أثارت قراءة مقال «فقر المدن في المناطق النامية» لمارتن بروكيرهوف وإلين برينان (1998) عددًا من الرؤى النقدية، لا سيما فيما يتعلق بإدارة المدن، والحوكمة الحضرية، والدور الاقتصادي للمدن في السياق الأوسع للتنمية الاقتصادية. ويطرح الكاتبان حجة مقنعة مفادها أن تأثير النمو السكاني على الرفاه الحضري يختلف من مدينة لأخرى ومن سياق إقليمي لآخر. وتُبرز أنماط التغير الحضري المختلفة أن نوعية الحياة في المدن الكبرى تتباين بدرجة ملحوظة بين المناطق النامية الرئيسة.
يسلط المقال الضوء على الوضع المتدهور للفقر الحضري في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث أدت الأزمات الاقتصادية وبرامج التكيف الهيكلي إلى تراجع كبير في نصيب الفرد من الدخل. وغالبًا ما فُرضت هذه البرامج من قبل مؤسسات التمويل الدولية، وأسفرت عن تسريح واسع النطاق للعمال وإلغاء الدعم الذي كان يستفيد منه سكان المدن بالأساس. ونتيجة لذلك، يواجه سكان الحضر ارتفاعًا حادًا في أسعار الغذاء والنقل والإسكان، إلى جانب تدهور في الخدمات العامة والبنية التحتية. وقد ازدحمت المناطق التجارية المركزية بالباعة الجائلين والموزعين الصغار، بينما اضطُر عدد متزايد من السكان للانتقال إلى تجمعات سكنية غير مخططة على أطراف المدن، حيث تكون الأرض أرخص ولكن الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي شبه معدومة. وأدى هذا التوسع الأفقي في المناطق الريفية المحيطة إلى زيادة الضغط على بنى تحتية هي بالأصل غير كافية.
وتُعد نتائج الكاتبين بشأن تحديات إدارة النمو الحضري صادمة. فحتى في حال توقف الهجرة من الريف إلى الحضر، فإن سرعة النمو السكاني في العديد من مدن إفريقيا ستظل كفيلة بإرهاق البنى التحتية والخدمات القائمة. وحتى في ظل أكثر السيناريوهات تفاؤلًا فيما يخص التقدم الاقتصادي والحوكمة الفعالة، فإن احتمالات تحقيق تحسن كبير في رفاه السكان الحضر لا تزال ضعيفة، نظرًا لضعف المؤسسات العامة وآليات تقديم الخدمات.
وتُبرز الدراسة بشكل أعمق تداخل الفقر مع التحضر في إفريقيا جنوب الصحراء. فبحسب بيانات البنك الدولي، كانت مستويات الفقر في المنطقة من بين الأعلى عالميًا، حيث عاش بين 45 إلى 50% من السكان تحت خط الفقر خلال تسعينيات القرن العشرين. وفي عام 1993، قُدّر أن 40% من سكان إفريقيا جنوب الصحراء يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، معظمهم في شرق إفريقيا ونيجيريا. وإلى جانب انخفاض مستويات الدخل، فإن صعوبة الوصول إلى الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والرعاية الصحية تُفاقم من حدة الوضع. فعلى سبيل المثال، يبلغ متوسط معدلات الالتحاق بالتعليم الابتدائي 67% فقط، مقارنة بـ94% في جنوب آسيا و117% في شرق آسيا. كما تصل معدلات وفيات الرضع في إفريقيا جنوب الصحراء إلى 93 وفاة لكل 1000 ولادة حية، مقارنة بـ84 في جنوب آسيا و36 في شرق آسيا.
ويُحدد البنك الدولي عددًا من الأسباب المترابطة للفقر في إفريقيا جنوب الصحراء ترتبط ارتباطًا وثيقًا بظاهرة التحضر، وهي:
- ضعف فرص الحصول على فرص العمل.
- صعوبة الوصول إلى الأصول المادية مثل الأرض ورأس المال، وضعف توافر الائتمان.
- قلة الدعم الموجه لتنمية المناطق الريفية الفقيرة.
- ضعف إمكانية الوصول إلى الأسواق التي يمكن للفقراء بيع منتجاتهم وخدماتهم فيها.
