ظهرت نظرية التبعية لأول مرة في أواخر خمسينيات القرن العشرين تحت إشراف راؤول بريبيش، مدير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية. وقد تساءل بريبيش وزملاