يشهد العالم تغييرات عميقة وواسعة النطاق، تشمل إعادة تشكيل موازين القوى السياسية والاقتصادية، وتبلور علاقات دولية تقوم على قواعد ومصالح وأهداف التكتلات العالمية المختلفة. وتمتد هذه التغيرات عبر المستويات السياسية والاقتصادية والصناعية والإقليمية، ما أدى إلى تحول شامل في الاقتصاد العالمي، تقوده آليات التحرير الاقتصادي، حيث تُدار التجارة بآليات السوق وتدفقات رؤوس الأموال والشركات متعددة الجنسيات.
ولا يمكن للاقتصاد المصري أن يكون بمعزل عن هذه التحولات الإقليمية والدولية الجارية. فهو يتأثر بها، سلبًا أو إيجابًا، الأمر الذي يفرض مزيدًا من المرونة والقدرة على التكيّف والاستعداد للتعامل مع المتغيرات الراهنة والمستقبلية. ويتطلب ذلك تخطيطًا رشيدًا وواعيًا للتعامل مع التحديات المطروحة.
وفي عام 1981، بدأت مصر في تنفيذ استراتيجية تستهدف التنمية والتحديث، حيث تم تحديد المبادئ الرئيسية لخطة طويلة المدى تمتد عشرين عامًا، جرى تقسيمها إلى أربع خطط خمسية متتالية. وتمحورت الأهداف طويلة الأجل حول ثلاثة محاور رئيسية:
1) تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الاعتماد على الذات في تمويل التنمية.
2) الاستمرار في دعم وتطوير البنية التحتية المالية والاجتماعية.
3) إدماج البعدين السكاني والمكاني في عملية التنمية بوصفهما عنصرين أساسيين في الخطة.
وكان الهدف المحوري لهذه الاستراتيجية هو تحسين مستوى معيشة المواطن العادي. واتسمت الخطة الخمسية الأولى (1982-1987) بطابع إصلاحي، وكان هدفها الرئيسي تحقيق التوازن بين قطاعات الاقتصاد القومي. وكان من المزمع تحقيق ذلك من خلال دفع واستقرار معدلات التنمية، والتركيز على القطاعات السلعية لدعم استمرارية النمو، وتوفير فرص عمل، وتعزيز البنية الأساسية، خصوصًا في مجالات البناء والطاقة والنقل. كما سعت الخطة إلى معالجة العجز في ميزان المدفوعات، وربط التنمية الاقتصادية بالتنمية البشرية الحقيقية، من خلال تخطيط وتدريب وتعليم القوى العاملة، وتشجيع الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي لدعم جهود التنمية.
وقد أسفر استمرار واستقرار مسيرة التنمية طوال عقد الثمانينيات وبداية التسعينيات عن تنفيذ برنامج استثماري ضخم بلغت قيمته 328 مليار جنيه مصري، ساهمت فيه كل من قطاعات الدولة والقطاع الخاص. وشمل هذا البرنامج مشروعات هيكلية كبرى، إلى جانب مبادرات في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
ورغم أن الحكومة والقطاع العام كانا يحملان تقليديًا عبء الاستثمار، فإن مساهمة القطاع الخاص ازدادت تدريجيًا، حيث شكّلت نحو 62% من الناتج القومي الإجمالي بحلول عام 1994. ولم يكن التركيز مقتصرًا على تحفيز التنمية وتراكم الاستثمارات وإنشاء البنية التحتية، بل رافق هذه الجهود تنفيذ برنامج إصلاح شامل، تجلت آثاره تدريجيًا في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ما أتاح الاستقرار والكفاءة لهذا البرنامج. وأسفر ذلك عن خفض كبير في عجز ميزان المدفوعات، حتى تحوّل إلى فائض. كما توسّعت قاعدة الملكية، ونشط السوق المالي.
وقد أفرز برنامج الإصلاح الاقتصادي نتائج إيجابية، أسهمت في قدر من الاستقرار الاقتصادي، مهّدت لتسريع برنامج الخصخصة، وتعزيز الاستثمار عبر إزالة العقبات أمام المشروعات الاستثمارية، وتأكيد مكانة مصر كوجهة جاذبة لفرص الاستثمار.
مبادئ مستقبل الاستثمار في مصر
تسعى مصر إلى جذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية، وتحويلات المصريين في الخارج، لدعم قدراتها الاستثمارية. ولهذا الغرض، توفر الحكومة مجموعة من الحوافز لتشجيع الاستثمار، تشمل:
1) توفير عمالة فنية مدربة.
2) توافر المواد الخام الأساسية للصناعات المختلفة.
3) إتاحة المواد الخام الوسيطة ونصف المصنعة.
4) تبسيط الإجراءات مع الجهات الحكومية.
5) تيسير الإجراءات المالية.
6) منح إعفاءات جمركية وضريبية لفترات تتراوح بين 8 و15 عامًا.
