وصفت الصحف الغربية على صفحاتها الحرب الروسية الجورجية الأخيرة بأنها الأسوأ منذ أيام الحرب الأفغانية في ثمانينيات القرن الماضي. عبارة تعكس بقوة نظرة غربية مصدومة من رد الفعل الروسي على التحرشات الجورجية، وخاصة بعد ثبات صيفي كان قد شارف على تمام العقدين منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. وهذا الوصف لايختلف كثيرا في مضمونه عن حالة التخاذل الغربية العامة من أجل نجدة طفلهم الجورجي – ذراعهم الطولى في العمق الروسي.

نعي جميعا أن هذه الحرب الأخيرة لها أسبابها السياسية والاستراتيجية المرتبطة بتلك الرسالة الدولية التي بعث بها الدب الروسي محذرا بأنه نعم قد كان نائما ولكن “باختياره”، وعلى العالم أن يحذر من القرب من منطقة نفوذه الغريزية حتى وإن كان في موسم ثباته. وهذا ما لم يدركه الغرب بوضوح وسقط الوليد الجورجي في هذا المأزق ولم يهب أحد لنجدته بغير بعض العبارات الدبلوماسية الفارغة من المضمون العملي.

لكنه لزاما علينا أن ننظر للبعد الاقتصادي لهذه الهبة الروسية المباغتة لعلنا نفهم كيف يخطط الكبار. فالعنصر الاقتصادي لأي حرب قد يتمثل في كونه سببا أونتيجة، والمثير للانتباه أنه في حالتنا تلك هو الاثنين معا، مما يجعله أمرا شيقا جديرا بالدراسة. فالجميع حتى نحن العرب – حلفاء الأمس – ترسخ يقين ما في عقولنا باحتضار ذلك الدب العجوز تماما كما تعامل الغرب في بدايات القرن العشرين مع الإمبراطورية العثمانية التي أسموها “الرجل المريض”. لكن يبدو جليا لأعيننا الآن أن الدب العجوز لم يشيخ بعد كما اعتقدنا، وأنه كان في استراحة “بيولوجية” يعيد فيها استجماع قواه وترتيب أولوياته في جراحة تجميلية صبورة تعيده إلى مسرح الأحداث.

فالنظرة الاقتصادية إلى تلك اليقظة المباغتة “كسبب” يتضح في النجاح الملحوظ لإدارة الرئيس الروسي السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين في هدفين أولهما إضفاء الصبغة الرأسمالية على دولته – الأب الروحي لأنظمة اليسار المعادية للغرب الرأسمالي دون الوقوع فريسة لمطامعهم البديهية فى العبث بجسد الدب العجوز، كما شرع بوريس يلتسن من قبله بتقديم كافة التنازلات المهينة السياسية منها والاقتصادية بفساد اشتمت رائحته شعوب العالم.

وكذلك إعادة ترتيب الاوراق الاقتصادية داخليا لبناء دولته الجديدة على نطاق جغرافيا من المؤكد أنه أصغر من سابقه السوفيتي ولكنه متطلعا لنفس القوة الفاعلة دوليا قبل السقوط. ويبدو أنه كان على الطريق الصحيح، حيث أنه التزم بالرأسمالية كمذهب اقتصادي لنظامه مع الالتزام بتقليم أظافر معارضيه ومطاردة القطط السمان التي جلبها يلتسن لدولته بعيدا إلى حديقة أعدائه السابقين في الغرب البعيد.

فالآن لا يخفي على العالم طبيعة الاقتصاد الروسي الجديد كنظام راسمالي عائدا لمسرح الأحداث تدعمه ثروات بترولية مجنونة الأسعار وتاريخ صناعي لا يمكن إغفاله وصادرات عسكرية تم تحديدها وتطوير بعضها من أجل حلفاء الأمس المغضوب عليهم أمريكيا، ومركزية في القرار السياسي لاتختلف عن سابقتها السوفيتية ولكنها بالطبع أذكى. كلها عوامل سببية توفر الثقة لهذا الدب بعد تلك الجراحة المتأنية للدخول في أولى معاركه والخروج منتصرا.

هو إذا “وضع ثبات” اقتصادي مكن الروس من التعامل مع القضايا الاقتصادية الأخري العالقة مع دول الاتحاد السابق والتي تمثل شوكة في خاصرة الدب، مؤلمة أحيانا ومهينة أحيانا أخرى، حيث قد حان الوقت للتعامل معها بحزم سياسي اتضح فيه مؤخرا أن الاختيار العسكري ليس مستبعدا من التلويح به. فقد كان من المهين أن يخرج البترول من أرض النفوذ السابقة في رحلة أنابييب طويلة عبر عدة دول مجاورة فقط بهدف اجتناب المرور بالأراضي الروسية وصولا لأوروبا عبر جورجيا بوابتهم لفرض السيطرة الاقتصادية على روسيا والتي أبدت كثيرا من الإذعان للمطالب الغربية إبان عهد يلتسن. والتي وصلت لقمة الجرأة أن تقوم جورجيا بتهديد المصالح الروسية عبر حرب كلامية أثرت كثيرا بالسلب علي الصادرات الروسية من الغاز الطبيعي – أحد أهم الموارد الروسية الجديدة التي تساهم بقوة في العودة للسوق العالمية.

وكنتيجة اقتصادية حتمية لتلك الحرب التي لا يستطيع الغرب الرد عليها إلا ببعض العبارات الدبلوماسية الغاضبة، يبدو أنهم سيلجؤون مذعنين للتفاوض مع الدب العائد كشريك اقتصادي في لعبة المصالح الدولية والوصول لتسوية نهائية ترضيه في الكثير من القضايا التجارية كتأمين امدادات الغاز والنفط لأوروبا، ناهيك عن المأزق المحرج الذي وقع فيه الكبار بعد فشل دورة المحادثات الأخيرة لمنظمة التجارة العالمية والتي قد تلعب فيها روسيا دور الشريك الفاعل في الضغط على معارضيها أو على الأقل تطويعهم بتعاون الدب العجوز في غابة المصالح الدولية.

هذا المقال نشر أولاً بالإنجليزية بواسطة ساوث بوش وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.