يشهد اليسار الأوروبي اليوم حالة نهوض متناقضة. ففي خضمّ أهوال الإبادة الجماعية الجارية في غزة، استعادت ائتلافات واسعة من الأحزاب اليسارية والحركات الاجتماعية والمنظمات القاعدية حضورها العلني وسلطتها الأخلاقية، ولا سيما عند مقارنتها بحالة التآكل الأخلاقي التي تعانيها النخب الحاكمة في أوروبا بميلها المتزايد نحو اليمين في محاولة لاحتواء صعود الفاشية اليمينية. وبالتحديد نجد هذا الصعود بين أبناء الجيل «زد»، حيث تحولت لديهم المعارضة المتزامنة مع عودة صعود السياسات الفاشية في أوروبا وللعنف الذي تمارسه إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، إلى نشاط سياسي متصاعد وحملات تضامن عابرة للحدود الوطنية للدول الأوروبية. وقد أفضت هذه القوة الوحدوية المتمحورة حول تحرير فلسطين والتي يُنظر إليها اليوم على نطاق واسع بوصفها بوصلة أخلاقية كونية، إلى زخم لم يُشهد له مثيل منذ عقود. غير أنّ هذا المقال يطرح جدلية تحذيرية بأن اليسار الأوروبي، رغم صعوده الحالي، ربما يقترب من أزمة محتملة تستحضر في الأذهان الأزمة التاريخية التي ارتبطت بانهيار المصداقية الأخلاقية للاشتراكية في منتصف القرن العشرين.

انفجرت تلك الأزمة السابقة حين أصبح التناقض الأخلاقي بين المُثُل التحررية والممارسات السلطوية أمرًا يستحيل الدفاع عنه أو الاستمرار في تبريره، ما أفضى إلى حالة واسعة من خيبة الأمل، والتفكك التنظيمي، وابتعاد الأجيال الشابة حينها عن الانخراط السياسي، بدءًا من أواخر خمسينيات القرن الماضي. وقد اتسعت هذه الأزمة بسبب استمرار الدعم الغير أخلاقي من قبل بعض الكيانات الاشتراكية الأوروبية للسلطوية الستالينية، والتي امتدّت لاحقًا إلى شخصيات إشكالية مثل صدام حسين، ومؤخرًا بشار الأسد، على الرغم من الفظائع وجرائم الإبادة التي كانت موثّقة على نطاق واسع. واليوم، يبرز خطر مماثل يتمثل في النزعة المتنامية داخل بعض أوساط اليسار الديمقراطي الأوروبي إلى قراءة السياسة العالمية من خلال قالب معارضة جامد وساذج، يُفترض فيه أن معارضة الإمبريالية الشمالية (الغربية) هي، بطبيعتها، موقف تقدّمي. وضمن هذا الإطار، يُخشى أن يحل الاصطفاف الجيوسياسي محل نقد السلطوية، وأن تنفصل معارضة الهيمنة الشمالية عن الالتزام المتّسق بالمعايير الديمقراطية والأخلاقية.

يتمحور هذا المسار، إلى حدّ كبير، حول الدور المتنامي لتكتل «بريكس». فقد تأسس هذا التكتل في الأصل على يد البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وطرح نفسه كمنصةٍ للتعاون بين بلدان الجنوب وبعضها البعض، وكقطبٍ بديلٍ داخل النظامين السياسي والاقتصادي العالميين، في مبادرة كانت، من نواحٍ عديدة، ضرورة سياسية لمواجهة هيمنة الشمال العالمي التي لاتزال مستنزفة للجنوب حتى اليوم. ومع أحدث موجات التوسّع، بات التكتل يضم السعودية والإمارات، وإيران، ومصر، وإثيوبيا. وعلى الرغم من التنوع الكبير في أنظمتها السياسية، تشترك هذه الدول في التأكيد على مفاهيم السيادة، وعدم التدخل، واعتماد مقاربات تضع التنمية في صلب الحوكمة العالمية، وكلها أمور ضرورية ومهمة بدون شك. غير أنّ «بريكس»، وإن جرى تقديمه في كثير من الأحيان بوصفه قوة توازنٍ ضد هيمنة الشمال، باتت ممارساته المؤسسية الجماعية تستقطب قدرًا متزايدًا من المراجعة، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهنا تُظهر الأبحاث الحديثة أن تكتل «بريكس» بالفعل يتسم بدرجة ملحوظة من الاتفاق بين أعضائه على تهميش الحقوق المدنية والسياسية، ومقاومة آليات المساءلة الدولية، والدفاع عن سلطوية الدولة القمعية.[1] وفي المقابل، نجد أن بعض أوساط اليسار الأوروبي كثيرًا ما يقللون من شأن هذا السجل أو يتعاملون معه بنسبية تحت شعار مناهضة الإمبريالية. غير أنّ هذا التموضع ينطوي على خطر تكرار خطأ تاريخي مألوف، يتمثل في إخضاع الأخلاقيات الاشتراكية والالتزامات الديمقراطية لمنطق القوة الجيوسياسية والسلطوية. غير أن البحوث المقارنة حول أزمات الحركات الاشتراكية تذكرنا هنا بأن مثل هذه الاصطفافات عادة لا تميل إلى تعزيز الحركات التحررية، بل على العكس، تجعلها عرضة لأزمات في شرعيتها متى ما أصبحت تناقضاتها الداخلية جلية للعيان.[2]