7) إتاحة الكهرباء والمياه بأسعار مناسبة.
8) توافر خدمات النقل وشبكات الطرق.
9) تخصيص مدن صناعية جديدة لإقامة مشروعات إضافية.
دمياط والصناعات الصغيرة والمتوسطة
تُولي الدولة أهمية كبيرة لدور الصناعات الصغيرة في دفع عجلة التنمية. واستلهامًا للتجربة اليابانية، تسعى مصر إلى تحديد المكونات التنظيمية والمالية اللازمة لإقامة عدد كبير من المشروعات والصناعات الصغيرة في دمياط، بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
كما سبق ذكره، يتمثل الهدف الأساسي من دعم الصناعات الصغيرة في استيعاب أكبر عدد ممكن من الأيدي العاملة. وتبرز دمياط كواحدة من أكثر المدن جذبًا للعمالة، حيث تمثّل طرفي الإنتاج والاستهلاك، بالإضافة إلى الادخار.
ويتمثل الأسلوب المعتمد لتحقيق هذا الهدف وضمان نمو اقتصاد دمياط، في تعزيز شعور الانتماء والولاء لدى سكانها، وتشجيعهم على العمل الإنتاجي المستقل. وقد تم بذل جهود لتقديم برنامج يتماشى مع الخصائص الفريدة لقوى العمل في دمياط، يهدف إلى تطوير المجالات الإدارية اللازمة لنمو المشروعات الصغيرة، وتزويدها بالتكنولوجيا والمعلومات المطلوبة.
وقد دخلت مصر مرحلة جديدة من التنمية الوطنية، ترتكز على مبادئ تسعى إلى ترسيخ الثقة في إمكاناتها الاقتصادية. وبالإضافة إلى الجهود المبذولة لتحفيز وتنشيط مناخ الاستثمار، وخلق بيئة جاذبة للمستثمرين، هناك تركيز على إتاحة الفرص لهذه الاستثمارات للنمو والتوسع. ومن ثم، تتجه مصر حاليًا نحو التحول إلى اقتصاد موجّه نحو التصدير. ولن يعتمد نجاح التوسعات الاستثمارية على السوق المحلي فقط، بل سيصبح السوق الدولي مرتكزًا أساسيًا للسياسات الاقتصادية المستقبلية.
ترعة السلام
تُعد ترعة السلام إنجازًا علميًا وتكنولوجيًا، تهدف إلى نقل مياه النيل إلى سيناء لأغراض التعمير والزراعة. وتعبر الترعة أراضي محافظات دمياط والدقهلية والشرقية، غرب قناة السويس، قبل أن تصل إلى سيناء شرق القناة. وتأخذ الترعة مياهها من نقطة تقع على بُعد نحو كيلومترين خلف قناطر دمياط، وتروى مساحة تُقدّر بنحو 620 ألف فدان، منها 400 ألف فدان في صحراء سيناء، والباقي في المحافظات الواقعة غرب قناة السويس. ويهدف المشروع إلى كسر عزلة سيناء، وزيادة الاستثمارات والأنشطة الزراعية فيها، وتوفير فرص عمل كثيرة للعمالة المصرية. كما تُسهم الترعة في إعادة توزيع السكان من وادي النيل والدلتا المزدحمين إلى هذه الأرض الجديدة.
الميناء والتنمية في دمياط
يوفر ميناء دمياط للمحافظة مجموعة من الفرص، من بينها:
1) توفير فرص عمل لأكثر من 4,000 عامل وموظف ضمن شركات وهيئات متعددة داخل الميناء.
2) إتاحة تراخيص لعدد كبير من الأفراد وشركات القطاع الخاص لمزاولة أنشطة متنوعة داخل الميناء، مثل التوريدات البحرية، والاستيراد والتصدير، وتجميع نفايات السفن، وتموين السفن، والنقل، والغسيل، والخدمات اللوجستية.
3) توفير رسوم أرضيات الانتظار عند استيراد القمح—أكثر من 300 ألف دولار لكل سفينة تحمل 80 ألف طن.
تمثل دمياط عنصرًا محوريًا في برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري الأشمل، بما يعكس توجه الدولة نحو التنمية والتحديث. ويؤكد دمج الصناعات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب مشروعات كبرى مثل ترعة السلام أهمية التنمية الإقليمية في تحقيق الأهداف الوطنية. ويتماشى التركيز المستمر على تحسين البنية التحتية، وجذب الاستثمار، وتحسين مستويات المعيشة، مع الاتجاهات الاقتصادية العالمية، مع الاستجابة في الوقت نفسه للاحتياجات المحلية. ومع تحوّل مصر نحو اقتصاد تصديري، ستلعب مناطق مثل دمياط دورًا حاسمًا في ضمان نمو مستدام، وتقليص الفجوات الإقليمية، وتعزيز موقع البلاد كمنافس قوي في السوق العالمية.