في نوفمبر 1095، دعا البابا أوربان الثاني مسيحيي أوروبا إلى الزحف شرقاً و«تحرير» القدس من أيدي المسلمين. وبالفعل انتهت الحملة التي تلت ذلك، المعروفة بالحملة الصليبية الأولى (1096–1099)، بالاستيلاء على القدس وارتكاب الإبادة الشهيرة بحق سكانها في يوليو 1099. الآن وبعد قرابة الألف عام، ومنذ أكتوبر 2023، تشن سلطات الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة جماعية ضد السكان الأصليين لنفس البلد، وهذه المرة في غزة. ليست الإبادة الأولى منذ بداية الاحتلال، لكن هذه المرة هي رداً على هجمة نوعية شنّتها جماعات المقاومة المسلحة بقيادة حماس في السابع من الشهر نفسه. وعلى الرغم من تراكم الأدلة الصادرة عن الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية التي تؤكد أنّ أفعال القوات الإسرائيلية تشكّل إبادة جماعية، يصر الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء على مواصلة تقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري للاحتلال الإسرائيلي.
يجادل هذ المقال بأنّ هناك استمرارية للسلوك الإجرامي الأوروبي بين سياسات الحملة الصليبية الأولى قديما ودعم الاتحاد الأوروبي اليوم لحرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد فلسطينيو غزة. فكلا الحربين يُظهر كيف أنّ القوى الأوروبية تصوغ العنف ضد السكان العرب الأصليين في فلسطين باعتباره مبرَّراً أخلاقياً، وعليه تعطّل القيود الأخلاقية الحاكمة للحرب، بل وتمكّن مشاريع الاستيطان الاستعماري القائمة على التهجير والتطهير العرقي كنموذجٍ متكررٍ. ومن هنا وباستخدامي لنظرية «الحرب العادلة» كإطار تحليلي، يبرز المقال هذا كيف أنّ المنطق الصليبي لا يزال حاضراً في الجغرافيا السياسية الأوروبية المعاصرة. ولتوضيح هذا الطرح، أعتمد مصطلح «الاتحاد النيو صليبي» لوصف الاتحاد الأوروبي اليوم. لا بوصفه تحالفاً حرفياً للفرسان الكاثوليك، بل باعتباره نخبة حداثية تعيد إنتاج «الحرب المقدسة» الخاصة بعصر الحملات الصليبية تحت شعارات جديدة مثل «الأمن» و«مكافحة الإرهاب» و«الدفاع عن النفس».
من الحرب المقدسة إلى الدفاع عن النفس
عشية الحملة الصليبية الأولى، تم انعقاد مجمع كليرمون الكنسي بوسط فرنسا في نوفمبر 1095، وفيه هتف البابا أوربان الثاني في خطابه التاريخي مبررا الحرب المقررة بوصفها «واجباً مقدساً»، بل وصوّر المسلمين بأنّهم «مدنّسو الأماكن المقدسة» و«مضطهدو الحجاج». ووفقاً لرواية روبير الراهب، فقد دوّى هتاف البابا «الرب يريد ذلك، الرب يريد ذلك»،[1] وهو نفس الشعار الذي تتبناه كثير من الجماعات اليمينية اليوم في أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد صوّر كثير من المؤرخون العيان الذين عاصروا هذه الحملة الصليبية على أنها عقاباً إلهياً مشروعاً للعرب. فعلى سبيل المثال، كتب ريموند الأجيليري، الذي شهد إبادة القدس: «لقد كان حكماً عادلاً ومجيداً من الرب أن يُملأ هذا المكان بدماء الكفار».[2] وهكذا جرى توصيف العرب، الذين استُخدم وصفهم في المخيلة الأوروبية على نحو متبادل مع كلمتي المسلمين أو السراسنة (Saracens)، حيث تشتق الأخيرة من الكلمة العربية «سارقين»، كسكان فلسطين «الكفار»، الذين اعتُبر التخلص منهم بمثابة «دفاع» عن العالم المسيحي.
