تُعد دمياط مركزًا حيويًا في الاقتصاد المصري، وقد عُرفت منذ زمن بعيد بتنوع قطاعاتها الصناعية وازدهارها. فمن تصنيع الأثاث إلى صيد الأسماك، أسهم موقع المدينة الاستراتيجي على ساحل البحر المتوسط واتصالها بنهر النيل في تشكيل أهميتها التاريخية والاقتصادية. وقد سمحت هذه المزايا الطبيعية، إلى جانب توافر الأيدي العاملة الماهرة، لدمياط بأن تصبح مركزًا للتجارة المحلية والدولية على حد سواء. وعلى مرّ السنوات، توسعت صناعاتها لتلبية احتياجات الأسواق المحلية والخارجية، مما ساعد في نمو قطاعات رئيسية مثل الأثاث والمنسوجات ومنتجات الألبان وبناء السفن. وبينما تواصل دمياط إسهامها في التنمية الاقتصادية الشاملة لمصر، فإنها تواجه فرصًا وتحديات في تحديث صناعاتها، وتوسيع أسواقها، وتحسين بنيتها التحتية. ويقدم هذا المقال نظرة معمقة إلى مختلف القطاعات الاقتصادية التي تجعل من دمياط مساهمًا فريدًا في اقتصاد البلاد.

الأثاث

تُعد صناعة الأثاث من أهم الصناعات في دمياط، حيث توظف 84% من القوى العاملة. وتنتج المحافظة أكثر من ثلثي أثاث مصر، ويُعرف بجودته محليًا ودوليًا. ويشمل عدد الورش في دمياط ما يلي:

– 7,792 ورشة نجارة

– 7,974 ورشة مكمّلة

– أكثر من 1,000 معرض أثاث

ويعمل في هذا القطاع أكثر من 75,000 عامل.

وتشمل الصناعات والأنشطة التجارية الأخرى المرتبطة بقطاع الأثاث:

– تجار الأبلكاش (نحو 450)

– أصحاب معارض الأثاث (حوالي 2,500)

– ورش الزجاج والرخام (نحو 85)

– مورّدو التنجيد (نحو 20)

وتبلغ القدرة الإنتاجية الشهرية لصناعة الأثاث ما يلي:

– 20,000 طقم نوم وسفرة

– 6,000 طقم معيشة

وقد اكتسبت صناعة الأثاث في دمياط سمعة عالمية، وتُعد أسواق الخليج العربي وروسيا من الوجهات التصديرية الرئيسية. وتعمل الجهات المعنية بالمحافظة بنشاط على معالجة التحديات التي تواجه القطاع، ومنها قضايا الضرائب. وقد تم التوصل مؤخرًا إلى اتفاق لتطبيق نظام ضريبي عادل يعود بالنفع على جميع العاملين.

وقد أسهمت هذه الجهود في إنشاء معرض دائم للأثاث في القاهرة، مما يعزز من فرص التسويق والتصدير. وتعمل السلطات أيضًا على دعم الجهود التعاونية في التسويق، وتحديث أساليب الإنتاج، وتقديم دعم مالي لتحسين جودة المنتجات والوصول إلى المعايير العالمية.

صناعة الأحذية

ينتج قطاع صناعة الأحذية في دمياط نحو 1.5 مليون زوج سنويًا. ويضم هذا القطاع حوالي 800 وحدة إنتاج يعمل بها أكثر من 2,400 عامل. وبالإضافة إلى 250 منفذ بيع بالتجزئة، تُباع الأحذية من خلال فروع الجمعية التعاونية المصرية وشركة باتا.

المنسوجات

عرفت دمياط منذ زمن طويل بصناعة المنسوجات، مدعومة بقربها من مزارع الكتان والقطن عالية الجودة. ويضم هذا القطاع أكثر من 40 منشأة نسيج، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بخدمات الصباغة والتحضير. وتشمل المواد الخام المستخدمة في الإنتاج الحرير الصناعي، وخيوط القطن، وألياف الفيبيران. وتزيد الطاقة الإنتاجية لهذا القطاع عن 240 طنًا سنويًا.

وقد وضعت شركة «داميتكس»، وهي من أبرز الجهات الفاعلة في هذا القطاع، خطة طموحة لتوسيع صادراتها. ومن خلال تحديث معداتها ومنشآتها، زادت الشركة طاقتها الإنتاجية من 1,800 إلى 3,970 طنًا من خيوط القطن، يُخصص منها 80% للتصدير إلى أوروبا والولايات المتحدة. وبين عامي 1998 و2001، ظل رأسمال الشركة ثابتًا عند 3.182 مليون جنيه مصري، بينما انخفض عدد العمال بنسبة 3% ليصل إلى 3,966 موظفًا في عام 2001. وخلال الفترة نفسها، ارتفعت قيمة الأجور والرواتب إلى 26.149 مليون جنيه. وعلى الرغم من تراجع المبيعات المحلية بنسبة 13%، فقد ارتفعت قيمة الصادرات بمقدار 6.26 مليون جنيه، أي بنسبة 39%، مما يعكس الحضور المتنامي للشركة في الأسواق الدولية.

منتجات الألبان

تشتهر دمياط بإنتاج الجبن القريش، الذي يُصدَّر منذ قرون إلى الأسواق العربية والدولية. ويؤدي القطاع الخاص دورًا محوريًا في صناعة الألبان، حيث يضم 240 منشأة وشركة واحدة تابعة للقطاع العام (شركة مصر للألبان). كما يزوّد القطاع نحو 59,927 وحدة حيوانية. ويعمل في القطاع الخاص نحو 800 عامل يعالجون 200 طن من الجبن يوميًا.

