Economic and Social Development.” Policy Options 26, no. 3 (March-April 2005): 53–56. Accessed June 1, 2007. https://policyoptions.irpp.org/magazines/policy-optionsat-25/the-arts-and-culture-as-new-engines-of-economic-and-social-development/.

Bornstein, Marc H., and Michael E. Lamb, eds. Developmental Science: An Advanced Textbook. 5th ed. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2005.

Elyachar, Julia. “Empowerment Money: The World Bank, Non-Governmental Organizations, and the Value of Culture in Egypt.” Public Culture 14, no. 3 (2002): 493–513.

Goldman, Michael, and Rachel A. Schurman. “Closing the ‘Great Divide’: New Social Theory on Society and Nature.” Annual Review of Sociology 26 (2000): 563–584.

Göncü, Artin, ed. Children’s Engagement in the World: Sociocultural Perspectives. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.

Hovland, Ingie. “Knowledge Management and Organisational Learning: An International Development Perspective.” Knowledge Management for Development Journal 2, no. 1 (2006): 87–98.

Information and Decision-Taking Center, Damietta Governorate. Statistics Center Publications. Damietta, Egypt: Information and Decision-Taking Center, 2003.

Moncrieffe, Joy M. The Role of Culture in Development. Overseas Development Institute, 2004. Prepared for the Commission for Africa. Accessed June 1, 2007. https://jcmcp.org/wp-content/uploads/2020/01/the_role_of_culture_in_development.pdf.

Oronje, Rose. “Challenges Faced by African Organizations in Knowledge Sharing: The Case of the African Population and Health Research Centre.” Knowledge Management for Development Journal 2, no. 1 (2006): 78–87.

Sen, Amartya. “Culture and Development.” In Developmental Science: An Advanced Textbook, edited by Marc H. Bornstein and Michael E. Lamb, 45–70. Mahwah, NJ: Lawrence Erlbaum Associates, 2005.

The Crisis. “The Role of Culture in Development.” October 1993. Accessed June 1, 2007. http://findarticles.com/p/articles/mi_m1310/is_1993_Oct/ai_14591246.

UNESCO. “The Role of Culture in Development.” Accessed June 1, 2007. http://portal.unesco.org/culture/en/ev.phpurl_id=24565&url_do=do_topic&url_section=201.html.