وعليه، فإن الخطر الذي يواجه اليسار الأوروبي اليوم لا يقتصر على الهشاشة الخارجية فحسب، بل يتمثل أيضًا في احتمال حدوث أزمة داخلية، إذا ما استمر هذا التوجه. فالخلط بين مناهضة الإمبريالية الشمالية وبين تأييد كتل قوى بديلة غير أنها قمعية، من شأنه أن يقوّض الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها هذا النهوض الراهن والتي ربما تتحول إلى حلقة جديدة من التفكك والانقسام، ولاحقا على قدرة اليسار الأوروبي نفسه على التمسك بمناهضةٍ إمبرياليةٍ مستقلةٍ ومبنية على المبادئ. مناهضة لا تستند إلى منطق الاصطفاف الجيوسياسي بين المعسكرات، بل ترتكز على قيم الديمقراطية، والحرية، والقانون الدولي، وحقوق الإنسان الكونية.

إن الدفاع عن سيادة الدول ضمن حدودها المعترف بها دوليًا يجب أن يستمر كبوصلة وخط أحمر في مناهضة الإمبريالية، غير أن تمديد هذا المبدأ ليشمل تبرير الأنظمة السلطوية يُعدُّ انزلاقًا خطيرًا. فمناهضة الإمبريالية، بحدّ ذاتها كحركة تحررية، لا تعني التجاهل المتعمّد للانتهاكات الداخلية للديمقراطية والحريات، بل يجب أن تقوم على حماية تلك الحريات باعتبارها جوهرًا أساسيًا للعمل التحرري نفسه.

النهضة الراهنة لليسار الأوروبي

لقد أصبحت جريمة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة حتى الآن محورًا مركزيًا للتعبئة في مختلف أنحاء أوروبا على مستوى غير مسبوق من الوحدة بين تقاليد يسارية طالما اتسمت بالتشرذم، وهو مستوى لم يُشهد له مثيل منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي. فقد استقطبت التظاهرات الحاشدة في مدن مثل بروكسل وباريس وبرلين ولاهاي ومدريد ولندن مئات الآلاف من المشاركين، مع حضور لافت للشباب، وشبكات النقابات العمالية، واتحادات الطلاب. ومن الملفت أنه بالنسبة إلى أبناء الجيل «زد»، بات الانخراط السياسي يتشكل على نحو متزايد بفعل الإعلام الرقمي، والأطر العابرة للحدود الوطنية، وحساسيتهم المتصاعدة إزاء الظلم العالمي.[3] وفي هذا السياق، برزت فلسطين بوصفها مرجعية أخلاقية وسياسية كونية، تُبلور انتقادات أوسع للإمبريالية، والعنصرية، وعنف الدولة، وتواطؤ نظام عالمي ليبرالي آخذ في التآكل، وتغطية ذلك بمزيد من العنف وعسكرة السياسة الدولية.

وعلى خلاف الموجات الاحتجاجية السابقة المؤيدة لفلسطين التي ظلت هامشية لعقود، يرتكز هذا النهوض الراهن على إطار أخلاقي أكثر تماسكًا من سابقيه. فقد وفرت حركات التضامن مع فلسطين لغة كونية للعدالة، تعاظم صداها عبر الحدود الوطنية وتخطت الانقسامات الأيديولوجية، وأتاحت لفاعلين يساريين متنوعين الالتقاء حول مطالب مشتركة. وقد أسهم هذا الوضوح الأخلاقي حتى الآن، وبصورة غالبا مؤقتة، في تعزيز شرعية اليسار في لحظة تتسم فيها السياسات الليبرالية الأوروبية بتآكل ديمقراطي وأخلاقي، وتصاعد لنزعة أمننة السياسة، والتطبيع مع الخطاب اليميني المتطرف من أجل أصوات الناخبين. غير أنّ هذه الوحدة، من وجهة نظري، تظل مشروطة وهشّة. فقد أدّت معارضة التواطؤ الشمالي إلى توسع الاصطفافات العالمية مع «شركاء استراتيجيين» بغض النظر عن سياساتهم القمعية ضد شعوبهم، في توقيت حساس يُعد فيه الاتساق الأخلاقي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ولهذا، يحمل هذا النهوض في طياته توترات غير محسومة قد تطفو على السطح مع انحسار زخم اللحظة الحالية.

