تُعد دراسة انتشار التكنولوجيا على المستوى الدولي أمرًا ضروريًا لفهم كيفية مساهمة الابتكارات في دولة ما في دفع عجلة النمو في دول أخرى. ويتناول نموذج إيتون وكورتوم تعقيدات هذه العملية، من خلال تحليل كيفية ابتكار التقنيات الجديدة ومشاركتها بين الاقتصادات الرائدة في مجال البحث العلمي على مستوى العالم. ومن خلال التركيز على عوامل مثل ديناميكيات الإنتاجية، وسلوك تسجيل براءات الاختراع، وجهود البحث والتطوير، يقدم الباحثان رؤى حول كيفية مساهمة دول مثل الولايات المتحدة، واليابان، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا في التقدم التكنولوجي العالمي. كما يستكشف هذا التحليل العقبات التي تعيق انتشار التكنولوجيا، وكيف يمكن لإزالتها أن تُحسن الإنتاجية على مستوى العالم.
ما هو النطاق الجغرافي للتقدم التقني؟
عادةً ما تكون الدول المبتكرة هي الأكثر إنتاجية، ومع ذلك تسهم ابتكاراتها أيضًا بشكل كبير في النمو في مناطق أخرى. وتتناول هذه المقالة نموذجًا للنمو العالمي مدفوعًا بالابتكار، طوّره وقام بتقديره ومحاكاته إيتون وكورتوم. وتؤدي الأسس الصغروية لهذا النموذج إلى معادلات تصف ديناميكيات الإنتاجية بين الدول التي تبتكر وتتبادل الابتكارات فيما بينها في الوقت ذاته. ويعرض الكاتبان نسختين من هذا النموذج: الأولى تفترض أن النمو العالمي داخلي بالكامل، والثانية تفترض أنه «شبه داخلي». ويوفّر استخدام بيانات براءات الاختراع الدولية في النموذج رؤى بشأن الدول التي تنتج الأفكار، وتلك التي يُحتمل أن تعتمد هذه الأفكار على نحو أكبر.
خمس اقتصادات بحثية رائدة
في أواخر الثمانينيات، كانت الولايات المتحدة واليابان وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا تُعتبر الاقتصادات الخمسة الرائدة في مجال البحث العلمي. إذ كانت هذه الدول توظف أكثر من 80% من علماء ومهندسي البحث في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وكانت تمثل نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. علاوة على ذلك، فقد نشأت نسبة تتراوح بين 70 و80% من طلبات براءات الاختراع الأجنبية في كل دولة من إحدى الدول الأربع الأخرى، مما يُظهر وجود علاقة قوية بين إنتاج الابتكارات واستخدامها. ومن ثم، مثلت هذه الدول الخمس الجزء الأكبر من النشاط الابتكاري العالمي والسوق الأساسي للأفكار الجديدة.
ملامح البيانات
ينصبّ التركيز هنا على إنتاج التكنولوجيا ونشرها بين الدول المتقدمة تكنولوجيًا. ونظرًا لأن هذه الاقتصادات الخمسة كانت تمثل نسبة كبيرة من النشاط البحثي العالمي والناتج المحلي الإجمالي، فإنها توفّر سياقًا مناسبًا لدراسة ديناميكيات انتشار التكنولوجيا الدولية. وتعكس مستويات الإنتاجية في كل دولة ليس فقط جهودها الابتكارية، بل أيضًا قدرتها على استيعاب الابتكارات الأجنبية. وتُلتقط العلاقة بين مصادر الابتكارات واستخداماتها من خلال بيانات تسجيل براءات الاختراع الدولية، التي تُعد أداة رئيسية لقياس مدى انتشار التكنولوجيا.
النموذج
يهدف النموذج إلى التقاط الجوانب الرئيسية للبيانات لقياس دور الابتكار وانتشار التكنولوجيا الدولي في النمو الاقتصادي. ومن خلال دمج العلاقات بين التكنولوجيا والبحث العلمي وتسجيل البراءات والإنتاجية داخل الدول وعبرها، يصبح النموذج معقدًا لكنه غني بالدلالات.