أمّا فيما يخصّ الإبادة الحالية بغزة، فلم يخجل مسؤولي الاتحاد الأوروبي اليوم من تصوير جرائم القوات الإسرائيلية على أنّها دفاع ضروري عن النفس. وهنا نستطيع أن نرى أنه وبعد مرور قرون وتبدّل الموازين، إذ يتولى الأوروبيون البيض الآن موقع «المتحضّرين» في مقابل العرب «غير المتحضّرين»، لم تعد هناك حاجة لبذل جهد كبير لتبرير قتلهم، سوى باللجوء إلى خطاب الدفاع عن النفس في مواجهة ما يشكّله «غير المتحضّرين» من تهديد لحلفائهم المستوطنين «المتحضّرين» في فلسطين المحتلة. ففي 13 أكتوبر 2023، صرّحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنّ «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها – اليوم وفي الأيام المقبلة».[3] وقبل ذلك بيوم واحد، أكّد أولاف شولتز، المستشار الألماني آنذاك وعضو مجلس الإدارة السابق في البنك الأوروبي للاستثمار، أنّ لإسرائيل «كل الحق في الدفاع عن نفسها […] في إطار القانون الدولي». وهنا نجد الاستبدال الفعلي لنداء البابا عام 1095 «الرب يريد ذلك».[4] وفي كلا الحقبتين، تصنف أوروبا الإبادات الجماعية ضد السكان الأصليين لفلسطين على أنها ضرورة دينية بالأمس، وأخلاقية اليوم.
نزع الإنسانية عن العرب
دأب المؤرخون الكنسيون الأوروبيون خلال الحملة الصليبية الأولى على تجريد العرب، أو المسلمين، أو «السارقين» من إنسانيتهم، وهي كلها تسميات استُخدمت بشكل تبادلي، وهو الأمر الذي أدى إلى طمس حتى وجود العرب المسيحيين والعرب اليهود بين السكان، والذين قُتلوا أيضاً أثناء تلك المجازر. وهنا صوّر جيبر دي نوجان هذه الجماعات السكانية، جامعاً إياها تحت تسمية «المسلمين»، على أنّها «أعداء» مناوئون للرب، مستخدماً لغة شديدة التجريد من الإنسانية لتشويه صورتهم.[5] وهنا يكشف لنا الحصار الشهير لمدينة معرّة النعمان في ديسمبر 1098، وهي إحدى مدن الشام التي سقطت في يد الصليبين على طريقهم للقدس، إلى مدى الخطورة التي يمكن أن يبلغها هذا التجريد من الإنسانية. وكما يشير المؤرخ جاي روبنستين، فقد أورد ألبرت الأَخني أنّ الصليبيين قطعوا لحوماً من جثث المسلمين أثناء الحصار وأكلوها في تجمعات علنية، بينما ذهب رالف الكاني إلى ما هو أبعد من ذلك، متهماً الجنود الصليبيين بشوي الأسرى البالغين والأطفال،[6] كما يشير النص بأنهم قد أُسروا أحياءً، ثم ذُبحوا وطُبخوا. ومن اللافت أنّ السرديات الكنسية الوسيطة هذه كانت تعترف بمثل هذا التوحش وأكل لحوم البشر، وفي الوقت ذاته تُبقي في هذه النصوص على شعور قوي بـ«عدالة» القضية و«صلاحيتها»، وهو ما يشكّل مؤشراً صارخاً على استبعاد العرب من كونهم بشراً في ضمير المسيحية الأوروبية حينها.