- انخفاض مستويات رأس المال البشري.
- تدهور البيئة نتيجة استنزاف الموارد الطبيعية.
- انعدام الدعم للفئات القريبة من الفقر أو من يمرون بحالات فقر مؤقتة.
- تدني مشاركة الفقراء في تصميم برامج التنمية.
وتُبرز هذه العوامل الطبيعة الهيكلية للفقر في المنطقة، وارتباطه الوثيق بالتحضر السريع للفئات الفقيرة، ما يشكّل تحديًا كبيرًا أمام تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة. وكان بإمكان دراسة بروكيرهوف وبرينان أن تُبرز بشكل أوضح تقاطع هذه العوامل والتحديات الفريدة التي تفرضها على الحوكمة الحضرية والتنمية الاقتصادية.
وتُعد الحوكمة أحد الجوانب الحاسمة في مكافحة الفقر في إفريقيا جنوب الصحراء. إذ يُعد فشل العديد من الحكومات الإفريقية في إعطاء أولوية لتخفيض معدلات الفقر من أبرز أوجه القصور. ويتحمّل المانحون، ومنهم البنك الدولي، جزءًا من المسؤولية بسبب استعدادهم لتقديم القروض رغم ضعف التزام الحكومات بمعالجة الفقر. ويتطلب تخفيف حدة الفقر مشاركة نشطة من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومات المحلية، والمنظمات الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني. ورغم أن بروكيرهوف وبرينان يُلمحان إلى الحاجة لتعاون متعدد الأطراف، فإنهما لا يغوصان بعمق في الآليات التي يمكن من خلالها تحقيق هذا التنسيق.
وكان من الممكن أن يمنح المقال اهتمامًا أكبر لمكافحة الفقر باعتبارها أولوية اقتصادية وسياسية ملحة لإفريقيا جنوب الصحراء. فبما أن الفقر يُعد سببًا ونتيجة في آنٍ واحد للتحضر، فإن معالجته يجب أن تكون في صميم أي استراتيجية تنموية جادة. وتشمل هذه الاستراتيجية إصلاحات في الحوكمة الحضرية، واستثمارات في البنية التحتية، وسياسات تهدف إلى خفض معدلات الخصوبة في المناطق الحضرية. كما أن تشجيع النمو الاقتصادي الشامل الذي يوفّر فرص عمل ويدعم المشروعات الصغيرة يمكن أن يسهم بدرجة كبيرة في الحد من الفقر الحضري.
الخاتمة
يقدّم مقال بروكيرهوف وبرينان إطارًا مهمًا لفهم تعقيدات الفقر الحضري في المناطق النامية، مع تركيز خاص على إفريقيا جنوب الصحراء، وما يحمله من دلالات على التنمية الاقتصادية المستدامة. وتُبرز تحليلاتهما التفاعل بين التحضر السريع، والأزمات الاقتصادية، وإخفاقات الحوكمة، ما يوضح الحاجة الملحة لاستجابات شاملة ومنسقة. وتنسجم نتائج الكاتبين بشكل كبير مع النقاشات الأوسع حول التنمية الاقتصادية وتحديات إدارة النمو الحضري في الدول منخفضة الدخل.
ومع ذلك، كان من الممكن أن تستفيد الدراسة من نقاش أوضح للأبعاد التنموية الاقتصادية المرتبطة بتخفيف الفقر. فبدمج وجهات النظر المتعلقة بتوليد فرص العمل، والاستثمار في البنية التحتية، وإصلاح الحوكمة، كان بالإمكان تقديم رؤى أكثر عملية لصنّاع السياسات. ومع ذلك، يظل المقال تذكيرًا مهمًا بضرورة وضع تخفيف الفقر في قلب استراتيجيات التنمية للدول التي تواجه تحضرًا سريعًا وتفاوتًا راسخًا في توزيع الثروة.
المراجع
Brockerhoff, Martin, and Ellen Brennan. “The Poverty of Cities in Developing Regions.” Population and Development Review 24, no. 1 (March 1998): 75–114.
World Bank. “Africa Region Findings: Urbanisation and Poverty in Sub-Saharan Africa.” Findings No. 73, World Bank, 1997. Accessed September 1, 2007. http://www.worldbank.org/afr/findings/english/find73.htm.