غالبًا ما يتطلب الدور القيادي في دول الجنوب العالمي موازنة دقيقة بين قوى الاقتصاد العالمي والتحديات المحلية المتجذرة. ويُجسّد مهاتير محمد هذا التوازن من خلال قيادته التحولية لماليزيا. فقد اتسمت فترة ولايته رئيسًا للوزراء من عام 1981 إلى 2003 بسياسات اقتصادية دفعت بماليزيا نحو مكانة القوة الإقليمية، إلى جانب قرارات جريئة خالفت الأعراف الدولية. وتعكس حكومته تلاقي القومية والقيم الإسلامية واقتصاد كينز، مما يجعله شخصية محورية في تاريخ القيادة التنموية. وقصته ليست مجرد حكاية عن طول مدة البقاء في الحكم، بل عن رؤية أعادت تشكيل أمة.
يُعد مهاتير محمد أحد أبرز القادة في دول الجنوب العالمي، إذ أعادت رؤيته وسياساته رسم المشهدين الاقتصادي والسياسي في ماليزيا. وُلد عام 1925 في ولاية قدح الشمالية، ونشأ في بيت متواضع. كان والده، وهو معلم من أصل هندي، ووالدته الماليزية، قد غرسا فيه قيم العمل الجاد والصلابة. ورغم أصوله المختلطة، إلا أن مهاتير يُعرّف نفسه أساسًا من منظور هويته الماليزية، وهو ما يعكس التزامه العميق بالتركيبة الثقافية والاجتماعية لبلاده. وخلال الاحتلال الياباني لماليزيا في الحرب العالمية الثانية، ساهم في إعالة أسرته ببيع فطائر الموز وسلع غذائية أخرى، ما يدل على روحه الريادية منذ سن مبكرة.
بدأ مهاتير تعليمه في مدرسة محلية باللغة الماليزية، ثم التحق بكلية السلطان عبد الحميد في ألور ستار. ثم واصل دراسته العليا في كلية الملك إدوارد السابع للطب في سنغافورة، حيث برزت قدراته القيادية. إذ شغل منصب رئيس تحرير مجلة الطلاب الطبية «ذا كولدورن»، ورئاسة الجمعية الإسلامية بالكلية، ما أظهر مبكرًا قدرته على التأثير والإلهام، وهي سمات ستُميز مسيرته السياسية لاحقًا.
بدأت الرحلة السياسية لمهاتير في عام 1945 عندما انضم إلى الحملة المناهضة لاتحاد الملايو، وهي حركة رفضت السياسات التي فرضها البريطانيون. وكان من الأعضاء المؤسسين للمنظمة الوطنية الماليزية المتحدة (أمنو) في عام 1946، ما شكّل بداية مسيرته السياسية الطويلة. وفاز بعضوية البرلمان عن دائرة كوتا ستار عام 1964، وبرز كمدافع صريح عن حقوق الملايو. لكنه دخل في عزلة سياسية مؤقتة كتب خلالها كتابه المثير للجدل «معضلة الملايو»، الذي حلل فيه التحديات الاقتصادية التي تواجه المجتمع الملايوي. وقد دعا فيه إلى «حماية بنّاءة»، تقترح سياسات للنهوض بالملايو اقتصاديًا مع الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وهو ما أصبح لاحقًا حجر الأساس لرؤيته الاقتصادية لماليزيا.
شهد صعود مهاتير داخل صفوف «أمنو» تقدمًا ثابتًا لكن لافتًا. ففي عام 1975، أصبح واحدًا من ثلاثة نواب لرئيس الحزب، بعد فوزه بفارق ضئيل بلغ 47 صوتًا. وقد أكسبه ذكاؤه السياسي وتفانيه المستمر ثقة رئيس الوزراء آنذاك حسين أون، الذي عيّنه نائبًا له في عام 1978، إلى جانب منصب وزير التجارة والصناعة. وفي عام 1981، تولى مهاتير منصب رئيس الوزراء عقب استقالة حسين أون لأسباب صحية. وقد استمرت ولايته 22 عامًا حتى عام 2003، ما كرّسه كأحد أطول زعماء آسيا حكمًا وأكثرهم تأثيرًا. وعند تقاعده، مُنح لقب «تون»، وهو أعلى وسام مدني في ماليزيا.
