تقع العدالة في صميم التنمية المستدامة، باعتبارها مقياسًا حاسمًا للإنصاف في توزيع الموارد والفرص ومستوى الرفاه داخل المجتمعات. ورغم هذه الأهمية المحورية، فإن هذا المفهوم كثيرًا ما يُهمل في خضم النقاشات الأوسع حول النمو والكفاءة، خاصة في تقارير التنمية الإقليمية والعالمية. ويتطلب تناول العدالة أكثر من مجرد الاعتراف النظري بها، إذ لا بد من وضع أطر قابلة للتنفيذ تعكس الواقع المعيشي للفئات الهشة. تستعرض هذه المقالة التحديات التي تواجه العدالة في مصر، مبرزة كيف أن تقارير التنمية، رغم ما تقدمه من رؤى، تعجز عن معالجة أوجه عدم الإنصاف الهيكلية التي ما تزال تعرقل التقدم في المنطقة.
عند تتبع التسلسل من الأدنى إلى الأعلى، بدءًا بتقرير التنمية البشرية في مصر (2005)، مرورًا بالتقرير العربي للتنمية البشرية (2002)، وصولًا إلى تقرير التنمية العالمي (2006)، يتضح أن مصطلح «العدالة» ورد بشكل أقل تأثيرًا بكثير مما تقتضيه أهميته في مسار التنمية. فباعتبارها وجهًا آخر للعدالة والإنصاف، يجب إدماج العدالة في التنمية ليس فقط على المستوى النظري والتحليلي، بل على صعيد التطبيق العملي أيضًا. ومع ذلك، تبدو تقارير هذه المؤسسات عاجزة عن إدراج العدالة ضمن أطرها، حتى من الناحية القانونية، ما يعكس نوعًا من الانفصال عن تحقيق أهداف التنمية.
تشير العدالة إلى مبدأ الإنصاف في الاقتصاد، وخصوصًا في ما يتعلق بالنظم الضريبية أو أنظمة الرفاه. وفي اقتصاديات الرفاه، غالبًا ما تُفصل العدالة عن الكفاءة الاقتصادية عند تقييم الرفاه الاجتماعي. وعلى الرغم من أن المفهوم أوسع من ذلك، فإنه يُطرح عادة كمقابل لعدم المساواة الاقتصادية، في محاولة لتحقيق توزيع عادل للرفاه. وتقوم العدالة الأفقية على معاملة المتشابهين في الاحتياجات معاملة متساوية، بينما تقوم العدالة الرأسية على معاملة المختلفين باختلاف احتياجاتهم. ورغم تقديم هذه المفاهيم في التقارير المشار إليها، فإنها لا تحظى بما تستحقه من تركيز باعتبارها عناصر أساسية في عملية التنمية.
في السياق المصري، تبرز العدالة باعتبارها تحديًا مزمنًا يواجه مسار التنمية، ويتجلى ذلك في تناقضها مع المدارس الاقتصادية والسياسية القائمة. وتشير الأبحاث إلى وجود علاقة وثيقة بين التفاوت في الدخل والتماسك الاجتماعي؛ ففي المجتمعات الأكثر عدالة، يكون الناس أكثر ميلًا للثقة ببعضهم البعض. كما تُظهر مؤشرات رأس المال الاجتماعي مستويات أعلى من المشاركة المجتمعية، وتبحث دراسات العدالة الصحية ما إذا كانت بعض الفئات الاجتماعية تتلقى خدمات رعاية صحية أقل من غيرها بشكل منهجي. وتظل هذه المشكلة قائمة في مصر والعالم العربي وعلى الصعيد العالمي، حيث ما يزال جزء كبير من السكان يعيش في فقر.
تشير دراسات عديدة إلى أن العنف ينتشر على نحو أكبر في المجتمعات التي تعاني من فجوات كبيرة في توزيع الدخل. وتبرز هذه الظاهرة في المقارنات بين الدول المتقدمة والنامية، وكذلك داخل الدول نفسها. ورغم أن مصر قد لا تُعد نموذجًا تقليديًا للعنف الناتج عن الفقر، فإن احتمالية انفجار الغضب الاقتصادي على نحو عنيف — كما حدث في «انتفاضة الخبز» عام 1977 — تظل قائمة. ويُمثل كل من تقرير التنمية البشرية في مصر والتقرير العربي للتنمية البشرية جهودًا جديرة بالتقدير في تحليل قضية عدم الإنصاف، ما يعكس اجتهاد القائمين عليهما. ومع ذلك، يطغى على كل من تقرير التنمية العالمي وتقرير التنمية البشرية مناخ من الانفصال السياسي عن السياقات المحلية. ورغم أن تجنُّب الانخراط السياسي المباشر قد يضمن استمرارية هذه الجهود الضخمة، فإن إدخال بُعد سياسي قوي وموضوعي يبقى ضروريًا لترجمة هذه التحليلات إلى تطبيقات واقعية ومُقاسة.
هذا المقال نشر أولاً بالإنجليزية بوساطة ساوث بوش وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.