أما في الخطاب الأوروبي المعاصر، فمازال يُجرَّد الفلسطينيون من إنسانيتهم. فكثيراً ما يعتمد مسؤولو الاتحاد الأوروبي ووسائل الإعلام المتواطئة معهم الأطر السردية الإسرائيلية التي تصوّر الفلسطينيين بوصفهم «دروعاً بشرية» لحركة حماس، مبرّرين بذلك الطمس المتعمد للفوارق بين المدنيين والمقاتلين. ففي المراحل المبكرة من الإبادة بغزة، وتحديداً بحلول ديسمبر 2023، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بمقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، غالبيتهم من النساء والأطفال.[7] ومع ذلك، استمر إلقاء المسؤولية عن هذه المجازر على الفلسطينيين أنفسهم، بحجة أنّهم يتركون أنفسهم ليكونوا «دروعاً بشرية»، وهو قلبٌ صارخ للمفاهيم يلوم الضحايا على مقتلهم، ويعيد إنتاج «أخلاقيات» الحرب الأوروبية المبكرة التي اعتبرت معاناة العرب عقاباً من الرب، في صيغة حداثية تليق بلغة اليوم.
لقد أخضعت إسرائيل غزة لحصار منذ عام 2007، ومنذ أكتوبر 2023 جمعت بين الحصار والقصف المكثّف للمنازل والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية الحيوية. وبحلول 26 يناير 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أنّ الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية هي دعوى «وجيهة»، وعليه أصدرت بشأنها بعض التدابير المؤقتة.[8] وبالتوازي، وفي مارس 2024، خلصت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي في تقريرها الرسمي إلى أنّ إسرائيل ترتكب بالفعل إبادة جماعية، وتقوم بفرض ظروف تهدف إلى التدمير المادي للحياة، ومنها التجويع والتهجير الجماعي للسكان.[9] لكن على الرغم من كل هذه الأدلة الموثقة، ناهيك عن المشاهد الحية للإبادة المنظمة التي يشاهدها العالم بالبث الحي منذ أكتوبر 2023، يصر الاتحاد الأوروبي على مواصلة دعمه السياسي والاقتصادي والعسكري لقوات الاحتلال حتى اليوم، في تكرار لما يبدو كأنه صدى تبريرات أوروبا العصور الوسطى لعمليات حصار ومجازر استهدفت المدنيين العرب القاطنين لنفس البلد، في تشابه كبير بين الأمس واليوم.
ولهذا، أجد أن «الاتحاد النيو صليبي» يمثّل امتداداً لأخلاقيات الحرب الأوروبية الصليبية، بل هو امتداداً طويلاً لسماتها الإجرامية: نستطيع أن نلاحظ ذلك من الحملات الصليبية المتعددة التي استهدفت السكان الأصليين في فلسطين وما حولها، مروراً برعاية الاستعمار الاستيطاني في مرحلة الانتداب البريطاني، ووصولاً إلى تطبيع التطهير العرقي والاحتلال بعد عام 1948، ليتوَّج اليوم بدعم الاتحاد الأوروبي لحملة إبادة جماعية متواصلة في غزة يستطيع أن يتابعها العالم بالبث الحي.
نظرية الحرب العادلة: قديما والآن
بعد وضع ما سبق في سياقه وتوضيح استمرارية الجرائم السياسية من قبل القيادات الأوروبية ضد سكان أرض فلسطين منذ الحملة الصليبية الأولى وحتى اليوم، يمكننا الآن تحليل هذا السلوك الإجرامي من إطاره النظري اللاهوتي، وفقاً للمعايير التي وضعتها أوروبا بنفسها. وهنا أجد أنّ نظرية «الحرب العادلة»، أو «بيلّوم يُوستوم» باللاتينية، هي الأداة الأكثر صلة لفهم المعيار الأخلاقي الذي اعتمدته أوروبا الصليبية لتبرير العنف الذي تلحقه بالآخرين، وكذلك الأوقات التي يتعمد فيها القادة تجاهل نفس هذه المعايير. وجدير بالذكر هنا أن نظرية الحرب العادلة هذه قد وضعت أول مرة على يد أوغسطينوس أسقف هيبّو في القرن الخامس، ثم طوّرها لاحقا الفيلسوف الكاثوليكي توما الأكويني في القرن الثالث عشر، وقد نال كلاهما لقب «قديس» بعد وفاتهما. والغرض من هذه النظرية هو وضع مبادئ أخلاقية تميّز بين الحرب المشروعة والعنف غير المشروع. وقد بنيت هذه النظرية على ثلاثة مفاهيم رئيسية: الحق في شنّ الحرب، السلوك أثناء الحرب، والعدالة بعد الحرب. غير أنني أجد أنّ تطبيق هذه المبادئ بشكل مقارن بين حدثي الحملة الصليبية الأولى ودعم الاتحاد الأوروبي للإبادة بغزة يكشف لنا استمرارية واضحة في الاستثناء الأوروبي المتواصل للشعب الفلسطيني، قديما واليوم، من تطبيق قواعد الحرب العادلة كلما كانوا هم المستهدَفون من العدوان.
