في محاضرة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بمبنى الكتب النادرة في الثالث عشر من مايو السابق، تحدث الدكتور إيمانويل مبى – مدير البنك بمصر واليمن وجيبوتي بلغة جذابة وإيجابية عن مشاريع البنك الدولي واهتماماته الإنسانية، ومما أصاف إلى مصداقية هذا الرجل المحترم تلك اللهجة الأفريقية المعبرة على إنتمائه لنا نحن – العالم النامي، وحقيقة قد أظهر السيد إمبي لباقة ودبلوماسية مبهرة في “تبييض” وجه تلك المنظمة.
وقد سأله أحد الطلاب الحضور والذي بدا عليه الاهتمام البالغ والاطلاع المسبق على سياسات البنك قائلا “ألم يحن للبنك أن يغير من سياساته التنموية المعروفة بالشرطية أو إعادة الهيكلة التي لم تجلب لكثير من دول العالم النامي سوى المزيد الأعباء كما بينت الكثير من الأبحاث الأكاديمية؟” عندها ابتسم السيد مبي بثقة وتفاؤل ثم عقب قائلا بفخر “لقد انتهى عصر الشرطية وفرض إعادة الهيكلة على الدول النامية وقد أصبح جزءا من التاريخ، أما الآن فنحن نتبع سياسة ال triggering.” وقد رفع يده لأعلى وكأنه يضغط على زناد بندقية، وقد أعجب بذلك الكثير من الحضور.
وهذا المصطلح الجديد على التنمية (على الأقل بالنسبة لي ومعظم من شاركوني تلك المحاضرة) يعني حرفيا الضغط على الزناد أو ربما يسميه أحد اللغويون “التسبب”، وقد شرح هو أيضا ما يفيد بأن الدول النامية الآن هي صاحبة القرار “والدافعية” في اختيار وتطبيق مشاريعها بنفسها دون أي “قيود” أو شرطية من البنك الدولي، فقط عليها أن تبين الكيفية وأن تبرهن على قدرتها على إدارة استراتيجياتها، وعندها ما على البنك سوى تقديم يد العون لتلك الدول.
حقيقة! خرجت من المحاضرة في حالة من التفكير في هذا المصطلح الجديد المثير للاهتمام والباعث على التفاؤل بأن هذه الدول قليلة الحيلة قد تصبو أخيرا لتحقيق أحلامها الذاتية بدون إملاءات خارجية من الدول المانحة والمسيطرة على صناعة القرار بتلك المنظمة العملاقة، لكنني عدت سريعا لسابق الصورة القاتمة والمتشائمة المرتبطة بذهنى وهذه المؤسسة.
لم تتغير الصورة بذهني ببساطة لأن تلك الدول المانحة والقوى الدولية المسيطرة على البنك الدولي لم تتغير، ولم تتغير أطماعها أو طموحها بتبعية الدول النامية لها فلا تمثل سوى مصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة أو أسواق مضمونة لتصريف بضائعها الاستهلاكية، ناهيك عن السلع الغذائية وخاصة في ظل أزمة الغذاء العالمية حيث تفرض تلك القوى العالمية رفع الدعم عن الإنتاج الزراعي في الدول النامية من خلال إملاءات البنك الدولي وتكيل بمكيال آخر لشعوبها في أوروبا والولايات الأمريكية حيث تتواجد أعلى معدلات الدعم الزراعي في العالم، وكأنه كتب على تلك الشعوب أن تظل جائعة أو متسولة للقمة عيشها من تلك المنظمات المانحة.
ربما مؤخرا قد ارتفعت نبرة النداء بمحاربة الفقر وتوفير الغذاء لفقراء هذا العالم، ربما أيضا علت الكثير من الأصوات حتى من داخل تلك المنظمات بالعمل الجدي من أجل تنمية مستدامة تكون فيها الاستراتيجيات مصنوعة محليا في هذه الدول الفقيرة تعبيرا عن طموحاتها الذاتية، وهذا حقيقة يعتبر بصيص أمل يبعث على بعض التفاؤل، لكن هذا الأمل سرعان ما يخبو ضوءه في هذا النفق العملاق شديد الظلمة المليء بأشباح مصالح القوى الدولية والمسيطرة على كل عمليات صناعة القرار بالمنظمات العالمية بدءا من الأمم المتحدة (البيت الزجاجي) مرورا بمنظمة التجارة العالمية (مصباح التنمية السحري) وانتهاء بالبنك الدولي (مبدع المصطلحات القديمة المتجددة).
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصجية.