تُعد دمياط مدينة ذات ماضٍ غني ومتنوّع، وقد شهدت عبر آلاف السنين العديد من التحولات. وبفضل موقعها الاستراتيجي على دلتا النيل وامتدادها إلى البحر المتوسط، كانت دائمًا محورًا للأحداث التاريخية من العصور القديمة حتى العصور الحديثة. وتناوبت على دمياط حضارات وإمبراطوريات مختلفة، تركت كل منها بصمة واضحة على تطورها وأهميتها. فمن جذورها في العصر الفرعوني، مرورًا بالغزوات الصليبية، وأهميتها الاقتصادية في العهدين الروماني والبيزنطي، إلى قيمتها الاستراتيجية في الصراعات اللاحقة، واصلت دمياط التكيّف والتطور. وتستعرض هذه النظرة الموجزة المراحل التاريخية البارزة لدمياط، مبرزة تحولها من ميناء قديم بارز إلى مدينة محورية في التاريخ الوسيط والحديث.
العصر الفرعوني
تظل المعلومات المتاحة عن دمياط في العصر الفرعوني غامضة وملتبسة إلى حد ما. ويرى بعض المؤرخين وعلماء الآثار أن صعيد مصر كان مقسمًا إلى عشرين إقليمًا، وكان الإقليم السابع عشر يُعرف باسم «تمحت»، وهو دمياط. وكان هذا الإقليم يشمل الأراضي الواقعة بين فرع «تماتيين» أو «فاتنتيين» (فرع دمياط) وفرع «سبتين» (فرع سمنود). وامتدت هذه المنطقة حتى ساحل البحر المتوسط، وكانت عاصمتها «بي آمون»، التي عُرفت باليونانية باسم «زيوس جولوس». وكان يُنظر إلى هذه المدينة على أنها طيبة الشمالية، مقابل طيبة الجنوبية، وهو ما يعكسه معنى «تمحت».
العصر اليوناني-الروماني
منذ غزو الإسكندر الأكبر لمصر عام 332 قبل الميلاد، خضعت دمياط، شأنها شأن باقي المدن المصرية، للحكم اليوناني، تلاه حكم البطالمة، ثم الاحتلال الروماني عام 30 قبل الميلاد. وخلال ثلاثة قرون من الهيمنة اليونانية، ازدهرت العلاقات التجارية بين المصريين واليونانيين، خاصة مع انتشار استخدام اللغة اليونانية في مصر. وقد أطلق اليونانيون أسماء يونانية على المدن، مأخوذة أو مترجمة من اللغة المصرية، مثل «تامياتيس» (دمياط). وكان لقرب هذه الموانئ من بلاد اليونان أثرٌ كبيرٌ في ذلك. وانتقل العديد من التجار والعلماء والكتّاب والسائحين اليونانيين إلى دمياط لدراسة تاريخ مصر وجغرافيتها وآثارها وعاداتها. كما أن هذه المدن الساحلية، ومنها دمياط، كانت بمثابة موانئ آمنة للسفن والتجارة اليونانية.
العصر الروماني-البيزنطي
كانت دمياط بالنسبة للرومان مصدرًا رئيسيًا للحبوب والكتان والبردي ومحاصيل أخرى. إلا أن الضرائب المرتفعة والأعباء المفروضة أدّت إلى تكرار الثورات ضد الحكم الروماني. ويُذكر أن الإمبراطور دوميتيان، الذي حكم عام 81 ميلاديًا، زار دمياط وكان أحد رعاتها.
ومنذ عام 509 ميلاديًا، أصبحت دمياط هدفًا عسكريًا لسفن الحربية البيزنطية. وغزاها الجيش الفارسي بين عامي 616 و622 ميلاديًا، وارتكب فيها مذابح عديدة.
ومن ثم، كان من مصلحة الدولة الرومانية تحصين المدن الساحلية المصرية، وجعلها مناسبة للرسو والتجارة. فأصبحت دمياط واحدة من أهم المراكز خلال العصر الروماني، تستقبل السفن التجارية والحربية.
