في مشهد مربك وقع في شهر يوليو الحالي أثناء قمة استضافت قادة من غرب أفريقيا في البيت الأبيض، قاطع رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، رئيس موريتانيا، محمد ولد الغزواني، بعد بضع دقائق فقط من بدء خطابه، مشيرًا إليه بإصبعه كي يختصر حديثه، ثم أتبع ذلك بقوله «نحن بحاجة لأن نكون أسرع من هذا، حيث لدينا جدولًا كاملاً».[1] وبعد لحظات، التفت ترامب إلى ضيفه الآخر، رئيس غينيا بيساو، أومارو سيسوكو إمبالو، وسأله بشكل صادم عن اسمه وبلده.[2] وهنا لا يمكننا قراءة هذا المشهد خارج سياق الدبلوماسية الفجة وتفوق العرق الأبيض، بما يُعيد إلى الأذهان الحقبة الفرنسية والبريطانية الاستعمارية قبل الحرب العالمية الأولى، بل والقرون التي سبقتها.

يُعدّ ترامب، بوصفه ظاهرة بيضاء، مجرد تجلٍ، وإن كان صارخًا، لاستمرارية تاريخية من الاستعمار البنيوي، رغم أنه لا يتعدى كونه أحد مظاهره وليس أسبابه. غير أن هذه الاستمرارية يتم التعبير عنها عنها اليوم بطرق تختلف عن الأشكال السابقة للاقتصاد السياسي للاستعمار بشكله القديم. وهنا علينا ألا ننسى أن الكثير من مواطني الشمال البيض يعتقدون أن الحقبة الاستعمارية الأوروبية قد انتهت بالفعل مع استقلال معظم دول العالم عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. غير أن الواقع والأبحاث العلمية يوكدان استمرار القوة الاستغلالية والتراتبية للاستعمار الاقتصادي التي تبلورت في سياسات التنمية الدولية وترتيبات التجارة القسرية التي نشأت في تلك الفترة، والتي لا تكاد تعود بالنفع إلا على دول الشمال العالمي، عبر استخراج القيمة من الجنوب العالمي بهدف الحفاظ على مستويات المعيشة المرتفعة لمواطني الشمال.

مثال واحد، من بين العديد، ربما نجده من خلال تفحصنا لقصة لتر عصير البرتقال في أوروبا والذي يباع بأكثر من يورو بقليل، بينما تتكلف دولة مثل مصر 550 لترًا من الماء لإنتاجه، رغم أنها دولة تعاني من ندرة المياه.[3] وعليه تُيسَّر مثل هذه المستويات من استغلال الموارد، أياً كان نوعها، وبشكل منهجي المنفعة لصالح دول الشمال العالمي من خلال ترتيبات خاصة مع حكومات سلطوية في الجنوب العالمي. والآن، لنتخيل افتراضياً أن نفس اللتر من عصير البرتقال تقرر إنتاجه في دولة مثل بلجيكا. وهنا سنجد النتيجة أن عصير البرتقال سيتحول لمشروبًا للنخبة، ولن يستطيع غالبية البلجيكيين شراؤه إلا في المناسبات الخاصة. ومن هذا المنطلق، وعندما يُؤخذ هذا المثال جنبًا إلى جنب مع مجموعة واسعة من السلع المتوفرة على رفوف محلات السوبرماركت في الشمال العالمي، سيتضح لنا أن الاستعمار البنيوي لا يزال حاضرًا وبقوة، فيما يمكننا اليوم تسميته ب «النيو استعمار». وفي هذا السياق الاقتصادي، تُبرز لنا الولاية الرئاسية الثانية لترامب منذ يناير 2025 هذا الأمر بوضوح جلي، نظرًا لافتقاره كسياسي للمهارات الدبلوماسية وقدرات التمويه التي امتلكها الرؤساء الأمريكيون السابقون لذين كانوا يستطيعون، نسبيا. إخفاء فجاجة هذا الاستنزاف. ومع ذلك، هناك فروق واضحة، لا يمكن تجاهلها، بين سياسات ما يمكن تسميته ب «الاستعمار» و «النيو استعمار»، أو بعبارة أخرى، الفرق بين إدارة «حروب الأفيون» البريطانية في القرن التاسع عشر، وبين إدارة «حروب التعريفات» الأمريكية اليوم.