1956: الأزمة التاريخية

لقد شكلت أحداث عام 1956 أزمة حاسمة داخل الحركة اليسارية الدولية، إذ تزامن الكشف العلني عن جرائم جوزيف ستالين مع القمع العنيف للثورة المجرية، التي قادتها إلى حدّ كبير طبقة عاملة منظِّمة ذاتيًا، وهو ما أوقع اليسار الأوروبي الديمقراطي في أزمة وجودية مدمرة. فقد أسهم هذان التطوران المتزامنان في تحطيم مصداقية الاتحاد السوفياتي بوصفه «نموذجًا للتقدّمية الاشتراكية»، بعدما تم تعرية الأسس السلطوية الكامنة تحت ادعاءاته التحررية. ونتيجة لذلك، تعرّضت الحركات الاشتراكية الأوروبية في منتصف القرن العشرين لأزمة تشرذم عميقة لا تزال آثارها تشكّل ملامح السياسة اليسارية حتى اليوم. فقد أصبح من المستحيل تجاهل التناقض بين المُثُل التحررية والممارسة الاستبدادية في النموذج السوفييتي. وتُظهر هذه الحلقة، التي يُشار إليها غالبًا بـ«خيبة الأمل الاشتراكية»، أن تآكل المصداقية الأخلاقية، وليس الضعف التنظيمي وحده، كان عاملًا مركزيًا في تفكك اليسار الأوروبي خلال تلك المرحلة. ولم تتجلَّ الأزمة آنذاك بوصفها خلافًا حول الاستراتيجيات فحسب، بل كأزمة وجودية عميقة. وعلى إثر ذلك، شهدت الأحزاب اليسارية موجات واسعة من الاستقالات، وتراجعًا في شرعيتها لدى الناشطين الشباب حينها، وانقسامات طويلة الأمد على أسس أيديولوجية.

وهنا علينا النظر لهذه العبرة المستدامة من هذه الأزمة في طابعها البنيوي. إذ تشير التحليلات التاريخية لليسار الدولي إلى أنه عندما تسقط الحركات الاشتراكية في فخ الاختيار بين الاصطفاف المناهض للإمبريالية وبين التقدّمية الأخلاقية، فإنها تجعل نفسها عرضة للأزمات ما إن يصبحوا حلفاءً لقوى قمعية. وعليه، فإن أزمة عام 1956 لا تمثّل حدثًا فريدًا فحسب، بل نمطًا متكررًا تبدَّى في محطات لاحقة من دعم اليسار الأوروبي لأنظمة سلطوية بغرض التحالف الاستراتيجي، بما في ذلك العراق في عهد صدام حسين، وسوريا في عهد بشار الأسد، وحاليا روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، والصين بقيادة شي جينبينج. وهنا نجد أنه لا يزال هذا النمط يهدد مصداقية اليسار الأوروبي المعاصر. ولضرب المثل، قد يتساءل أحد أعضاء الأحزاب اليسارية الأوروبية اليوم عن أسباب الغياب الواضح للمواطنين الأوروبيين المنحدرين من هذه البلدان المذكورة عن العضوية الحزبية، حتى في الدول الأوروبية التي تضم جاليات كبيرة منهم. وغالبًا ما يكمن التفسير في أن هذه المجتمعات تمتلك خبرة معيشة مباشرة مع السلطوية، في حين يفتقر كثير من أعضاء اليسار الأوروبي وقياداته إلى معرفة حقيقية بالقمع الممنهج ومآلاته السياسية.

بريكس وخطر تكرار أزمة 1956

يكمن خطر وقوع أزمة مستقبلية داخل اليسار الأوروبي المعاصر في تنامي النزعة الحالية إلى احتضان تكتل «بريكس» بوصفه بديلًا جماعيًا مناهضًا لهيمنة الإمبريالية الشمالية. وتعكس هذه النزعة شكلًا من «المعسكراتية» قصيرة النظر، والتي يتم التعامل فيها مع معارضة الولايات المتحدة وحلفائها على أنها دليل كافٍ بحد ذاته على التوجّه التقدّمي والتحرري. وضمن هذا الإطار الاستبساطي، يجري على نحو متزايد تصوير «بريكس» على أنها وسيلة لتحقيق العدالة العالمية وتعزيز التضامن بين بلدان الجنوب.