الفتح الإسلامي
في منتصف القرن السابع، أصبحت مصر ولاية عربية، واستسلمت دمياط، شأنها شأن معظم المدن المصرية، سلميًا للجيش العربي.
وعندما أدرك عمرو بن العاص أن معظم البلاد خضعت للعرب بعد فتح الإسكندرية، أمر الجيش بالتحرك على الساحل نحو دمياط، المعروفة بتحصيناتها القوية. فسلّمها الحاكم يوحنا، وبحلول عام 642، كان العرب قد سيطروا على جميع مصبات النيل إلى البحر المتوسط. ثم اندمجت دمياط تدريجيًا في العالم العربي، واستوطنها عرب من شبه الجزيرة العربية، وبُنيت فيها المساجد. كما عرب العرب أسماء العديد من المدن، فصارت «تامياتس» «دُمياط».
وتدريجيًا، اكتسبت دمياط طابعًا عربيًا، واعتنق أهلها الإسلام وتعلموا العربية. وأدت الزيجات المختلطة بين العرب والأقباط إلى اندماج عناصر مختلفة من النُظم الاجتماعية والعادات والعلوم والفنون.
وفي القرن الثامن، تعرضت دمياط لغارتين مدمرتين من الرومان، الأولى عام 709، والثانية عام 738، في إطار محاولات الدولة البيزنطية لاستعادة أراضٍ مفقودة. إلا أن هذه الغارات باءت بالفشل.
وفي القرن التاسع، وبعد وفاة الخليفة الرشيد عام 808 ميلاديًا، نشب صراع بين ولديه الأمين والمأمون. وحظي الأمين بدعم الحرفيين، مما دفع المأمون لإرسال جيش لمحاربتهم، إلا أن الجيش هُزم. وفي خضم هذه الفوضى، برزت من دمياط المنسوجات الرفيعة، ومنها الكسوة وملابس الملوك والولاة، التي كانت مطلوبة في أسواق الشرق.
وفي ظل هذه الاضطرابات، تعرضت دمياط لثلاث هجمات رومانية. ففي عام 852 ميلاديًا، شنّت سفن حربية غارة بحرية، أنزلت قواتها في دمياط، وتسببت في دمار وخسائر كبيرة، قبل أن يُصدّها أهالي المدينة. وأمر الخليفة المتوكل ببناء حصن في دمياط للدفاع عنها ضد تكرار الهجمات الرومانية طوال القرن.
وفي القرن العاشر، وبعد سنوات من الاضطراب، انتهز الرومان الفرصة عام 919 لشن هجوم على دمياط بـ200 سفينة حربية، ونهبوا الساحل لأكثر من شهر. ووقعت غارة أخرى بعد وفاة كافور الإخشيدي، حاكم مصر، عام 968، إذ هاجمت أكثر من عشرين سفينة حربية المدينة، وقتلت الكثيرين، وأسرت نحو 150 شخصًا. ويبدو أن دمياط كانت دومًا ضحية لحكومات فاسدة وحكام ضعفاء.
العصر الفاطمي
في مطلع العصر الفاطمي، شهدت مصر فترة من الاستقرار النسبي، ما ساعد على ازدهار الصناعة والتجارة، خاصة في المدن ذات الأهمية التاريخية مثل دمياط، المعروفة بصناعة النسيج والملابس. وكانت خزائن النخبة والمساعدين والحاشية تمتلئ بالأقمشة الفاخرة المنتجة في دمياط. كما كانت مساجد المدينة مقصدًا لطلبة العلوم الدينية والفقهاء والشعراء والأدباء.
الحملات الصليبية
في عام 1169 ميلاديًا، أرسل الإمبراطور عمانوئيل البيزنطي أسطولًا مكوّنًا من نحو 1200 سفينة حربية مجهزة بالمنجنيق. وصل الأسطول إلى دمياط عام 1170 وفرض حصارًا دام 53 يومًا. وردّ صلاح الدين الأيوبي بإرسال جيش عبر النيل، مزود بالأسلحة والذخائر والأموال. ولما علم الأوروبيون بوصول الدعم من نور الدين في دمشق، دبّ الذعر في صفوفهم، خاصة بعد غرق بعض سفنهم وانتشار الأمراض، فتراجعوا.