يجادل هذا المقال بأن السلوك الاقتصادي الأهوج لترامب، وبخاصة حربه التجارية، وانسحابه من المساعدات الإنسانية الإغاثية، وفرض سياسات العقوبات التي ينتهجها في مجال التنمية الاقتصادية، يمثل تحولًا من «الاستعمار الإيديولوجي» الذي مارسته الإمبراطوريات الأوروبية سابقا (نموذج إجبار الصين عسكريا على شراء الأفيون وبيعه للمواطنين) إلى شكل معاصر ومُعقَّد من الاستعمار الاقتصادي الجديد (نموذج لتر عصير البرتقال الذي يكلف إنتاجه 550 لتر ماء في دولة فقيرة مائيا). ففي هذا الشكل الجديد، لا تغزو الدول الاستعمارية الدول ذات السيادة بالجيوش كما في القرون الماضية، بل يتم إخضاعها اقتصادياً من خلال التبعية القسرية. صحيح أن وجوه الاستعمار قد تغيرت، من الممالك والأرستقراطيين الرأسماليين، إلى مطوري العقارات والمليارديرات العمالقة في قطاع التكنولوجيا، إلا أن مبدأ الهيمنة العالمية استمر كما هو كالقوة المحورية الفاعلة في تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية، منذ عدة قرون وحتى اليوم. ومن هنا، يُطلق على هذا الاستنزاف الاقتصادي مسمى «النيو استعمار»، أو كما يشيع كترجمة عربية غير دقيقة «الاستعمار الجديد».

تناقش أستاذة الجغرافية السياسية روت كراجز الاستعمار وإرثه المستمر في سياسات التنمية الحالية، كمجال أكاديمي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، وترى أنه كان رد فعل من قبل الباحثين الذين أصبحوا أكثر إحباطًا مع الوقت من التصورات التنموية السائدة آنذاك فيا يسمى بعلم الاقتصاد التقليدي. ووفقًا لكراجز، أدرك الباحثون أن استمرارية الفقر وعدم المساواة في الجنوب العالمي لا يمكن فهمهما بمعزل عن الهياكل الاستعمارية التي شكلت هاتين الظاهرتين. وهي توضح أن هناك بالفعل مشاريع تنموية استعمارية كانت تهدف إلى تحسين البنية التحتية والنمو الاقتصادي في المستعمرات، و «إرشاد» من كان يُطلق عليه حينها «السكان الطفوليين» نحو ما تم تسويقه على أنه «الحداثة». غير أنذلك لمكن سوى صورة من العنف المعرفي تجسد ماديًا عبر المصادرات الشاسعة للأراضي، والاستغلال الشديد للعمالة، والبناء للبنية التحتية التي لم تصمم إلا لخدمة الاقتصاد الاستعماري للعاصمة الامبراطورية، لا لرفاهية السكان المحليين كما تم الترويج.[4] علاوة على ذلك، كان ما يُسمى بـ«السياسة التنموية» حينها ما هو إلا محاولة لتجريد الاستعمار من طابعه السياسي من أجل تفكيك ونزع أنياب حركات المقاومة المطالبة بالاستقلال. وفي هذا السياق، ترى كراجز أن هذه الاستراتيجية مهدت الطريق لـ«الاحتلال الاستعماري الثاني» لاحقا، لكن من خلال منظمات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق النقد الدولي وباقي مؤسسات بريتون وودز التي أنشأها المنتصرين في الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة. بل ولم تقتصر هذه المؤسسات على توظيف البيروقراطيين الاستعماريين السابقين كـ«خبراء»، بل استمرت أيضًا في اتباع نماذج تنموية تصور الشمال كمصدر للمعرفة التي يجب على الجنوب أن يطمح إليها، وذلك في منهجية تم إعدادها جيدا بغرض إعادة إنتاج العلاقة الاستغلالية للمنتصرين من القوى الاستعمارية السابقة،[5] ولكن بقيادة الولايات المتحدة هذه المرة.