الإنتاج
يفترض النموذج وجود عالم يضم عدة دول. وفي كل دولة، يُنتج الناتج في أي وقت من خلال دمج مدخلات وسيطة، باستخدام دالة إنتاج كوب-دوغلاس، التي تعكس تناسبًا ثابتًا بين المدخلات وممارسات إنتاجية متجانسة بين الدول. ويُعزى نمو الإنتاجية إلى البحث العلمي، الذي يُنتج مدخلات أعلى جودة. ومع ذلك، فإن عدم اكتمال انتشار هذه الأفكار يفسّر التفاوت في الإنتاجية بين الدول.
الحدود التكنولوجية والإنتاجية
يفحص النموذج كيفية دفع أنشطة البحث للحدود التكنولوجية إلى الأمام، مما يُحسّن جودة المدخلات والإنتاجية مع مرور الوقت. ويتأثر نمو الإنتاجية داخل كل دولة بجهودها البحثية المحلية وباعتمادها على الابتكارات الأجنبية. وتؤدي اختلافات معدلات الانتشار إلى تباين مستويات الإنتاجية بين الدول.
قيمة الفكرة وقرار تسجيل البراءة
يُقيّم النموذج القيمة الاقتصادية للأفكار الجديدة والعوامل التي تؤثر في قرار الشركات بتسجيل براءات الاختراع. ويُشير إلى أن تسجيل البراءات يُعد مؤشرًا على انتشار التكنولوجيا، إذ يوفر معلومات قيمة حول الأماكن التي يُرجّح أن تُعتمد فيها الأفكار الجديدة، والعقبات التي قد تعيق هذا الاعتماد.
عوائد البحث والتطوير وتوازن الإنفاق البحثي
تُبحث عوائد البحث والتطوير من خلال النظر إلى الفوائد المحلية والعالمية للابتكار. ويتأثر مستوى الإنفاق البحثي المتوازن في كل دولة بمدى العوائد المحتملة، وتكاليف البحث، ومدى انتشار الأفكار دوليًا.
التكنولوجيا، الأجور والدخل
يربط النموذج بين التقدم التكنولوجي وبين التغيرات في الأجور وتوزيع الدخل عبر الدول. فمع تقدم التكنولوجيا، تتحسن الإنتاجية، ما يؤدي إلى ارتفاع الأجور وزيادة مستويات الدخل. إلا أن التفاوت في معدلات انتشار التكنولوجيا يُسهم في وجود فوارق دخل كبيرة بين الدول.
حالة الاستقرار
تصل الاقتصاديات إلى «حالة استقرار» عندما تنمو المتغيرات الأساسية بمعدلات ثابتة. ويتطلب هذا وجود شروط محددة، مثل نمو مستقر للقوى العاملة، ومستويات إنتاجية متناسبة بين الباحثين، وثبات تكاليف تسجيل البراءات مقارنةً بالناتج، إلى جانب ثبات سعر الفائدة وتكلفة رأس المال بين الدول. وفي هذه الحالة المستقرة، تستقر نسب الإنتاجية ومعدلات النمو، مما يعكس ديناميكيات الابتكار والانتشار على المدى الطويل.
الإنتاجية النسبية، النمو وتسجيل البراءات في حالة الاستقرار
في حالة الاستقرار، تصل الدول إلى توازن في مستويات الإنتاجية ومعدلات النمو. ويتشكّل هذا التوازن بفعل جهود البحث وانتشار التكنولوجيا. وتُعد معدلات تسجيل البراءات مؤشّرًا على توازن سوق العمل، كما تُوفّر مقياسًا لمدى توافق الحوافز الابتكارية بين الدول.
تطبيق النموذج
صُمم النموذج لدمج المتغيرات الداخلية والخارجية معًا. وتشمل المتغيرات الداخلية: نمو الإنتاجية، والإنتاجية النسبية، وجهود البحث، والبراءات، بينما تشمل المتغيرات الخارجية: حجم القوى العاملة وتكاليف تسجيل البراءات نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي. ومن خلال مواءمة النموذج مع البيانات الفعلية، يصبح من الممكن حل المعادلات المتعلقة بالإنتاجية وسلوك تسجيل البراءات بشكل متزامن.
