تُعد السياحة من المصادر الأساسية للدخل القومي في مصر، وتسهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد الوطني. ورغم الإمكانات الهائلة التي تزخر بها محافظة دمياط، فإن هذا القطاع ظل غير مُطوَّر إلى حد كبير في المحافظة. تتمتع دمياط بموقع جغرافي فريد؛ إذ يحدها البحر المتوسط شمالًا، وبحيرة المنزلة شرقًا، ويمر نهر النيل في قلبها. وتمثل هذه المزايا الطبيعية، إلى جانب مناخها المعتدل وسهولة الوصول إليها، عوامل تجعل من دمياط وجهة سياحية طبيعية لأنماط عدة من السياحة. غير أن جهود الدولة لتطوير البنية التحتية السياحية في دمياط والترويج لها كوجهة سياحية ظلت غير كافية، مما ترك جزءًا كبيرًا من إمكاناتها غير مُستغل.

بإمكان دمياط أن تكون في صدارة عدد من أنواع السياحة:

السياحة التسويقية: اكتسبت دمياط سمعة قوية بفضل منتجاتها عالية الجودة، مثل الأثاث والحلويات ومنتجات الألبان، وهو ما يجذب المشترين المحليين والدوليين. ومع ذلك، فإن نقص البنية التحتية اللازمة للتسويق، وضعف الاستثمارات في قطاع الخدمات اللوجستية، يحول دون استفادة الإقليم بالكامل من صادراته والترويج لمنتجاته باعتبارها تنافسية على المستوى العالمي.

السياحة الدينية: تضم المحافظة عددًا كبيرًا من المساجد والكنائس القديمة التي تتمتع بقيمة تاريخية كبيرة. إلا أن هذه المواقع تعاني من ضعف الترويج، بل والإهمال أحيانًا. ويمكن أن تتحول هذه المعالم الدينية إلى نقاط جذب رئيسية إذا ما خضعت لعمليات ترميم وترويج جادة.

السياحة الترفيهية: يتمتع الساحل المتوسطي لدمياط، ولا سيما منطقة رأس البر، بمقومات تؤهله ليكون من أبرز المصايف. إلا أن نقص المنشآت الحديثة والبنية التحتية المُصانة جيدًا يحد من جاذبيته كوجهة ترفيهية.

السياحة الثقافية والتاريخية: رغم ما تتمتع به دمياط من تاريخ غني، فإنها غالبًا ما تكون في الظل مقارنة بمدن مصرية أخرى. ومع ذلك، تضم المحافظة العديد من الآثار والمعالم التاريخية التي لم تُحفظ أو تُروَّج لها بالشكل الكافي. وإن تطوير هذه المواقع يمكن أن يضع دمياط على خريطة السياحة الثقافية بجدارة.

مسجد عمرو بن العاص

يُعد مسجد عمرو بن العاص، أول مسجد أُقيم في إفريقيا، شاهدًا على التراث الإسلامي لمصر وأهمية دمياط التاريخية. فقد كان المسجد يومًا ما تحفة معمارية، بفضل أعمدته المصنوعة من المرمر وعناصره الرخامية، التي جعلته من أجمل مساجد مصر. لكن الإهمال الذي استمر لسنوات أفسح المجال لتدهور حال المسجد تدريجيًا. ويُعد فقدان معالمه المميزة تذكيرًا صارخًا بكمّ الفرص التي ضاعت نتيجة غياب جهود الترميم. وتشير السجلات التاريخية إلى أن المسجد حُوِّل إلى كنيسة على يد جان دي بريين عام 1219، ثم مرة أخرى على يد لويس التاسع ملك فرنسا عام 1249. وعلى الرغم من هذا التاريخ الثري والفريد، ظل المسجد مهملاً، ولم تُبذل سوى جهود ترميم محدودة للغاية.

مسجد أبو المعاطي

يشهد مسجد أبو المعاطي، وهو معلم ديني بارز آخر في دمياط، حالة مماثلة من التجاهل على صعيد الترميم والتطوير. وقد بناه فاتح الأسمر التكروري، ويُعد المسجد معلمًا دينيًا وثقافيًا في آن واحد. ويُقام فيه سنويًا مهرجان ديني بارز في شهر شعبان، يجتذب أعدادًا كبيرة من المريدين. ومع ذلك، ورغم أهميته الثقافية، لم يحظَ المسجد بالاهتمام الذي يستحقه من الجهات الرسمية. ورغم أن بعض الجهود المحلية بُذلت لإعادة بناء أجزاء من المسجد، فإن غياب الدعم الحكومي الواسع حال دون تحويله إلى مَعلم سياحي ديني بارز.

