يكشف لنا التجويع الحالي في غزة عن قصور المصطلحات المستخدمة عادة في وصف الجوع الحاد، وما يترتب على ذلك من تصوير مضلل للكارثة في الخطاب العام، إعلامياً وسياسياً، بل وأكاديمياً. والحقيقة أن هذا التجويع ليس وليد الحرب الحالية فقط، فمنذ عام 2007، كانت غزة أساساً تعاني بالفعل من حصار شبه كامل فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلية عليها، غير أنه تصاعد بقوة في 2023 إلى حصار تجويعي شامل تحت قصف مكثف، وإغلاق جميع المعابر الحدودية، وتدمير الأراضي الزراعية، والمنشآت الغذائية، وشبكات توزيع الغذاء بشكل ممنهج. وقد تسبب هذا المستوى غير المسبوق من العدوان العسكري في حرمان المدنيين في غزة من الحصول على الحد الأدنى من ضروريات الحياة. هذا وبحلول أوائل 2024، بدأت بعض الوكالات الدولية في وصف الكارثة الإنسانية هذه على أنها «مجاعة وشيكة». وأخيراً وبعد أكثر من عام ونص من التوصيف السابق، وتحديدا في 22 أغسطس 2025، أعلنت الأمم المتحدة أن الوضع الآن يُصنَّف رسميًا على أنه «مجاعة».[1]

رغم التأخر غير المقبول، من المؤكد أن إعلان الكارثة على أنها مجاعة يعد بالطبع خطوة مهمة نحو التعامل معها بجدية أكبر. غير أن مصطلح المجاعة هذا، من وجهة نظري، يظل مصطلحاً مضللاً للرأي العام، وربما يكون استخدامه غير أخلاقياً. فمن الناحية اللغوية، يستحضر هذا المصطلح ذهنيا فكرة الكوارث الطبيعية كالزلازل والجفاف والتصحر، بما يعطي مسحة على الكارثة وكأنها مبنية للمجهول، أو كأنها حتمية قدرية، وهو ما يعد إغفالاً فجاً للقرارات السياسية المتعمدة الكامنة وراء هذه الكارثة. وبالنظر إلى التاريخ الطويل لما يسمى بالمجاعات، نجد أن هذا المصطلح المجهل قد نجح في إخفاء مسؤولية الفعل السياسي والأسباب الهيكلية لهذه لجريمة، مقدمًا الجوع للجماهير وكأنه حدث طبيعي لا مفر منه، نتعاطف معه ونحزن، لكن لا نغضب بالضرورة. وبناءً على هذا القصور الذي أراه متعمداً، يهدف هذا المقال إلى تفكيك مفهوم مصطلح المجاعة وتفسيره وتحويله إلى مصطلح «التجويع»، بهدف استجلاء العنف المتعمد والمنهجي الذي يقف وراء هذا الحرمان الجماعي من الغذاء، وتوضيح مسؤولية القرارات البشرية التي تتعمد القتل جوعاً.

في الحقيقة، غزة اليوم تجبرنا على أخذ تحدي مواجهة الحدود الخفية للغة الكامنة في مصطلح المجاعة وما ينطوي عليه من إخفاقات أخلاقية على محمل الجد والمسؤولية. فمجرد الإشارة إلى ما يحدث في غزة اليوم على أنه مجاعة يعتبر وسيلة غير أخلاقية لتحييد المسؤولية وتشويش محورية القرار السياسي في جريمة القتل هذه. غير أن هذا ليس بالجديد على العالم، حيث يرتبط هذا التنصل من المسؤولية بجذور عميقة في سرديات التاريخ الاستعماري. وهنا يقدم لنا المؤرخ مايك ديفيس مثالاً من الهند تحت وطأة الاستعمار، حيث استمرت السلطات البريطانية في إجبار السكان المحليين على زراعة وتصدير الحبوب إلى بريطانيا في خضم ما وصفوه هم أنفسهم بأنه مجاعة. ومن خلال رفض بريطانيا الاعتراف اللغوي بما كان يحصل على أنه تجويع وليس مجاعة، أدت هذه السياسـة إلى ما يسميه ديفيس «محرقة العصر الفيكتوري المتأخر»، إذ لقي ملايين الهنود حتفهم جوعاً، بينما تم طمس دور المسؤولية السياسية لقرار المستعمر وعنفه الإمبريالي تحت المعنى الفضفاض والمبني للمجهول لمصطلح المجاعة.[2] وبالمثل، وبدرجة أشد قسوة من العنف، فإن استخدام مصطلح المجاعة لوصف ما يحدث بغزة اليوم يضعنا في موقف أخلاقي أشد خطورة بتطبيع الحرمان «الهيكلي» و «المتعمد» من الغذاء، في حين أن كليهما أمرين يشكلان جريمة ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي.