حرب التعريفات الجمركية التي شنها ترامب مؤخرا ليست بعيدة عن هذا السياق، إذ أنها لا تعكس في الأساس سوى إعادة لترتيب التسلسل الهرمي القائم بين النيو استعمارية كسياسة دولية والنيو مستعمر كلاعب سياسي. في هذا الإطار الذي لا يجوز فصله عن سياقه التاريخي، لا تشكل عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 سوى انفصالًا عن أنماط النيُو استعمارية القائمة على مؤسسات بريتون وودز، إلى عودة باتجاه ديناميكية كانت أكثر وضوحًا في الاستعمارية القديمة، والتي كانت أكثر وضوحا وعقابية في سياساتها، ولكن بتحول من قسوة عقابية عسكرية لفرض الهيمنة الاقتصادية، إلى قسوة عقابية تجارية لفرض تقريبا نفس الهيمنة الاقتصادية. وهو ما يؤكده ترامب من خلال سياساته الداعمة لهيمنة الشمال العالمي. مع العلم بأن خطابه يتركز حول المصالح الأمريكية، غير أن هذا الجانب يحتاج إلى مزيد من التحليل، ربما في مقال آخر. لكن الواضح بجلاء هو أن سياسات الهيمنة الاقتصادية العالمية للشمال في السياسة الترامبية قد تجاوزت المواجهة الحالية مع الصين، وامتدت بشكل عدواني إلى دول الجنوب ذات الدخل المنخفض والمتوسط، والتي تلحق أضرارًا جسيمة بالعديد من هذه الدول، التي هي بالفعل محاصرة في تبعية هيكلية تحت نظام التجارة الدولية الاستغلالي الحالي، حيث يتدفق معظم استخراج القيمة من السلع المصنعة إلى الشمال العالمي، على غرار مثال عصير البرتقال الذي نوقش سابقًا في هذا المقال.

وبالفعل، انسحبت إدارة ترامب فجأة من عدة برامج مساعدات إنسانية، بما في ذلك تلك المتعلقة بقطاعَي الصحة والبيئة، حيث سيتأثر ملايين الأشخاص من الأكثر هشاشةً، لا سيما في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، بشكل مأساوي، سيؤدي وفاة الكثيرين بسبب أمراض يمكن الوقاية منها. وهنا، لا تُضعف هذه الانسحابات قدرة هذه الدول على تحقيق الأهداف التنموية التي وضعتها المؤسسات الدولية لها فحسب في سياساتها السابقة، بل الأسوأ من ذلك، تُستخدم هذه السياسة كأدوات ضغط لتحقيق مكاسب سياسية في العلاقات الخارجية الأمريكية. وقد يتضمن ذلك، على سبيل المثال، تبني موقف مؤيد لإسرائيل بشأن الإبادة الجماعية المستمرة في فلسطين، أو التحالف مع تايوان ضد الصين، أو التصويت بصورة أو بأخرى في مؤسسات الأمم المتحدة.

في الماضي، كانت القوى الاستعمارية تقدّم البنية التحتية كـ«هدية» للشعوب المستعمرة، كغطاء فوق نيتها الحقيقية في ربط اقتصادات هذه الشعوب بمركز الإمبراطورية هذه أو تلك في أوروبا، ولاحقا ورثت مؤسسات التنمية الدولية النيو استعمارية هذا الدور الاستغلالي لصالح الشمال العالمي تحت غطاء تعزيز التجارة الدولية عبر ما يسمى «المساعدات التنموية». أما الآن، فإدارة ترامب، والتي تمثل مصالح الشمال العالمي، وبصورة بها بعض التقزيم للمستعمر الأوروبي القديم، لا تبذل هذه الإدارة أي جهد في التمويه أو التخفي تحت غطاء ما كالنموذجين السابقين (الاستعمارية الأوروبية أو نيو استعمارية ما بعد الحرب). بل تطرح هذه الإدارة القوة الاقتصادية الغاشمة كأداة تأديبية، من خلال إنكار المساعدات، ورفع التعريفات الجمركية، وتهديد بالعقوبات. ويمثل هذا تحولًا في النيو استعمار نفسه، من «الإدماج الاستغلالي» بعد الاستقلال كنمط كان سائدا منذ الخمسينات، إلى «الاستبعاد القسري» كواقعاً جديداً اليوم. ففي الحالة الأخيرة، لم تعد الدول تُدمج في شبكات استغلالية من خلال التنمية الانتقائية، بل تُعاقب على التقصير في الامتثال للهيمنة الأمريكية.

وعلى عكس أسلافهم الاستعماريين، الذين غالبًا ما كانوا ينتمون إلى خلفيات تعليمية نخبويّة ويعملون ضمن مؤسسات رسمية للإمبراطورية، أو موظفي البيروقراطية الاستعمارية الذين تحولوا إلى خبراء تنمية في مؤسسات بريتون وودز، تمثل الشخصيات المعاصرة مثل دونالد ترامب شكلاً أكثر بدائية وتركيزًا على السوق من القيادة النيو استعمارية التي سادت منذ منتصف القرن العشرين. فخلفية ترامب كمطور عقاري وشخصية إعلامية، إلى جانب تحالفاته الاستراتيجية والمتنقلة مع المليارديرات الأفراد مثل جيف بيزوس، وإيلون ماسك، ومارك زوكربيرج، وغيرهم، تمثل تحولًا واضحًا من الحكم النيو استعماري المؤسسي إلى الهيمنة المليارديرية الفردية. وهذا ليس جديدًا تمامًا، لكنه أصبح الآن أكثر عدوانية بصورة غير مسبوقة. فلم تعد التنمية تُؤطّر كتمويه، بل أصبحت صفقة تجارية تخضع لنفس تحليل التكلفة والعائد كما في صفقات العقارات.