ضريح جمال الدين شيحة

يقع ضريح جمال الدين شيحة بالقرب من مسجد أبو المعاطي، وهو معلم تاريخي آخر لم يُقدَّر حق قدره. ويضم الضريح مجموعة من الأسلحة القديمة يُعتقد أنها تعود إلى زمن الحروب الصليبية، ما يمنحه أهمية تاريخية كبرى. وتشير الروايات الشعبية المحلية إلى أن هذه الأسلحة كانت تخص جمال الدين شيحة نفسه، الذي حارب الصليبيين خلال غزو لويس التاسع. ورغم ثراء الضريح التاريخي، فإنه يعاني من سوء الصيانة، ونادرًا ما يقصده السياح نتيجة لغياب الترويج. ويمكن لجهود الحفاظ عليه والترويج له أن تُطلق إمكانات كبيرة للسياحة الثقافية.

مسجد ومدرسة المتبولي

شُيّد مسجد المتبولي ومدرسته الملحقة به على يد السلطان الأشرف قايتباي عام 1470، وكانا في ما مضى من مراكز التعليم الديني البارزة في دمياط. وكانت المدرسة معروفة بتدريسها اللغة العربية والعلوم الدينية، ومثلت منارة علمية في زمانها. وعلى الرغم من الأهمية التاريخية والمعمارية للمسجد، فإنه لم يُرمَّم إلا جزئيًا عام 1978، ولم تُستكمل جهود الترميم منذ ذلك الحين. واليوم، ابتعد المسجد كثيرًا عن مكانته السابقة كمعلم ديني وثقافي، ويرجع ذلك إلى غياب الاستثمارات في حفظه والترويج له. ويمكن أن يمثل هذا المسجد نموذجًا حيًّا على التراث الإسلامي الغني في المنطقة، إذا ما نال ما يستحقه من اهتمام.

مسجد البحر

يُعد مسجد البحر من أشهر المساجد في دمياط اليوم، ويُعجب به الكثيرون بسبب طرازه المعماري المستوحى من الأندلس. وقد بُني المسجد في الأصل خلال العصر العثماني عام 1009 هـ، وخضع منذ ذلك الحين لعدة أعمال ترميم، كان آخرها في عام 1967. وعلى الرغم من أن مسجد البحر يحتل مكانة بارزة في الحياة الدينية والثقافية في دمياط، فإنه لم يحظَ باهتمام رسمي يرقى به إلى مصاف الوجهات السياحية. ويجعل من الزخارف الدقيقة، وخمسة قباب، ومئذنتين شامختين، نقطة جذب محتملة لعشاق العمارة الإسلامية، غير أن غياب الاستثمارات اللازمة يبقي دوره محصورًا محليًا.

مسجد المعيني

يمثل مسجد المعيني، الذي بُني عام 1310 ميلادية، كنزًا تاريخيًا غير مُستغل. ويتميز المسجد بمعماره الفريد، ومنبره الخشبي المطعَّم، ولوحة خشبية أصلية تسجل تاريخ بنائه، وهو ما يعكس عراقة التاريخ الإسلامي في دمياط. ويزيد من تميزه أنه بُني على أقواس لحمايته من المياه الجوفية، وكان له مئذنتان اندثرتا منذ زمن بعيد. وكغيره من المواقع التاريخية في دمياط، لم يشهد مسجد المؤيني الترميم أو الترويج اللازمين لجذْب السياح. ويمكن أن يسهم الاستثمار في صيانته في تحويله إلى معلم ثقافي بارز.

الكنائس في دمياط

تزخر دمياط بعدد من الكنائس القديمة، منها كنيسة ذات طراز بيزنطي تعود إلى الحقبة الرومانية وتقع في حي النصارى. ورغم الأهمية التاريخية لهذه المواقع الدينية، فإنها تعاني من الإهمال وضعف الترويج. وتُعد كنيسة السيدة العذراء في شارع التحرير، التي جرى ترميمها مؤخرًا، مثالًا على ما يمكن أن تحققه الاستثمارات الجادة. ومع ذلك، فإن غياب رؤية أشمل لترميم وترويج هذه الكنائس يجعلها منسية إلى حد كبير في قطاع السياحة. وتشكل التعددية الدينية في دمياط، والتي تجسّدها الكنائس والمعابد اليهودية، فرصة فريدة للسياحة الدينية لا تزال غير مُستغلة.