من هذا المنطلق، يميز الإطار المفاهيمي المطروح هنا في هذا المقال بين مصطلحين فرعيين منبثقين من مصطلح التجويع الرئيسي الذي أناقشه هنا. أولا، «التجويع الهيكلي» وهو إنتاج الحرمان من الغذاء بشكل مزمن ومنهجي في ظل الرأسمالية. وثانيا، «التجويع المتعمد» وهو استخدام الحرمان من الغذاء كسلاح مباشر لتحقيق السيطرة السياسية أو العسكرية. وعليه، وفي القرن الحادي والعشرين بعد عقود من الاستخدام المضلل لمصطلح المجاعة، يجادل هذا المقال بأن تفكيك هذا المصطلح يحتم علينا توظيف كلا التصنيفين من التجويع، من أجل الكشف عن الآليات الإجرامية للجوع الممنهج، والتي ظل مصطلح المجاعة يخفيها تاريخيًا.

التجويع الهيكلي

يشير مصطلح التجويع الهيكلي المقترح هنا إلى نقص التغذية المزمن، والمعاد إنتاجه اجتماعيًا، والمتأصل في الاقتصاد السياسي للرأسمالية العالمية. فهو شكل من أشكال الجوع المنظم، ينتج عن حالة طويلة الأمد من نزع الملكية الغذائية لدول الجنوب العالمي، وإعادة الهيكلة النيوليبرالية كظاهرة معاصرة لها جذورها في الاستعمار القديم. وهنا يصف الاقتصادي السياسي ديفيد هارفي هذه العملية بصورة أكثر شمولية بـ «التراكم عبر نزع الملكية»، حيث تؤدي خصخصة الموارد العامة وتسليعها إلى تهجير المزارعين الأصليين من أراضيهم تحت ضغط الأسواق العالمية لصالح شركات الشمال العالمي. وغالبا هنا ما يتم فرض هذه الآليات باستمرار عن طريق مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.[3] وبتهجير أو إضعاف المزارعين المعتمدين على الكفاف تاريخيا وإعادة تنظيم إنتاج الغذاء لصالح الأسواق العالمية هذه، يتم ترسيخ التجويع الهيكلي بتطبيع منظم لاستمرارية هشاشة هذه المجتمعات. فببساطة، ومن أجل أسواق الشمال العالمي، تُحرم شعوب الجنوب العالمي بشكل ممنهج من الكفاف، ليس بسبب ندرة مباشرة في الغذاء نفسه بأراضيها، بل نتيجة لفرض تمايزات هيكلية متجذرة في النظام الاقتصادي العالمي. وهنا بالتالي، يشكل التجويع الهيكلي شكلًا من أشكال الجوع المتأصل في آليات التراكم الرأسمالي العالمي، وهو ما يؤدي حتماً إلى إنتاج مجتمعات تظل معرضة لأزمات غذائية حادة، بما يجعلها جريمة تجويع بالتواطؤ، لا يمكن الادعاء بأنها غير متوقعة، ولا يفترض علمياً، أو حتى تخيلياً، أن تكون مفاجئة.

التجويع المتعمد

يحدث التجويع المتعمد عندما يتم توظيف الجوع كسلاح مادي بنية قتل مبيتة، محولًا هشاشة السكان المزمنة إلى أداة متعمدة للسيطرة السياسية أو العسكرية. وعلى عكس التجويع الهيكلي، الذي يكون منهجيًا وطويل الأمد ويخدم التراكم الرأسمالي في الشمال العالمي، فإن التجويع المتعمد يكون فوريًا، ومستهدفًا، ومنظمًا بهدف القتل الصريح والمباشر.

وهنا يشدد عالم الاجتماع جان زيجلر على الهدف السياسي من وراء التجويع في تحليله ل «خطة الجوع» النازية الشهيرة (1941–1944) إبان الحرب العالمية الثانية، حيث سعت هذه الخطة العسكرية إلى تجويع ملايين المواطنين في شرق أوروبا وبعض مناطق الاتحاد السوفيتي حتى الموت، وذلك عن طريق تحويل الإنتاج الغذائي المحلي في تلك المناطق لصالح القوات العسكرية والسكان المدنيين الألمان.[4] ففي هذه الحالة، كان التجويع متعمدًا، ولم يكن نتيجة حدث طبيعي أو عرضي، ولا بهدف تراكم رأسمالي بالضرورة كما الحال في تصنيف التجويع الممنهج المطروح سابقا هنا، بل هو نتيجة اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية صريحة بهدف القتل. ويُظهر هذا المثال من ألمانيا النازية كيف أن تصنيف هذا الفعل كمجاعة، وهو ما حدث حينها ومازال يحدث في كتب التاريخ، يغفل طبيعة هذا النمط الإجرامية الحقيقية كقتل متعمد وكسلاح حرب إبادة صمم للقضاء على شعوب بعينها، أو على الأقل الإخضاع العسكري لمن يتبقى منها حياً.