وفي 30 مايو 1218، وصل طلائع الحملة الصليبية الثانية إلى دمياط، مؤلفة من جنود ألمان وهولنديين وإنجليز وفرنسيين وإيطاليين، بلغ عددهم 70 ألف فارس و40 ألف مشاة، ونزلوا على جزيرة دمياط آنذاك.
فرضوا حصارًا على المدينة من جميع الجهات، ومنعوا وصول المؤن. ولحماية أنفسهم، حفروا الخنادق وأقاموا الأسوار والمتاريس، فيما استمر المدافعون عن دمياط في القتال لمدة ستة عشر شهرًا و22 يومًا، قبل أن يسقط الأوروبيون المدينة في نوفمبر 1219. ونهبوا المدينة، وحوّلوا المسجد الكبير (عمرو بن العاص) إلى كنيسة، وحصّنوا المدينة.
وخلال الصيف، ومع فيضان النيل، تحوّلت السهول إلى مستنقعات، ووجد الصليبيون أنفسهم محاصرين في شبه جزيرة محاطة بالماء والأعداء. وفي 26 أغسطس 1221، حاولوا الانسحاب، لكن قوات الكامل حاصرتهم وقطعت خطوط التراجع. فطلب الأوروبيون الصلح مقابل مغادرة دمياط ومصر، وتبادل الأسرى.
وكما جرت العادة، كان الهدف من الحملة الصليبية السيطرة على مصر تمهيدًا للاستيلاء على القدس والشام. وفي أغسطس 1248، وصل أسطول ضخم مكوّن من نحو 1800 سفينة تحمل 80 ألف جندي بقيادة لويس التاسع، المعروف بـ«القديس لويس»، ملك فرنسا، إلى سواحل دمياط في 4 يونيو 1249.
واندلعت معارك عنيفة على الشاطئ لمنع إنزالهم. وانسحب فخر الدين وجنوده من المدينة بعد تدهور الموقف، ولحق بهم أهالي كنانة، الذين أضرموا النار في الأسواق. لكن الجسر الرابط بين ضفتي النيل لم يُدمّر، مما مكّن الصليبيين من دخول المدينة.
استمرت المقاومة، ومع وصول سفن الإمداد الأوروبية، تدخلت السفن المصرية، وفرضت حصارًا على المعسكر الصليبي، ما أدى إلى تفشي الجوع والمرض. فأدرك لويس التاسع صعوبة الموقف، وأمر بالانسحاب في 15 أبريل 1250. وأُسر الملك ونبلاؤه، ونُقلوا إلى المنصورة، وسُجنوا في بيت القاضي ابن لقمان، حتى دفعوا فدية قدرها 400 ألف دينار ذهبي، مقابل إطلاق سراحهم ومغادرة دمياط، وهو ما تم في 8 مايو 1250، بعد احتلال دام 11 شهرًا و5 أيام، وهو اليوم الذي يُحتفل به كعيد قومي لدمياط.
الحملة الفرنسية
عندما احتل نابليون الإسكندرية والقاهرة عام 1798، عيّن الجنرال فيال قائدًا لدمياط، التي احتلها ومعه عزبة البرج. وفي أوائل سبتمبر 1798، اندلعت ثورة ضد الفرنسيين في دمياط. فطلب فيال المساعدة، بينما تحرك حسن طوبار، زعيم المنزلة، بأسطوله وقواته نحو سواحل «غيط النصارى». وانضم إليه الفلاحون، وهاجموا قوات الجنرال، وقتلوا الحراس عند مداخل المدينة. واستمر القتال طوال ليلة 16 سبتمبر. لكن فيال أعاد تنظيم قواته، وشن هجومًا مضادًا أجبر المتمردين على التراجع.
وبعد احتلال المنزلة، استولى الفرنسيون على المطرية، واضطر حسن طوبار للفرار إلى غزة مع أسرته. ثم عاد لاحقًا بشروط تقضي بعدم التدخل. وهكذا نجح الفرنسيون في احتلال محافظة دمياط ومركز المنزلة، وعملوا على تحصين دمياط وبناء القلاع.
