في محاولة لتسليط الضوء على سياسات البنك الدولي واستراتيجياته وهيكليته، وربط ذلك بمحاضرة إيمانويل مبّي ممثل البنك في مصر، يبدو أن ثمة مجموعة من الانتقادات لا مفرّ منها. يرى منتقدو البنك الدولي أن المؤسسة لم تُنشأ لتقليص الفقر، بل لدعم مصالح الأعمال الأميركية، ويجادلون بأن البنك زاد الفقر فعليًا بينما تجاهل البيئة والصحة العامة والتنوع الثقافي. ويدّعي بعض المنتقدين أيضًا أن البنك الدولي ظلّ يروّج لأجندة رأسمالية، مفروضًا سياسات على الدول النامية أضرت بها، وكانت مدمّرة وغير تنموية. وقد ذهب عدد من المثقفين في الدول النامية إلى القول إن البنك الدولي يمثل بوضوح أشكالًا معاصرة من الإمبريالية المدفوعة من المانحين والمنظمات غير الحكومية، وأن نتاجه الفكري يساهم في إلقاء اللوم على الفقراء بسبب أوضاعهم.

من جهة أخرى، يُنتقد البنك الدولي بوصفه أداة لدعم المصالح الغربية في بعض مناطق العالم. وتعكس هيكلية البنك حقيقة أن رئيسه دائمًا أميركي، يُرشّحه رئيس الولايات المتحدة. وقد وُجهت إليه اتهامات بأن هيكله لاتخاذ القرار غير ديمقراطي، إذ تملك واشنطن عمليًا حق النقض في بعض القرارات الدستورية بفضل أكثر من 16% من حصص البنك. علاوة على ذلك، لا تمرّ القرارات إلا بموافقة الدول الممثلة لأكثر من 85% من إجمالي الأسهم. ويندرج تحت هذا الانتقاد أيضًا الحكم الإداري الداخلي، والطريقة التي يُتهم بها البنك الدولي بغياب الشفافية تجاه الجمهور الخارجي والباحثين، فضلًا عن تزييف التقارير لتمرير بعض المشاريع المقصودة أو إخفاء الإخفاقات.

ويعتبر منتقدو البنك قلقين أيضًا من الشروط المصاحبة للقروض المفروضة على الدول المقترضة. غالبًا ما يربط البنك شروط القروض بما يُعرف بإجماع واشنطن، مركزًا على تحرير التجارة والاستثمار والقطاع المالي، وإلغاء التنظيمات، وخصخصة الصناعات المملوكة للدولة. وغالبًا ما تُفرض هذه الشروط دون اعتبار للظروف الخاصة بالدول المقترضة، وغالبًا ما تفشل التوصيات الوصفية التي يطرحها البنك في حلّ المشكلات الاقتصادية داخل هذه البلدان.

وتتعدى المخاوف أيضًا إلى نوعية مشروعات التنمية التي يموّلها البنك الدولي. فالكثير من المشروعات البنية التحتية التي يمولها البنك لها نتائج اجتماعية وبيئية على السكان في المناطق المتأثرة، وقد تمحورت الانتقادات حول الجوانب الأخلاقية لتمويل مثل هذه المشاريع. فمثلًا، أدى بناء سدود لتوليد الكهرباء بدعم من البنك في عدة دول إلى تشريد الشعوب الأصلية في تلك المناطق. وتنبع انتقادات أخرى من تصور أن البنك الدولي، بالتعاون مع القطاع الخاص، يقوّض دور الدولة كمزود رئيسي للخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم، مما يؤدي إلى إضعاف هذه الخدمات في دول في أمسّ الحاجة إليها. كما تُوجَّه انتقادات قوية لنظم حكم البنك الدولي، التي تهيمن عليها الدول الصناعية. فتُتّخذ القرارات وتُنفَّذ السياسات من قبل الدول الصناعية الكبرى مثل مجموعة السبع، التي تمثل أكبر المانحين، مع استشارة محدودة للدول الفقيرة والنامية.