الحق في شنّ الحرب – يوس آد بيلّوم: تحت هذا المحور من النظرية، نجد أنه خلال الحملة الصليبية الأولى، ادّعت البابوية مبدأ «الحق في شنّ الحرب» من خلال تأطير الحملة على أنها مهمة مقدسة للدفاع عن الحجاج المسيحيين والأماكن المقدسة في فلسطين. والتبرير لذلك، كما ذُكر سابقاً على لسان البابا أوربان الثاني «الرب يشاء ذلك»، وهو ما يكفي لبدء أي حرب من المنظور الاهوتي الأوروبي. غير أنّها في الواقع لم تكن حرباً دفاعية، بل غزواً عنيفاً جرى تأطيره على أنّه مهمة دينية واجبة. أما في حالة غزة اليوم، فقد صوّر قادة الاتحاد الأوروبي مثل أورسولا فون دير لاين وأولاف شولتز الإبادة الإسرائيلية على أنها دفاعاً مشروعاً عن النفس. وهنا نلاحظ أن الاستناد إلى مبدأ «الحق في شنّ الحرب»، حتى ولو صدق فرضيا، دائما ما ينهار عند اختباره بمقياسي التناسب والضرورة، إذ إنّ حجم المجازر والتدمير الديموغرافي الذي أُنزل بغزة يتجاوز أي تصور مشروع لمعنى الدفاع عن النفس.
السلوك أثناء الحرب – يوس إن بيلّو: في هذا المحور من النظرية، يتضح بجلاء صادم تخلى الأوروبيون عن المبادئ الأخلاقية التي تنظّم قواعد السلوك في الحرب، مثل التمييز بين المقاتلين والمدنيين في كلتا الحقبتين. ففي أثناء الحملة الصليبية الأولى، يصف مؤرخون مثل جيستا فرانكوروم الإبادة في القدس في صورة الجنود الذين خاضوا في الدماء حتى ركبهم ولُجم خيولهم في طريقهم إلى المسجد الأقصى، الذي يسميه المؤرخ الكنسي «هيكل سليمان».[10] وإضافةً إلى ذلك، نجد أن الأفعال الموثقة مثل أكل لحوم البشر[11] من قِبل الجنود الأوروبيين تُظهر انتهاكاً صارخاً لمبدأ «السلوك أثناء الحرب». أمّا في غزة اليوم، فنجد أن القوات الإسرائيلية، باعتبارها الامتداد الأوروبي للاستعمار الاستيطاني، تنفّذ عمليات قصفٍ واسعة ومكثفة للمناطق المكتظة بالسكان، بهدف التدمير المتعمد للمنازل والمدارس والمستشفيات، ناهيك عن استخدام التجويع كسلاح حرب،[12] وهو ما يشير إلى استمرارية السلوك الأوروبي ذاته الذي يبرهن على الإسقاط المتكرر للفارق بين المدنيين والمقاتلين كلما تعلق الأمر بالعرب أو الفلسطينيين منذ الحملة الصليبية الأولى وحتى يومنا هذا.
