فهم القطاع غير الرسمي في الاقتصاديات النامية
يشير مصطلح «القطاع غير الرسمي» إلى النشاط الاقتصادي الذي يجري خارج الأطر الرسمية للمعاملات الاقتصادية التي تنظمها الدولة والممارسات التجارية المعترف بها، دون أن يكون هذا النشاط غير قانوني صراحة. وعادة ما يُستخدم هذا المصطلح لوصف المشروعات الصغيرة أو متناهية الصغر التي تنشأ من العمل الذاتي للأفراد أو الأسر. ويشمل ذلك إنتاج وتبادل السلع والخدمات القانونية التي تفتقر إلى التصاريح التجارية، أو تنتهك قوانين التنظيم العمراني، أو لا تُبلّغ عن التزاماتها الضريبية، أو لا تلتزم بلوائح العمل الخاصة بالعقود وظروف التشغيل، ولا تتمتع بضمانات قانونية في علاقاتها مع المورّدين والعملاء. ومن ثم، فإن تحديد طبيعته وحجمه وأهميته بدقة يُعد مسألة إشكالية من الناحية المفاهيمية والمنهجية والنظرية.
ورغم هذه الإشكاليات، هناك إجماع واسع على أن هذا القطاع يمثل نسبة متزايدة من النشاط الاقتصادي، خاصة في الدول الأقل نموًا، ما يضعه في قلب النقاشات حول دوره في عملية التنمية الاقتصادية. ويُعد وجود قطاعات غير رسمية كبيرة إحدى السمات المميزة للاقتصادات النامية. وتُعد دراسة الاقتصاد غير الرسمي أمرًا حيويًا، لأنه يسلّط الضوء على تأثير نظم الرقابة والتطبيق الحكومية على الأداء الاقتصادي.
ولتوضيح هذا الظاهرة في إحدى الدول النامية، يمكن النظر إلى تجربة ألبانيا كمثال. فقد كان لانهيار أنشطة الإقراض غير الرسمي (أنظمة الهرم المالي) أثر بالغ على المجتمع الألباني، حيث أظهر كيف يمكن للقطاع غير الرسمي أن يؤثر بعمق على الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأي مجتمع. وعلى النقيض من ذلك، تُظهر نتائج المسح الميداني لبائعي الأرصفة في تيرانا عام 1996 أن القطاع غير الرسمي دعم الاقتصاد الألباني خلال سنوات التحول الصعبة. وتكشف هذه النتائج أن أنشطة القطاع غير الرسمي توفر فرص عمل ودخلًا إضافيًا للأسر في ظل غياب البدائل الأخرى. ويتعلم الناس استغلال المبادرة والابتكار لخلق مزيد من الوظائف والثروات. وكما أشار دي سوتو (1989) ، فإن المشكلات الاجتماعية كبيرة، إلا أن الوضع كان سيكون أسوأ بكثير دون وجود الأسواق غير الرسمية. وتشير النتائج أيضًا إلى أن الانخراط في هذا القطاع قد يكون شكلًا من أشكال الاعتراض على عدم كفاءة النظم الحكومية وتكاليف المعاملات المرتفعة الناتجة عن اللوائح والبيروقراطية المفرطة. فعندما لا تدعم المؤسسات الرسمية روح المبادرة والابتكار، يلجأ الناس إلى القطاع غير الرسمي.
ومع ذلك، فإن التجربة السلبية لألبانيا مع السوق المالية غير الرسمية تثير تساؤلات حاسمة. فمن الناحية الاقتصادية، كان وجود هذا السوق يعني أن الأموال المُستثمرة في أنظمة الهرم لم تُستخدم في أنشطة استثمارية حقيقية. أما سياسيًا، فقد أدى الأمر إلى حالة من عدم الاستقرار الحاد كادت أن تفضي إلى حرب أهلية. وعلى الصعيد الاجتماعي، فقد الكثيرون مدخراتهم وثرواتهم، ما أدى إلى العديد من المشكلات الاجتماعية.
ورغم أن الحالة الألبانية كانت متطرفة، فإن العديد من الدول الأقل نموًا تشهد أوضاعًا مماثلة وممارسات غير ملائمة من قبل حكومات مركزية، ما قد يؤدي إلى نتائج مشابهة وفقًا لثقافة ونضج كل دولة سياسيًا.