غير أنّ تحليلات السلوك المؤسسي لتكتل «بريكس» تكشف عن نمط ثابت يتحدى هذا التصور السطحي. فمن خلال البيانات الختامية للقمم وسجلات التصويت متعدد الأطراف، نجد أن أعضاء «بريكس» يظهرون درجة لافتة من الاتفاق فيما بينهم على مقاومة الالتزام الدولي بقضايا حقوق الإنسان، معمقين لهشاشته أكثر مما هي بالفعل، ويتفقون كذلك على تقديم سيطرة الدولة على الحقوق المدنية والسياسية، وعلى رفض آليات المساءلة الدولية.[4] ويتعزز هذا النمط كذلك عبر معارضة منسّقة أو امتناع جماعي عن التصويت على قرارات تتناول مناهضة القمع، والاعتقال السياسي، والعنف الجماعي.[5] وحتى المواقف الأخلاقية التي اتخذتها جنوب أفريقيا والبرازيل ضد الإبادة الجماعية الجارية في غزة لا تعكس بالضرورة إجماعًا داخل «بريكس». بل على العكس، قد تمثل هذه المواقف نزعة أقلياتية ضمن تكتل يضمّ عددًا من الدول الأعضاء المتواطئة في السياسات الإسرائيلية، مثل دولة الإمارات التي تقود مساعي موجة تطبيع إقليمي جديدة وتعاون اقتصادي غير مسبوق مع إسرائيل، في حين تحافظ دول أخرى على علاقات مختلفة في طبيعتها، لكنها مجزية ماديًا، مع منظومة الاحتلال.

وعليه، يكمن الخطر الذي يواجه اليسار الأوروبي اليوم، تكرارًا للماضي، في الخلط بين مناهضة الإمبريالية الشمالية وبين السياسة التحررية. إذ تُظهر الأبحاث المتعلقة بالحوكمة العالمية أن مقاربة تكتل «بريكس» لحقوق الإنسان لا تعبّر عن تسوية مرحلية موقتة، بل عن التزام بنيوي بسلطة متمركزة حول قمع الدولة للحقوق المدنية والسياسية لمجتمعات تلك الدول.[6] وقريبا عندما تأتي لحظة يصبح فيها التناقض اليساري الأوروبي بين الخطاب المناهض للإمبريالية والقمع المتسامح معه أمرًا جلياً مرة أخرى ولا مفرّ من مواجهته، فإن هذا اليسار نفسه سيواجه خطر الوقوع في محنة مصداقية جديدة شبيهة لتلك التي رافقت أزمة الخمسينات بعد فضيحة ستالين والقمع الوحشي لثورة عمال المجر.

هشاشة الوحدة الراهنة

وعليه، أرى أن القوة الوحدوية التي أفرزها التضامن مع فلسطين بين التيارات اليسارية الأوروبية المختلفة تتسم بطابع هشّ بنيويًا يجب التعامل الأخلاقي معه. فبرغم أنها نجحت، للمرة الأولى منذ عقود، في حشد جماهير غير مسبوقة، فإنها تتحرك داخل بيئة جيوسياسية تتزايد فيها الاستقطابات السياسية. ومع انجذاب الكثير من أوساط اليسار الأوروبي إلى تكتل «بريكس» بوصفه مرجعية مناهضة للإمبريالية، يبرز خطر تجاهل الخط الأخلاقي والديمقراطي من أجل اصطفاف استراتيجي مزعوم أشبه بالسير ليلا بحقل ألغام.

تتجلّى هذه التوترات على نحو خاص بين صفوف الناشطين الشباب. إذ يولي أبناء الجيل «زد» أهمية كبيرة للاتساق، والشفافية، والمعايير الأخلاقية الكونية، ويُبدون القليل من التسامح إزاء السرديات التبريرية التي تعفي القمع الخارجي من المساءلة.[7] ويشكل السجل الجماعي لتكتل «بريكس»، المتسم بمقاومة المحاسبة ومعارضة معايير حقوق الإنسان، تحديًا مباشرًا لهذه الموجة الوحدوية غير المسبوقة.[8] وتشير المقارنات التاريخية إلى أن مثل هذه التناقضات نادرًا ما تكون قابلة للاستدامة، فحين تتسم الحركات السياسية الصاعدة بالانتقائية الأخلاقية العمياء إزاء السلطوية، يبدأ الانكفاء والتفكك في الظهور، وأول المنشقين والخارجين هم غالبا الناشطون الشباب الذين تُعد مشاركتهم عنصرًا حاسمًا في أي تجدد سياسي يرغب في الاستدامة.