العدالة بعد الحرب – يوس بوست بيلّوم: أما المحور الأخير من النظرية والخاص بمبدأ «العدالة بعد الحرب» وهو معنياً بالتسويات التي تلي الحروب والتي يجب أن تكون بغرض إرساء العدالة والاعتراف بحقوق المتضررين. غير أنّه بعد عام 1099 حين أُسست المملكة اللاتينية في القدس تم تعمد إقصاء العرب من السيادة على أرضهم. بل والأبعد من ذلك ظلما، هو الاحتفاء بذلك، كما نجد في كتابات فولشر الشارتري، وهو كاهن فرنسي وشاهد عيان على الحملة الصليبية الأولى، عن فخره بكيفية تحوّل «الغربيين» إلى مستوطنين «أثرياء شرقيين» على حساب السكان الأصليين،[13] في صورة مبكرة من الاستعمار الاستيطاني القائم اليوم في فلسطين المحتلة. أما في سياق الإبادة الجارية الآن في غزة ، فنجد أن الأفق السياسي للاتحاد الأوروبي يظل إقصائياً بالقدر نفسه كما كان الحال في الحملة الصليبية الأولى وما تلاها من حملات واحتلالات على مدار ألف عام. فحتى في ظل نتائج محكمة العدل الدولية التي اعتبرت أفعال إسرائيل ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، لا تزال سياسات الاتحاد الأوروبي تفضّل أمن الاحتلال الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين أصحاب الأرض، بل وتأجيل الاعتراف بسيادتهم إلى أجل غير مسمّى. وفي كلتا الحالتين، قام الأوروبيون بفرض تسويات دائما ما تكرس الهيمنة الاستعمارية وتنكر العدالة للسكان الأصليين لفلسطين.
الاتحاد النيو صليبي ككيان إبادي أوروبي
في إبادة القدس عام 1099، وبرغم التنازع الداخلي بين قادة الحملة الساعين وراء طموحات شخصية لإنشاء ممالك لاتينية خاصة بهم في المشرق الغني، برز جودفري دي بويون في صورة القائد الأوحد للصليبيين، زغم إصابته في بداية الحملة، وبالتالي يجب تقع عليه المسؤولية المباشرة عن الإبادة التي أعقبت سقوط القدس تحت قيادته الحربية. لكننا اليوم، نجد أن تمثاله الفروسي العملاق، الذي دُشّن عام 1848، يقف شامخاً في الساحة الملكية أمام كنيسة القديس يعقوب الكودنبرج في مدينة بروكسل. وهنا لا يمكننا تفسير ذلك التخليد بأي طريقة غير كونه تكريماً لمجرم حرب صليبي مسؤول عن مذابح واسعة النطاق، بل وأمام الكنيسة الملكية الرئيسة في بلجيكا كتمجيد للإجرام الصليبي في قلب العاصمة السياسية والثقافية للاتحاد الأوروبي.
إيجازا لما سبق، من الواضح أن المسيحية الأوروبية لعبت في العصور الوسطى دور الاتحاد الصليبي بحكم الأمر الواقع تحت إشراف البابوية، حيث جرى حشد الموارد العابرة للحدود من أجل استعمار فلسطين واستبدال سكانها الأصليين بمستوطنين أوروبيين مسيحيين. أمّا الاتحاد الأوروبي اليوم، أو ما أسميه أنا هنا «الاتحاد النيو صليبي»، فيُظهر لنا النمط نفسه بشكل لا ينفصل عن نفس الماضي: استبدال السكان الفلسطينيين الأصليين بمستعمرين أوروبيين استيطانيين، ولكن هذه المرة من خلال التخلص من «المسألة اليهودية» الأوروبية خارج القارة وتوجيهها نحو مشروع استيطاني صهيوني في فلسطين، في اتفاق واضح بين دول الاتحاد الأوروبي على دعم إبادة هؤلاء المستعمرين لأهل غزة، في تجاهل فج لأوامر محكمة العدل الدولية ونتائج تحقيقات الأمم المتحدة التي تشير بوضوح إلى جريمة إبادة جماعية. وما يجمع بين هاتين الحقبتين، وما بينهما من الحملات الصليبية اللاحقة والغزوات الأوروبية المتكررة على مر القرون، ليس بالضرورة تطابق المؤسسات، بل استمرارية اللاهوت السياسي نفسه: أي السردية الحضارية التي تجعل السكان العرب في فلسطين قابلين للقتل والإبادة تحت شعارات سامية مضللة، كانت بالماضي «الحرب المقدسة»، وأصبحت اليوم «الدفاع عن النفس».