قلعة عرابي

تُعد قلعة عرابي في عزبة البرج موقعًا تاريخيًا مهمًا، بُنيت في القرن الثامن عشر ضمن منظومة الدفاع الساحلي لمصر. وكانت هذه القلعة الحصينة في ما مضى جزءًا من شبكة عسكرية تهدف إلى حماية مصر من الغزوات البحرية. أما اليوم، فلم يتبقَ من القلعة سوى جدران قليلة وبقايا متناثرة. ورغم أهميتها التاريخية، لم تُطوّر القلعة كموقع سياحي، وضاع جزء كبير من قصتها بمرور الزمن. ويمكن أن يسهم ترميم القلعة والترويج لها كمعلم تاريخي في إحياء هذا الموقع المهمل، وجذب الزوار المحليين والدوليين.

السياحة الصيفية

توفر مدينتا دمياط الجديدة ورأس البر، الواقعتان على ساحل البحر المتوسط، فرصًا واعدة للسياحة الصيفية. ومع ذلك، فإن وتيرة التنمية في هاتين المنطقتين ظلت بطيئة وتعاني من نقص التمويل. وتتمتع دمياط الجديدة بمساحات خضراء واسعة وغابات من النخيل، ويمكنها استيعاب ما يصل إلى 270 ألف نسمة بحلول عام 2020، إلا أن تطويرها كوجهة سياحية لا يزال غير مكتمل. وقد خُصص الساحل الممتد لخمسة كيلومترات في المدينة لأغراض سياحية، غير أن البنية التحتية الحديثة والمنشآت لا تزال غائبة.

أما رأس البر، بموقعها الفريد حيث يلتقي النيل بالمتوسط، فتُعد ذات مناخ معتدل وإطلالات خلابة على مدار العام. وتُعد رأس البر منتجعًا صيفيًا شهيرًا، لكنها لم تُطوّر بالشكل الكافي لاستقطاب أعداد أكبر من السياح. ورغم أنها تضم أكثر من ألفي شاليه، إضافة إلى فنادق فاخرة وفيلات ومنشآت ترفيهية متنوعة، فإنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاستثمارات لتحديث بنيتها التحتية وتوسيع جاذبيتها. وتتمتع رأس البر بإمكانات واضحة لتصبح وجهة رئيسية للسياحة المحلية والدولية، لكن هذا الإمكان لا يزال غير مُستغل بشكل كافٍ نتيجة لضعف التنمية.

منطقة الفنار

تقع منطقة الفنار قرب عزبة البرج، وتمثل موقعًا ذا إمكانات كبيرة للتنمية السياحية. وتضم المنطقة منارة تعود إلى القرن التاسع عشر، وقد تم تحديدها كموقع مناسب لإنشاء قرية سياحية متكاملة. وبفضل قربها من رأس البر وشواطئها النظيفة غير الملوثة، تُعد منطقة مثالية للسياحة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الميزات، لم تُحرز المنطقة تقدمًا يُذكر على صعيد التنمية. وإذا ما توافرت الاستثمارات والتخطيط المناسب، يمكن أن تتحول منطقة الفنار إلى مقصد سياحي رئيسي، مما يعزز الاقتصاد المحلي ويرفع من مكانة الإقليم على المستوى الدولي.

تزخر دمياط بثروات ثقافية وتاريخية وطبيعية لا تزال غير مُقدّرة أو مُستثمرة بالشكل المطلوب. ومع تحسين جهود الحفظ، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز حملات الترويج، يمكن أن تحتل دمياط مكانة مرموقة بين الوجهات السياحية في مصر. لكن من دون اهتمام كافٍ من الدولة والسلطات المحلية، ستظل هذه الكنوز مهملة. ويمكن أن يجلب الاستثمار في قطاع السياحة بدمياط فوائد اقتصادية كبيرة للمنطقة، ويعزز مساهمتها في الدخل القومي لمصر. وقد آن الأوان لمبادرات تقودها الدولة لإطلاق العنان لإمكانات دمياط الكامنة، ووضعها على خريطة السياحة بقوة.