تجنّب أزمة جديدة

يتطلّب تفادي أزمة جديدة اتخاذ موقف مستقل وواضح إزاء تكتل «بريكس»، ليس بالضرورة موقفًا تصادميًا، ولا بأي حال متكيفًا مع الإمبريالية الشمالية. بل يستلزم هذا النهج التطبيق المتّسق لمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع السياقات الجيوسياسية، بوصفها أرضية أخلاقية مشتركة وضمانة في مواجهة التفكك. فتظهر التجربة التاريخية لنا أن حركات اليسار الدولي، عندما تُضحي بمرجعيتها الأخلاقية لصالح الاصطفاف الاستراتيجي، فإنها تُقوّض مصداقيتها على المدى الطويل.

وتؤكد لنا الدراسات الحديثة حول تكتل «بريكس» أن خطابه البديل بشأن التنمية والسيادة، على الرغم من أهميته السياسية والاقتصادية، يُفضي بصورة منهجية إلى تهميش الحريات المدنية والمساءلة الديمقراطية.[9] وبالنسبة إلى أي تيار يساري يلتزم بمشروع تحرري، لا يمكن التعامل مع هذه الانتهاكات بوصفها قضايا ثانوية. ومن ثمّ، يصبح من الضروري الإقرار بأن التماسك السياسي لا يُصان عبر الغموض أو الصمت الانتقائي، بل من خلال التزام أخلاقي، واتساق واضح مع القيم الديمقراطية، حتى خارج الحدود الأوروبية.

ختامًا، يقف اليسار الأوروبي عند مفترق طرق حاسم. فنهضته الراهنة، المدفوعة بالتضامن مع فلسطين والمدعومة بزخم الأجيال الشابة، تمثّل فرصة حقيقية للتجدد. غير أنّ هذه اللحظة تظل مثقلة بخطر التحالفات العمياء المألوفة تاريخيا، وهو ما يتبلور اليوم في إغراء احتضان تكتل «بريكس» بوصفه بديلًا مناهضًا للإمبريالية من دون مواجهة سجله الجماعي في انتهاكات الديمقراطية وحقوق الإنسان. وعليه، إذا كان اليسار الأوروبي بالفعل يسعى إلى تفادي أزمة تاريخية جديدة، فإن عليه أن يحافظ على صيغة مستقلة وأخلاقية من مناهضة الإمبريالية، صيغة ترفض السلطوية بجميع أشكالها حتى بين «الحلفاء الاستراتيجيين». وحده هذا المسار كفيل بأن يسمح للنهضة الحالية بأن تنضج في اتجاه مشروع تحرري راسخ، لا أن تنتهي إلى حلقة جديدة من خيبة الأمل.

تمت ترجمة هذا المقال من الإنجليزية بالذكاء الاصطناعي، وقد خضعت الترجمة للمراجعة البشرية.


[1] أحمد خليفة وزينب فتحي، «البريكس وحقوق الإنسان: القضايا والتداعيات وسيناريوهات التأثير في ظل التوسع»، دورية رواق عربي، المجلد 29، العدد 1 (2024): 145-162، https://doi.org/10.53833/WJPV7193.

[2] مارجو هاينمان، «1956 والحزب الشيوعي»، دورية السجل الاشتراكي، المجلد 13 (1967): 43-57.

[3] آن فانيزا جود وبادمكوماري بادمفاثي، «الناشطية عبر وسائل التواصل الاجتماعي: استكشاف تجارب الجيل زد» دورية أبحاث وممارسات الإعلام، سبتمبر 2025، https://doi.org/10.1080/22041451.2025.2554375.

[4] خليفة وفتحي، «بريكس وحقوق الإنسان».

[5] إيان تايلور، «بريكس في أفريقيا وحقوق الإنسان»، في: دليل روتليدج للعلاقات الأفرو-آسيوية، تحرير بيدرو أماكاسو رابوسو، وديفيد أراسي، وسكارليت كورنيليسن (لندن: روتليدج، 2017)، https://doi.org/10.4324/9781315689067.

[6] خليفة وفتحي، «بريكس وحقوق الإنسان».

[7] جود وبادمفاثي، «الناشطية عبر وسائل التواصل الاجتماعي».

[8] خليفة وفتحي، «بريكس وحقوق الإنسان».

[9] المرجع نفسه.