ما الذي يُسبب نشوء القطاع غير الرسمي؟
ينشأ القطاع غير الرسمي عندما تفرض الحكومات ضرائب ولوائح مفرطة، دون امتلاك القدرة الكافية لتطبيقها. فالنظام المُفرط في التنظيم يجعل الاقتصاد الرسمي غير جذّاب، من خلال فرض تكاليف مرتفعة للدخول في الشرعية — مثل رسوم التراخيص ومتطلبات التسجيل — وتكاليف مرتفعة للبقاء داخل الإطار القانوني، بما يشمل الضرائب والبيروقراطية ولوائح العمل والبيئة.
وقد تكون دوافع الانخراط في أنشطة غير رسمية اقتصادية وغير اقتصادية على حد سواء. وتتمثل الدوافع الاقتصادية الأساسية في:
(أ) التهرب الضريبي.
(ب) تجاوز اللوائح ومتطلبات التراخيص.
(ج) التكيف مع البطالة وجمود سوق العمل الرسمي.
أما الأسباب غير الاقتصادية فتشمل:
(أ) قدر أكبر من المرونة والرضا الوظيفي.
(ب) إتاحة حرية الاختيار.
(ج) الاستفادة الكاملة من المؤهلات المهنية.
(د) الاستياء السياسي.
العودة إلى ألبانيا كمثال، تُظهر عدة عوامل محددة تسهم في اتساع القطاع غير الرسمي، من أبرزها:
1. الاعتماد على المسار السابق – حيث عانى الألبان من عزلة دامت نحو خمسة وأربعين عامًا دون أي خبرة بالمؤسسات السوقية.
2. أسعار الفائدة المرتفعة والجذابة – التي قدمتها الشركات (5–10% شهريًا) والمؤسسات (قرابة 50%) ، وكانت متشابكة مع عمليات غسل الأموال وأنشطة مشبوهة أخرى.
3. ضعف كفاءة النظام المصرفي – بما في ذلك تأخير الخدمات وغياب نظام دفع حديث، ما دفع المستهلكين لإجراء تعاملاتهم نقدًا.
4. السياسات النقدية والمالية التقييدية – إلى جانب تشريعات مصرفية صارمة.
5. فشل حكومي – تمثل في ضعف تطبيق القانون بل وأحيانًا دعم ضمني لأنظمة الهرم المالي.
6. غموض النظام القانوني – ما يترك مساحة لتفسيرات واقعية متعددة.
ومن ثم، فإن قرار الفرد بالانخراط في القطاع غير الرسمي قد يكون استجابة طبيعية لممارسات حكومية تهدد قدرته على تلبية احتياجاته الأساسية، فضلًا عن انعدام الثقة الناتج عن تعقيدات سياسية وعدم كفاءة إدارية.
الإيجابيات والسلبيات من منظور تنموي
يُعد تأثير القطاع غير الرسمي على الاقتصاد الكلي محل جدل واسع. فبينما يراه البعض سلبيًا بسبب دوره الهامشي مقارنة بالمؤشرات الاقتصادية الكبرى، ويرون وجوب تقليصه، يتبنى آخرون وجهة نظر إيجابية، مشيرين إلى ديناميكيته ومرونته وإمكاناته في تراكم الثروة، مطالبين بدمجه في الاقتصاد الرسمي.
ويزداد وضوح هذا التباين في الآراء عند النظر إلى الدول المختلفة. ففي الدول المتقدمة، يحمل القطاع غير الرسمي إمكانية الاستثمار والنمو الاقتصادي، وغالبًا ما تكون مستويات الدخل فيه مماثلة للقطاع الرسمي. أما في الدول الأقل نموًا، فإن خصائص هذا القطاع تشير غالبًا إلى عكس ذلك.
وقد اقترحت منظمة العمل الدولية أن القطاع غير الرسمي يمكن أن يساهم في حل أزمة البطالة في الدول الأقل نموًا. ورغم أنها ترى فيه مجموعة من استراتيجيات البقاء المتأثرة بنقص رأس المال والمهارات وصغر حجم المنشآت، إلا أنها تؤكد أن تجاوز هذه العقبات يمكن أن يسمح له باستيعاب العمالة.
أما دي سوتو، فيذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أن القطاع غير الرسمي يمثل نشاطًا رياديًا مقيدًا بـ«تكاليف الرسمية» المرتفعة في كثير من الدول النامية. إذ تجعل اللوائح المعقدة والمكلفة والمستهلكة للوقت من الصعب على الشركات الصغيرة الامتثال، مما يجبر هذه المشاريع على البقاء صغيرة ومخفية لتجنب الاكتشاف، ما يحرمها من الحماية القانونية ويثنيها عن النمو والاستثمار.
