ثقافتنا العربية على الرغم من المأساة القيمية التي نعاني منها في تاريخنا المعاصر تعد من أثرى الثقافات التي عرفها الإنسان على مر الحضارات. فعلم الكلام عندنا تفوق على كل ماسبقه أو تلاه فيما عرفنا من أمم. ففي بلادنا العربية على اختلاف لهجاتها تجد لكل موقف في الحياة يمر علينا ما يعبر عنه في صورة مثل شعبي بديع التصوير وبالغ الحكمة وغالبا مايبعث على الضحك. “القرع لما استوى قال للخيار يالوبيا” مثل مصري عامي صميم يقال عندما ترى أحدهم قد ابتدع أمرا أو ادعى كذبا ويظل يردده على الرغم من أن الجميع يعلم أنه محض هراء ولكنه يردد ويردد حتى أنه عبثا يصدق نفسه ويشرع في الدفاع عن معتقده على الرغم من جلاء كذبه جلاء الشمس في وضح النهار.
فهذا المثل ينطبق تماما على المسرحية الكوميدية البائسة التي قام بها وزراء الخارجية العرب على مسرح الأمم المتحدة تسولا لسلام لا أعرف معناه ولا مغزاه في الوقت الذي برهنت فيه إسرائيل على أنها لاتعرف غير القنابل العنقودية كوسيلة للتخاطب بين الشعوب في الوقت الذي اختارت فيه شعوبنا العربية المقاومة كخيار الكرامة والإنصاف لكل أم فقدت طفلها برصاص العدو مدعي السلام. نعم لقد أدارت الشعوب ظهورها لحكامها الذين اعتادوا على أن “يؤذنوا وحدهم في مالطة” ولكنهم هذه المرة شدوا الرحال ليؤذنوا أمام كاميرات العالم على خشبة مجلس الأمن مرددين: “بلدي وطازة ياخيار السلام.”
وقفوا جميعا ينادون على الخيار مؤكدين أن هذا هو أول اجتماع لكل بائعي الخيار والذين لم يجتمعوا منذ ستة عشر عاما عندما يناولوه جميعا وقتها على طبق السلاطة الذي قدم لهم على مائدة مفاوضات أوسلو. ووقف “عم أبو مازن” ينادي بأعلى صوته “لا تسقطوا طبق الخيار من يدي” وتعالت أصواتهم جميعا بوتيرة غير مسبوقة بمثل هذه الوحدة الباعثة على الشك “نعم لخيار السلام”. ولكن فضيحتهم كانت “بجلاجل” عندما أعلنها وزير الخارجية القطري صراحة بأنه كانت هناك ثمة اتفاقات عربية-عربية غير معلنة ساهمت في إفشال المسرحية فيما يبدو أنه من أجل إرضاء “فتوة السوق”. وأعلنتها إسرائيل أيضا صراحة “نرفض خياركم الذابل سيئ السمعة” فعادوا جميعا لبلادهم “بخيبة الأمل راكبة جمل” معتصرين عقولهم: كيف سيسوقون لهذه الأحمال من الخيار في أسواقهم المحلية التي أبت أن تأكل السلاطة كرها بعد انتصارات لبنان.
لقد أصبحت حكوماتنا العربية في أحوج مايكون لرضا شعوبها عنها ولكن طريق العودة قد أغلقته كامب ديفيد وأوسلو ومدريد. تلك الاتفاقيات التي لم يكن لشعوبنا “خيار” في التوقيع عليها أو حتى الاطلاع على تفاصيلها. فلن تستطيع حكوماتنا العربية بعد أن استفحل كذبها واستوى قرعها أن تنادي على الخيار بعد الآن وتقول: يالوبيا
هذا المقال نشر أولاً بصحيفة القافلة.