التقدير
عند تقدير النموذج، أدخل الباحثان أخطاء قياس متعددة، وقاما بتحويل المعادلات إلى صيغ لوغاريتمية. وتسمح هذه المنهجية بتحديد المعاملات الأساسية وتوفير وسيلة لقياس ديناميكيات الإنتاجية بين الدول.
النتائج
تشمل النتائج تقديرات للمعاملات في كل من سيناريو النمو الداخلي الكامل، وسيناريو النمو شبه الداخلي. وقد أظهرت التقديرات في كلا السيناريوهين درجة كبيرة من التشابه. وتبين أن ملاءمة النموذج للبيانات، وفق سيناريو النمو الداخلي الكامل، تطابق البيانات الفعلية بدرجة ملحوظة، مما يشير إلى دقة تمثيله لديناميكيات انتشار التكنولوجيا الدولية.
تأخّر الانتشار والتبني
يفسّر النموذج تأخّر الانتشار التكنولوجي بثلاث طرق أساسية:
الوقت المتوسط بين ابتكار فكرة في دولة ووصولها إلى دولة أخرى، بغض النظر عن مدى تبنّيها.
الوقت المتوسط بين الابتكار ووصول الفكرة، بشرط أن يتم تبنّيها.
النسبة المئوية من الأفكار التي يُحتمل أن تكون مفيدة والتي يتم تبنيها فعليًا.
مصادر النمو
يُظهر التحليل أن الولايات المتحدة واليابان وألمانيا هي المحركات الأساسية للنمو في كل من الاقتصادات الخمسة الرائدة. وتمثل الولايات المتحدة واليابان معًا أكثر من 65% من النمو، ما يبرز تأثيرهما الكبير في الابتكار العالمي.
عوائد البحث العلمي
يشير النموذج إلى أن عوائد الابتكار تكون أكثر تمركزًا محليًا مقارنةً بالمنافع التي تُجنى من هذه الابتكارات. ومع ذلك، تُعد الولايات المتحدة سوقًا ثمينًا للأفكار القادمة من جميع الدول، وتستوعب أكثر من 80% من الأفكار التي تنتجها بنفسها.
الافتراضات البديلة
استنادًا إلى طبيعة التوازن العام في النموذج، يستكشف الباحثان سيناريوهات افتراضية بمعدلات انتشار مختلفة ومستويات متفاوتة من حماية حقوق البراءة. وقد أُجريت تجربتان أساسيتان:
1-في حالة النمو الداخلي الكامل، تؤدي السيناريوهات المختلفة إلى تغيّر في معدلات النمو طويلة الأجل.
2-في حالة النمو شبه الداخلي، تظهر اختلافات في مستويات الإنتاجية، بينما يبقى معدل النمو طويل الأمد ثابتًا.
الخاتمة
يُظهر التحليل أن الولايات المتحدة واليابان تدفعان معًا نحو ثلثي النمو في كل من الاقتصادات الخمسة الرائدة. وعلى الرغم من أن هذه النتائج قد توحي بأن العوائق أمام انتشار التكنولوجيا الدولية محدودة نسبيًا، فإنها لا تزال تفسّر تفاوتات الإنتاجية الملحوظة بين الدول. ومن شأن إزالة هذه العوائق أن يُقرب مستويات الإنتاجية من بعضها، ويرفع من إجمالي الإنتاجية عالميًا. كما أن السياسات الحكومية المتنوعة، مثل الحوافز الضريبية، والمنح البحثية، ومؤسسات البحث العامة، تلعب دورًا كبيرًا في دعم الابتكار. ويوفر إطار عمل إيتون وكورتوم أداة قيّمة لتقييم عوائد هذه التدخلات السياسية.
المراجع
Eaton, Jonathan, and Samuel Kortum. “International Technology Diffusion: Theory and Measurement.” International Economic Review 40, no. 3 (1999): 537-570.