وعندما تولى عبد الله مينو قيادة الفرنسيين في مصر، أمر بسحب القوات من الأقاليم وتجميعها في القاهرة تمهيدًا للانسحاب النهائي إلى فرنسا. وأُخليت دمياط من القوات الفرنسية، لكن بقي 200 جندي في عزبة البرج حتى تم الإجلاء الكامل للحملة الفرنسية في 18 سبتمبر 1801، بعد احتلال دام ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.
عهد محمد علي
عندما تولى محمد علي حكم مصر عام 1805، كانت دمياط أهم موانئ البلاد، بل تفوقت على الإسكندرية. وبلغ عدد سكانها نحو 30 ألف نسمة، مقارنة بعدد سكان مصر الذي لم يتجاوز ثلاثة ملايين، وسكان الإسكندرية البالغين 6 آلاف.
وزار محمد علي بنفسه المدرسة الحربية في دمياط عام 1818، وأقام فيها عدة أيام. وفي عام 1834، اجتاح الطاعون مصر، وامتد إلى دمياط.
بدايات القرن العشرين
في مطلع القرن العشرين، استمر الاحتلال البريطاني لمصر، بينما واصل العالم مسيرته نحو التقدم، وشهدت مصر، بما فيها دمياط، بعض مظاهر التطور رغم الاحتلال.
وبعد الحرب العالمية الأولى، تراجعت حركة التجارة في دمياط، وتوقفت الملاحة، وانخفضت الواردات الأوروبية من الأثاث والأحذية. ومع ذلك، نافست المصانع الحرفية المحلية بقوة. وساهمت دمياط سياسيًا في ثورة 1919 ومقاومة الاحتلال البريطاني.
واشتهر أهالي دمياط بحيويتهم ونزعتهم الإصلاحية، وكانوا كخلية نحل، يعملون في صناعة الأثاث والأحذية ومنتجات الألبان والنسيج والأرز المضروب وصيد الأسماك وتمليحها.
ثورة يوليو
مثّلت ثورة 23 يوليو 1952 بداية مرحلة جديدة لدمياط، شهدت خلالها نهضة في مجالات الإنتاج والخدمات والمرافق العامة. وكانت تلك بداية انطلاقة حقيقية للمدينة.
وفي 8 مايو 1960، زار الرئيس جمال عبد الناصر دمياط، وافتتح مصنع النصر للغزل والنسيج، ووعد بإعادة النظر في تطوير ميناء دمياط.
النكسة
تأثرت دمياط بنكسة 1967، وتحول مصيف رأس البر إلى ملاذ للنازحين من بورسعيد وباقي أنحاء المحافظة. وشهدت هذه الفترة تلاحمًا وتعاونًا بين أهالي دمياط والنازحين من مدن القناة.
حرب أكتوبر
عندما أعلن الرئيس أنور السادات ساعة الصفر في 6 أكتوبر 1973، وعبرت القوات المصرية قناة السويس لتحرير سيناء، كانت دمياط درعًا حاميًا للجبهة، ما دفع الرئيس السادات إلى منح راية شرطة دمياط وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى لدورها البارز في المعركة.
لقد عكست مسيرة دمياط عبر العصور مكانتها المتجددة وقدرتها على التكيّف. فبوصفها ميناءً استراتيجيًا ومفترقًا للثقافات، واجهت المدينة فترات من الاحتلال والصراع والتجدد. وساهم كل عصر في تشكيل هويتها، من العصور الفرعونية إلى الإمبراطوريات المتعاقبة، وصولًا إلى العصر الحديث. وتؤكد مرونة دمياط وأهميتها الاستراتيجية دورها المحوري في التاريخ المصري، فهي سجل حي لتعدد التأثيرات التاريخية التي صاغت هويتها على مر القرون، ولا تزال تواصل النمو والتطور، شاهدة على إرثها الغني ودورها الحاسم في السردية التاريخية لمصر.