وأخيرا يبقى السؤال المفتوح: هل سيستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتبرأ من هذا الإرث الإجرامي ويصغي إلى أصوات الاحتجاجات المنتشرة عبر القارة والتي تدين دعم قادتها للإبادة بغزة، أم أنّه سيلجأ إلى بيانات شكلية ويستمر في يواصل لعب دور «الاتحاد النيو صليبي»؟
تمت ترجمة هذا المقال من الإنجليزية بالذكاء الاصطناعي، وقد خضعت الترجمة للمراجعة البشرية.
- جورج ستراك. «عظة أوربان الثاني في كليرمون والتقليد الخِطابي البابوي». دورية دراسات الوعظ في العصور الوسطى 56 (2012): 30-45. ↩︎
- إيلين دوغان. «القدس في الحملات الصليبية: الهلال والصليب، مملكة السماء، وسقوط المدينة عامي 1099 و1187. دورية الدين والمجتمع، (2007): 4-13. ↩︎
- المفوضية الأوروبية. «بيان رئيسة المفوضية فون دير لاين بشأن إسرائيل». 13 أكتوبر 2023. ↩︎
- البوندستاغ. «البيان السياسي لأولاف شولتس، مستشار جمهورية ألمانيا الاتحادية وعضو البرلمان الألماني، حول الوضع في إسرائيل». 12 أكتوبر 2023. تاريخ الاطّلاع 20 سبتمبر 2025. https://www.bundesregierung.de/breg-en/service/archive/policy-statement-by-olaf-scholz-2230254. ↩︎
- ستيفن ف. كروغر. «(عدم) التماهيات المسيحية في العصور الوسطى: المسلمون واليهود في كتابات غيبر دي نوجان». التاريخ الأدبي الجديد 28، عدد 2 (1997): 203-185. ↩︎
- جاي روبنستين. «آكلو لحوم البشر والصليبيون». الدراسات التاريخية الفرنسية 31، عدد 4 (2008): 549-525. ↩︎
- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. «الأعمال العدائية في قطاع غزة وإسرائيل: تقرير الحالة». 30 ديسمبر 2023. تاريخ الاطّلاع 20 سبتمبر 2025. https://www.unocha.org/publications/report/occupied-palestinian-territory/hostilities-gaza-strip-and-israel-reported-impact-30-december-2023-2359. ↩︎
- محكمة العدل الدولية. تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة (جنوب أفريقيا ضد إسرائيل). أمر صادر في 26 يناير 2024. ↩︎
- فرانشيسكا ألبانيزي. تشريح إبادة جماعية: تقرير المقرّرة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، A/HRC/55/73، مارس 2024. ↩︎
- توماس ف. مادين. «أنهار الدم: تحليل جانب من غزو الصليبيين للقدس عام 1099. دورية فياتور 43، عدد 3 (2012): 45-33. ↩︎
- روبنستين، «آكلو لحوم البشر والصليبيون». ↩︎
- ماهر حمود، الإبادة الجماعية في غزة وضرورة تفكيك مصطلح «المجاعة» إلى «التجويع»، ساوث بوش، 27 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع، 20 سبتمبر 2025، https://southpush.com/2025/08/27/gaza-genocide-and-the-necessity-of-deconstructing-the-term-famine-into-starvation/. ↩︎
- ستراك، «عظة أوربان الثاني». ↩︎