هذا، ويمثّل الصدام الأخير بين ترامب وماسك دليلا على تحولًا في الطبقة النيُو استعمارية هذه من المؤسساتية إلى الفردية. وقد يكون من الأهم متابعة السلوك الاقتصادي المتقلب لماسك أكثر من ترامب، لكون الأول أغنى بمراحل ويمتلك منصة إعلامية قادرة للوصول لمئات الملايين، وذلك استعدادًا لمحاولة فهم مستقبل عالمي مختلف تمامًا قد تضطر دراسات التنمية الاقتصادية إلى محاولة معالجته. وهنا تشير جهود ماسك الأخيرة لتأسيس حركة سياسية مستقلة، يقال أنها تسعى لمنافسة ترامب في التأثير، إلى أن المرحلة القادمة من الحكم العالمي قد لا تتطلب المؤسسات السياسية التقليدية على الإطلاق. وبدلًا من ذلك، قد نكون على أعتاب نظام عالمي ما بعد ديمقراطي، حيث يصبح أصحاب رؤوس الأموال الرقمية واليوتوبيا التقنية المتقلبة، التي تحمل رؤى مستقبلية بالغة الاستبعاد للآخر، هس الطبقة الحاكمة و «النيُو استعماريين الجدد».

ختامًا، علينا الوثوق أن الماضي الاستعماري ليس مجرد ماضٍ وانتهى. فأيديولوجياته، ومؤسساته، وهياكله المادية والثقافية لا تزال قائمة، وإن كانت بأشكال متحورة، آخر صورها تتمركز حول الفردية. ومن هنا تُظهر الولاية الثانية لترامب قدرة واضحة على إعادة تدوير منطق الاستعمار المتناسب بالفعل منذ عقود مع عصر النيوليبرالية الذي تُخضع فيه السيادة لمقتضيات سوق عالمية مفبركة، لتتحول صياغة التنمية لسياسة العصا بدون جزرة. وهنا لا ينبغي أن يُفسر التحول من الإمبراطوريات إلى الشركات، ومن الملوك إلى ترامب وأمثاله، على أنه تقدم، بل هو فقط تحول. فالنيو استعمار لا يزال قائمًا. ويجب على دراسات التنمية النقدية أن تستمر في التحقيق في هذه الديناميات المتغيرة، ليس فقط لكشف أصولها التاريخية، بل أيضًا لمقاومة إعادة إنتاج عدم المساواة العالمية بأشكال أكثر تكنوقراطية وتضليلا. والقيام بذلك ليس مجرد التزام أكاديمي، بل هو ضرورة سياسية في زمنٍ يُموه فيه المليارديرات النيُو استعماريون، المسلّحون بالقوة الغاشمة والعمى التاريخي، الهيمنة على أنها ابتكار، والجهل على أنه تقدم.

تمت ترجمة هذا المقال من الإنجليزية بالذكاء الاصطناعي، وقد خضعت الترجمة للمراجعة البشرية.

  1. رويترز، «مباشر: الرئيس ترامب يلتقي بقادة أفارقة» (LIVE: President Trump meets with African leaders)، يوتيوب، 9 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 18 يوليو 2025، https://www.youtube.com/watch?v=WVdvAopK8mA.. ↩︎
  2. نفس المرجع. ↩︎
  3. أسامة دياب، «التوازن اللامتكافئ: هل لنا أن نسعد بزيادة صادرات البرتقال؟»، المنصة، 11 مايو 2025، تاريخ الاطلاع 18 يوليو 2025، https://manassa.news/stories/5786.. ↩︎
  4. روث كراجز، «التنمية في سياق تاريخي-عالمي» (Development in a Global-Historical Context) في دليل دراسات التنمية، الطبعة الثالثة (The Companion to Development Studies 3rd Edition)، تحرير: فاندانا ديساي وروبرت ب بوتر (روتليدج، 2014). ↩︎
  5. نفس المرجع. ↩︎