مع ذلك، قدّم مبّي عرضًا جيدًا لاستراتيجيّات وأنشطة البنك الدولي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كان إيجابيًّا ووَعدًا. فاستعرض مشروعات البنك في مصر، لا سيما مقترحات المشاريع والأبحاث المرتبطة بها، التي كانت «مخطّطة» ومُقدَّمة بشكل جيد. وفي المقابل، حاول مبّي جاهدًا معالجة المخاوف والانتقادات السابقة بشأن ممارسات البنك، مقدمًا ردودًا يُمكن وصفها بأنها، إلى حدّ ما، مقنعة أو دبلوماسيًّا «محسوبة».

وكانت قضية مصر محلّ اهتمام خاص. ونظرًا إلى أن مصر أحد متلقي المساعدات الرئيسية من الوكالة الأميركية للتنمية ومانحين مثل الاتحاد الأوروبي، ثار السؤال: لماذا لا يعيد البنك الدولي تركيزه إلى دول أخرى أكثر حاجة؟ وبرّر مبّي استمرار تركيز البنك على مصر بالإشارة إلى الترتيبات المنسقة بين البنك والوكالة الأميركية، التي تهدف إلى تجنّب التنافس أو التكرار في استهداف الأهداف التنموية. ورغم أن هذا التوضيح يبدو منطقيًّا، فإنه لا يبرّر بالكامل حجم المساعدات التي تواصل مصر تلقّيها. كما أشار مبّي إلى أن موازنات الوكالة في مصر قد تقلّصت بشكل حادّ، ما يُفسّر جزئيًّا دور البنك.

وفي محاولة لتحسين صورة البنك، أبرز مبّي أن المؤسسة، رغم تصور تأثير الضغوط الأميركية عليها، قد خضعت لتغييرات جوهرية خلال فترة رئاسة المدير الحالي. واصفًا سياسات الرئيس بأنها تُدار بشكل جيد وتستحق الاحترام. ومع ذلك، فإن ذلك لا يعالج مسألة جوهرية: لماذا رئاسة البنك محصورّة حصريًا بأميركيّين؟

وبخصوص نقد سياسات التكيّف البنيوي والشروط المصاحبة، طرح مبّي تحديثًا مثيرًا. مستشهدًا بأوغندا كمثال، أجاب بأن البنك الدولي لم يعد يتبع سياسات التكيّف البنيوي ولا يفرض الشروط، إذ اعتُبر كلاهما ممارسات قديمة. وعرّف الاستراتيجية الجديدة للبنك باسم «سياسة التحفيز»، مصحوبة بإشارة إطلاق نار بيده اليمنى المرفوعة. تتيح هذه الاستراتيجية للدول أن تشرع في تغييراتها الخاصة وتقترح مشروعات تعاونية تُفاوض مع البنك لاحقًا. ومع أن الاستراتيجية تبدو وكأنها تمنح الدول المقترضة استقلالية أكبر، يبقى التوجّس حاضرًا. فالفرق الوحيد، كما يبدو، هو أن على هذه الدول أن تُنفّذ تعديلات هيكلية مسبقة لتلبية معايير البنك حتى يتم النظر في تمويل مشروعاتها.

وفيما يخص الأخطاء الماضية، لم يخفِ مبّي وجودها. بل أبدى تفاؤلًا بأن أنظمة البنك الجديدة وسياساته وممارساته الإدارية ستفضي إلى نهج أكثر شفافية وفاعلية في مكافحة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة. وهذا التفاؤل يتشاركه كثيرون، لكن ما إذا كانت هذه التغييرات ستثمر نتائج ملموسة، يبقى أمرًا غير مؤكد.

فالبنك الدولي، شأنه شأن أي كيان سياسي، يروّج لنفسه كعامل محفّز للتغيير التحويلي. لكن وعوده غالبًا ما تبقى دون تنفيذ. وفي النهاية، لن يبيّن سوى الوقت مدى نجاح أو فشل هذه التغييرات المزعومة، ومدى صدق التزامه بمواجهة التحديات المعقّدة التي تواجه دول الجنوب العالمي.

هذا المقال نشر أولاً بالإنجليزية بواسطة ساوث بوش وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.