والأمر المثير للقلق أكثر من الحالة الألمانية هنا، هو أن العدوان الإسرائيلي اليوم في غزة يمثل نموذجًا أكثر عنفا، وبصورة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، للتجويع المتعمد من خلال الحصار، والتدمير المستهدف للبنية التحتية الغذائية، والمنع أو السيطرة على المساعدات، وكلها استراتيجيات شديدة العنف تشكل حرمانًا مقصودًا من المقومات الأساسية للحياة، ولا ينتج عنها سوى القتل الجماعي كهدف استراتيجي متوقع من طرف الاحتلال.

الخاتمة: تسمية الجريمة بأمانة

يكشف تفكيك مصطلح المجاعة عن حقيقة العمليات السياسية والهيكلية التي يخفيها الخطاب التقليدي المروج لهذا المصطلح المبني للمجهول. فـي حين أن توصيف «التجويع الهيكلي» يبين لنا كيفية إعادة إنتاج الحرمان الغذائي بشكل ممنهج في ظل الرأسمالية العالمية، بينما يوضح لنا توصيف «التجويع المتعمد» استغلال الجوع كسلاح مباشر يستهدف إبادة مجموعة بعينها من الشعوب. وهما أمران مرتبطان ببعضهما، إذ يولّد التجويع الهيكلي هشاشة مزمنة لدى الشعوب المستهدفة، وأحيانا، كما في الحالة الغزية اليوم، يستغل التجويع المتعمد هذه الهشاشة لتحقيق مخططات سياسية أو عسكرية بهدف القتل الجماعي المباشر.

إيجازاً، يوفر لنا تفكيك مصطلح المجاعة وإعادة تسميته الدقيقة بـالتجويع وضوحًا تحليليًا، وتذكيرا بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية في الوقت ذاته. فإدراك هذا التمييز بنوعيه الإجراميين: الهيكلي والمتعمد، هو حتمية منهجية وقانونية. وفقط باستخدام تسمية التجويع بأمانة كما هو على حقيقته، ربما سنتمكن من مواجهة الدور البشري وراء هذه الجريمة التي عادة ما يتم تطبيعها، أو تجريدها من سياقها السياسي، وتبييضها تحت مسمى المجاعة. وهنا أذكر مرة أخرى كيف يُظهر لنا التاريخ وأمثلته المتعددة مثل تجويع البريطانيين للهنود، وتجويع الألمان للأوروبيين الشرقيين والسوفييت، وصولا لتجويع الاحتلال الإسرائيلي للغزاويين اليوم، أن الجوع نادرًا ما يكون حادثة عرضية، بل هو استمرار للتجويع في سياقه الاستعماري، أحيانًا ما يكون هيكليًا، وأحيانا أخرى يكون متعمدًا، لكنه دائمًا نتيجة متوقعة لفعل إجرامي مبيت النية، ولا يجوز علميا أو قانونيا معاملته بغير ذلك.

تمت ترجمة هذا المقال من الإنجليزية بالذكاء الاصطناعي، وقد خضعت الترجمة للمراجعة البشرية.

  1. أخبار الأمم المتحدة. «الأمم المتحدة تعلن المجاعة في غزة وتدعو إلى التحرك الفوري لمنع المزيد من التجويع» [Famine in Gaza: ‘A failure of humanity itself’, says UN chief]، 22 أغسطس 2025. تاريخ الاطلاع 26 أغسطس 2025. https://news.un.org/en/story/2025/08/1165702. ↩︎
  2. مايك ديفيس. محارق العصر الفيكتوري المتأخر: مجاعات إل نينو وصناعة العالم الثالث [Late Victorian Holocausts: El Niño Famines and the Making of the Third World]. طبعة معادة. لندن: فيرسو، 2007. ↩︎
  3. ديفيد هارفي. الإمبريالية الجديدة [The New Imperialism]. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2003. ↩︎
  4. جان زيجلر. المراهنة على المجاعة: لماذا لا يزال العالم جائعًا [Betting on Famine: Why the World Still Goes Hungry]. نيويورك: فيرسو، 2013. ↩︎