وفي ألبانيا، ورغم أن الأنشطة غير الرسمية مثل بيع الأرصفة قد توفر منافع، فإنها تحمل مخاطر كبيرة أيضًا. فارتفاع نسبة الأنشطة غير المرخصة بين البائعين يترافق مع ارتفاع في الدخل غير المبلغ عنه. ونتيجة لذلك، تحدث خسائر مالية في إيرادات الدولة، وضعف في توفير السلع العامة، وتحريف في مؤشرات الاقتصاد الكلي مثل البطالة والضرائب والتضخم ومعدلات النمو. وقد تُبنى السياسات على رؤى مضللة للاقتصاد. إضافة إلى ذلك، فإن غياب التأمين للعاملين غير الرسميين يشكّل عبئًا مستقبليًا على برامج الرعاية الاجتماعية. وتشير تجربة ألبانيا إلى أن سلبيات القطاع غير الرسمي تفوق مزاياه، مما يستوجب دمجه في الاقتصاد الرسمي.
إجراءات لدمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي
تُعقّد تنوعات القطاع غير الرسمي وصلاته بكل من الأنشطة القانونية وغير القانونية من مسألة تعريفه وقياسه. فعلى سبيل المثال، لا تستطيع التقديرات الماكرو اقتصادية غالبًا التمييز بين الأنشطة «القانونية» وغير القانونية مثل الدعارة وتجارة المخدرات والتهريب. بل وحتى على المستوى الجزئي، قد يشبه بيع المنتجات غير المرخصة بيع السلع القانونية، مما يُصعب التفرقة.
ثمة حاجة إلى مزيد من البحوث لفهم الظروف التي تجعل من نشاط القطاع غير الرسمي رياديًا أو استغلاليًا، وكيف يمكن أن يرتبط بالنمو الاقتصادي. كما أن المصالح السياسية للفاعلين داخل هذا القطاع تستدعي مزيدًا من الدراسة.
ويمكن لحكومات الدول النامية تبني بعض الإجراءات التنظيمية لدمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، مثل:
– الحفاظ على الحد الأدنى من الضمانات – عبر توفير دعم للفقراء العاملين في هذا القطاع.
– تطوير سياسات موجهة للمشروعات غير الرسمية – مثل تقديم حوافز للانضمام إلى القطاع الرسمي.
– رصد وقمع الأنشطة غير الرسمية الضارة – للتصدي للأنشطة غير القانونية والمُدمرة.
– نشر الوعي – لتعريف الناس بمزايا التحول إلى الرسمية.
ورغم أن اللامركزية غالبًا ما تكون موضع تأييد من المصلحين، إلا أن دمج القطاع غير الرسمي قد يتطلب قرارات مركزية. غير أن الحوكمة الرشيدة تتطلب اتخاذ خطوات تستند إلى التوعية وليس فرض إجراءات إلزامية.
وللتحول من القطاع غير الرسمي إلى الرسمي، لا بد أن يتحرر الأفراد من الخوف الشديد من المستقبل. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء نظم ضمان وتأمين مناسبة، بما يشمل الرعاية الصحية. كما ينبغي على الحكومات دعم الفقراء العاملين لتعزيز مواطنين مستقلين قادرين على تأمين معيشتهم. ويمكن تشجيع المشروعات الصغيرة على الاندماج في القطاع الرسمي من خلال برامج تنموية وإزالة الممارسات الحكومية السلبية التي تنفرهم من الرسمية.
ومن المهم استبعاد الأنشطة الاقتصادية الضارة أو الإجرامية مثل تجارة المخدرات والدعارة من هذا التوجه. فبرغم ما قد تحققه من منافع اقتصادية، إلا أن آثارها الاجتماعية والأخلاقية الكارثية تؤدي إلى خسائر أكبر على المدى الطويل. ولذلك، يجب على الحكومات تعزيز بيئة من الثقة من خلال ممارسات يُعتمد عليها تُظهر اهتمامًا حقيقيًا بالفقراء العاملين، ما يؤدي إلى تحول واضح نحو الرسمية.
المراجع
Open Air. “Cross-National Research on Informal Sector.” Accessed 5 October 2007, http://www.openair.org/cross/infdef2.html.
University of Amsterdam Institute for Advanced Labour Studies (AIAS). “Working Paper 12.” Accessed 5 October 2007, http://www.uva-aias.net/files/aias/WP12.pdf.
United Nations Development Programme (UNDP). “The Informal Sector in Romania.” Accessed 5 October 2007, http://www.undp.ro/publications/pdf/informal_sector_in_romania1.pdf.