بصفته رئيسًا للوزراء، قاد مهاتير عملية تحويل ماليزيا إلى قوة اقتصادية إقليمية. وقد استندت سياساته إلى القومية الاقتصادية، مع ميل واضح إلى اقتصاد كينز. هذه السياسات، التي جمعت بين آليات السوق الحرة والتدخل الحكومي الاستراتيجي، أسهمت في نقل ماليزيا إلى مركز للتصنيع عالي التقنية والتمويل والاتصالات. وبين عامي 1988 و1997، حقق الاقتصاد الماليزي نموًا سنويًا متوسطه أكثر من 10%، وارتفعت مستويات المعيشة بشكل ملحوظ. كما انخفضت معدلات الفقر، وارتفعت نسب محو الأمية، واقتربت معدلات وفيات الرضع من مثيلاتها في الدول المتقدمة.
وكان من أبرز لحظات حكم مهاتير قراره خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1997. فرغم أن صندوق النقد الدولي قدم حزمة إنقاذ نمطية لماليزيا، رفض مهاتير قبولها. وتحدى الضغوط الدولية ونصائح نائبه أنور إبراهيم، ومعايير الاقتصاد التقليدي، وفرض ضوابط على رؤوس الأموال وتدابير غير مألوفة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. ورغم أن هذه الإجراءات قوبلت بانتقادات في البداية، فإن تعافي ماليزيا كان أسرع وأكثر فاعلية من دول الجوار. وحتى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اعترفا لاحقًا بجدارة هذه الإستراتيجية، في اعتراف نادر بمسار اقتصادي مستقل تحدّى الإجماع العالمي.
وقد تشكلت أيديولوجية مهاتير من ثلاثة تيارات رئيسية: القومية، والإسلام، واقتصاد كينز. وظهر توجهه القومي في سعيه لمعالجة الهيمنة الاقتصادية للأقلية الصينية في ماليزيا، وهي مسألة حساسة تناولها بحذر ونوايا استراتيجية. أما تأثير الإسلام، فقد برز منذ سنوات دراسته الجامعية حين ترأس الجمعية الإسلامية، ثم اتضح لاحقًا من خلال تعزيز دور المحاكم الشرعية أثناء توليه الحكم. ومع ذلك، فإن تبنيه لأفكار كينز هو ما شكّل جوهر سياساته الاقتصادية. فنهجه هذا، الذي يدمج بين آليات السوق وتدخل الدولة لضبط النشاط الاقتصادي، أتاح له تحقيق التوازن بين النمو والعدالة الاجتماعية. وتُعد استراتيجياته الاقتصادية نموذجًا يحتذى به في الحوكمة الفعالة بالدول النامية، ويستحق الدراسة الأكاديمية المتأنية.
ومع ذلك، لم تخلُ مسيرة مهاتير من الانتقادات. فقد وُجهت له انتقادات تتعلق بتركيز السلطة في يده أحيانًا على حساب الحريات السياسية، كما أثارت معالجته للتوترات العرقية كثيرًا من الجدل. لكن قدرته على قيادة ماليزيا في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، مع الحفاظ على قدر من الاستقرار والتقدم، تظل إنجازًا لا يمكن إنكاره. إن مهاتير محمد يجسد مزيجًا نادرًا من القيادة ذات الرؤية الواضحة والحكم العملي الواقعي، وهو تجسيد لطموحات أمة تسعى للازدهار والاعتماد على الذات.
هذا المقال نشر أولاً بالإنجليزية بواسطة ساوث بوش وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.