بقلم: رشيد حمودة
أمضى ماهر حمود جزءًا كبيرًا من حياته المهنية كصحفي، وكان معظم هذا الوقت في بلده مصر، دائمًا على تماس مباشر مع الشارع حتى خلال فترة توليه رئاسة تحرير هذه الصحيفة نفسها. حمود حاصل على تدريب في علم الاقتصاد، وله خبرة طويلة في العمل الصحفي، كما أنه صاحب آراء صريحة في شؤون مصر والشرق الأوسط والعلاقات بين «الشرق والغرب». ولذا، قد يكون من المدهش أن يكون أول كتاب يصدره ليس أطروحة عن السياسة الحديثة أو الاقتصاد الاجتماعي، بل مذكرات سفر شخصية للغاية، لكنها في الوقت ذاته متاحة لأي قارئ خاض تجربة التعامل مع ثقافة جديدة ومربكة.
غير أن كتاب «حشوة الشوكولاتة: ملاحظات من تحت القشرة البلجيكية»، ليس مذكرات سفر تقليدية بأي حال. فهو يخلو من الكليشيهات المعتادة لهذا النوع من الكتب، خاصة من منظور أمريكي (لا توجد رحلة على الطريق). بل على نطاق أوسع، يفتقر إلى مكون أساسي من مذكرات السفر: السفر ذاته. أو بشكل أدق، لا يوجد الكثير عن فعل التنقل أو الرحلة، باستثناء بعض المقاطع العابرة. ففي عالم حمود، هو دائمًا في مكان ما، ثابت، سواء في مقهى «ميزون دو بوبل» في بروكسل، أو «مانتيكا» في مدينة غنت، أو حتى أثناء مشاهدته للبريطانيين يتقيؤون ويتبولون في شوارع لندن أثناء احتفالات رأس السنة.
وهنا يكمن تحديدًا جوهر قوة أسلوب حمود في الكتابة، ويُعد «حشوة الشوكولاتة» مثالًا بارزًا على ذلك. فلحمود قدرة مذهلة على أن يجعل من نفسه «محليًا» في أي مدينة يتواجد بها، لكنه يبقى دومًا الصحفي العامل، المراقب البارد المتأمل. ومن هذا المنطلق، ينقلب هذا الكتاب على قالب مذكرات السفر التقليدية، إذ نشعر كما لو أن المدن وسكانها هم من يمرون عبر كاتبنا، لا العكس.
لا يتوانى «حشوة الشوكولاتة» عن توجيه النقد الحاد في تحليل المدن وسكانها. يكتب حمود بصدق جارح، لكنه ليس مريرًا. بل هو مزيج من الإعجاب والصدق القاسي. ففي لحظة يدافع فيها عن البلجيكيين في مواجهة انتقادات الأوروبيين لهم، وفي اللحظة التالية ينتقد العنصرية ضد العرب التي تلوح في أفق البلاد.
رغم ذلك، تأتي انتقادات حمود وملاحظاته الحادة وكأنها تأنيب صارم من صديق يريد لك أن تصبح أفضل. لا شك أن البعض سيتلقى هذه الكلمات على أنها فضح مُخجل للعنصرية البلجيكية، سواء كانت تلك «الناعمة» البطيئة أو الوقحة المباشرة. لكن هذه هي النقطة تحديدًا: ينبغي أن يكون ذلك مُخجلاً. فكاتبنا مجرد واحد من بين كثيرين من ذوي البشرة السمراء الذين يواجهون إذلالًا يوميًا في مجتمع أصبحت فيه العنصرية أمرًا طبيعيًا. وحمود يعلم ذلك تمامًا، وله كل الحق في أن يرى أن دوره كصحفي هو أن يكون شوكة في خاصرة المؤسسات التي تدّعي الدفاع عن التسامح والانفتاح.
وسيكون من الظلم تقليص محتوى الكتاب بالقول إنه «عن بلجيكا» فقط. نعم، بالطبع، يتناول حمود مرارًا نقدًا أو حبًا لهذا البلد أو ذاك. فالبلد نفسه يتسم بشخصية ذلك «الخلل الغامض في النظام»، وهو التعبير الذي يردده البلجيكيون حين يتعطل شيء ما بشكل غير منطقي. بطاقتك المصرفية أُرسلت خمس مرات؟ خلل. لا يوجد تأمين؟ خلل. لا حكومة رسمية لمدة 20 شهرًا؟ بالتأكيد خلل.
لكن لا. «حشوة الشوكولاتة» هو في المقام الأول كتاب عن مؤلفه. فهو عمل شخصي بعمق، لكنه يبدو باردًا في كثير من الأحيان، وهي ميزة تُنسب على الأرجح إلى مهارة حمود الصحفية. ففي لحظة يصف حمود، كما لو كان يراقب نفسه، وقع خبر مقتل صديقته وزميلته الصحفية كميل لوباج في جمهورية أفريقيا الوسطى. وفي اللحظة التالية، يعود لتحليل تفاعل شباب بلجيكا مع ما يُعرف بـ«إغلاق بروكسل».
التهَمت هذا الكتاب لأنه ينجح في ما فشل فيه بعض أقرانه من الكُتّاب. فبدلًا من محاولة تعظيم الحياة اليومية إلى درجة التقديس، يعترف بها كما هي: متناقضة، عبثية، ومحبطة. إنه كتاب عن الاغتراب، عن أن تكون على الهامش، أن تُحَب وتُعشَق من أشخاص قد يواجهونك في لحظة أخرى كمتعصبين. إنه عن «وجع الدماغ» اليومي، والنفاق الذي نعيشه كمواطنين في عالم يزداد ترابطًا، وعن وحدة أن تكون «الآخر». على القراء أن يعتبروا أنفسهم محظوظين لحصولهم على فرصة لقراءة عمل بهذه الصراحة.
هذا المقال نُشر لأول مرة في صحيفةديلي نيوز إيجيبت.