الحلويات

تُعرف دمياط أيضًا بإنتاجها للحلويات الشرقية الشهيرة، مثل المشبك والهريسة والملبن المحشو وغيرها من الأصناف. ويشمل هذا القطاع 126 وحدة إنتاج يعمل بها نحو 500 عامل، ويبلغ إنتاجها السنوي نحو 20,000 طن من الحلويات.

الصيد وإنتاج الأسماك

يُعد كل من الصيد وبناء السفن من أقدم الصناعات في دمياط، نظرًا لموقعها الاستراتيجي المحاط بالمياه. وتحظى دمياط بسمعة مرموقة في مجال الصيد، وكانت في السابق الميناء الرئيسي لمصر. وتعمل من مدينة عزبة البرج أكثر من 600 سفينة صيد آلية، ما يجعل أسطولها من أكبر أساطيل الصيد في العالم، بعد إيطاليا مباشرة. وتُبحر هذه السفن في البحر المتوسط والبحر الأحمر وشمال المحيط الهندي، وتمثل أكثر من 50% من أسطول الصيد المصري، بقدرة إنتاجية تتجاوز 1,000 طن سنويًا.

وقد نفذت المحافظة، بالتعاون مع الجمعية العامة لتنمية الثروة السمكية، عددًا من المشروعات لتعزيز إنتاج الأسماك وتحقيق الاكتفاء الذاتي لمصر. ومن بين هذه المشروعات إدخال تربية الأسماك في الأقفاص، التي أصبحت نموذجًا رائدًا يُحتذى به في مناطق أخرى.

وتُعد شركة إدفينا للأغذية المحفوظة من الجهات الرئيسية في صناعة الأسماك بدمياط، وقد تأسست عام 1959 وتخصصت في تعليب السردين وإنتاج زيت السمك. وتبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 7,000 طن من الأغذية المعلبة سنويًا، إلى جانب 4,000 طن من مسحوق وزيت السمك. وبين عامي 1999 و2001، ظل رأسمال الشركة مستقرًا عند 40 مليون جنيه مصري. إلا أن عدد العاملين انخفض خلال نفس الفترة بنسبة 8%، من 205 موظفين في عام 1999 إلى 185 موظفًا في عام 2001. وعلى الرغم من انخفاض قيمة الإنتاج بنسبة 10%، من 82 مليون جنيه في عام 2000 إلى 74 مليونًا في عام 2001، فقد زادت صادرات الشركة بنسبة 20% لتصل إلى 18 مليون جنيه في عام 2001. في المقابل، تراجعت المبيعات المحلية بنسبة 13%، من 68 مليون جنيه في عام 2000 إلى 59 مليونًا في عام 2001.

بناء السفن

تمتلك دمياط تقاليد عريقة في صناعة السفن، توارثتها الأجيال. وقد أكسبتها هذه الخبرة، إلى جانب المعرفة الملاحية والانفتاح على الأسواق الدولية، سمعة مرموقة في هذا المجال.

ومن الجهود الحديثة لدعم هذه الصناعة وتوسيعها:

– تخصيص مساحة في عزبة البرج لإنشاء أكبر ترسانة لصناعة السفن في مصر، لإنتاج السفن للاستخدام المحلي والدولي.

– إنشاء مجمع صيانة آلي لأسطول الصيد في عزبة البرج.

– بناء مصنع للثلج لتزويد السفن بالثلج اللازم للرحلات الطويلة.

– استضافة مؤتمر للتنمية في رأس البر عام 1989، أسفر عن خفض الرسوم الجمركية على معدات الصيد المستوردة، وتوقيع عقود مع ممثلين أجانب لبناء اليخوت والقوارب.

استخراج الملح

تُعرف دمياط منذ زمن بعيد بإنتاج الملح، حيث تُستخرج كميات كبيرة من مواقع على ساحل البحر المتوسط وبحيرة المنزلة. وتتم عملية الإنتاج بحفر أحواض ضحلة لتجميع مياه البحر، التي تتبخر مخلفة وراءها بلورات الملح. ويُعالج هذا الملح في مصانع تقع في دمياط أو بورسعيد.

كما تلعب السياحة دورًا مهمًا في اقتصاد دمياط، إلا أن هذا القطاع سيُتناول بشكل موسع في مقال لاحق مخصص لتأثيره وتطوره.

يعكس المشهد الاقتصادي في دمياط قدرة المدينة الفريدة على توظيف مواردها الطبيعية، وأيديها العاملة الماهرة، وموقعها الاستراتيجي في خدمة طيف واسع من الصناعات. وتظل صناعة الأثاث، بما لها من مستوى عالٍ من الحرفية وانتشار واسع في التصدير، هي العمود الفقري لاقتصاد دمياط. في الوقت نفسه، يواصل تراث المدينة الغني في مجالات الصيد، والمنسوجات، وبناء السفن، والصناعات الغذائية، دعم نموها وتنوعها. وبينما تمضي دمياط قدمًا، يكمن التحدي في الحفاظ على هذا الزخم من خلال تبنّي الابتكار، وتوسيع الحضور العالمي، وتحسين البنية التحتية الداعمة للصناعات. ومع استمرار الجهود في تحديث تقنيات الإنتاج وزيادة الصادرات، يبدو المستقبل الاقتصادي للمدينة واعدًا. ومن خلال تعاون فاعل بين القطاعين العام والخاص، تقف دمياط على أعتاب ترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي في التنمية الاقتصادية الأوسع لمصر، مع الحفاظ على التراث الثقافي والصناعي الغني الذي لطالما ميّزها.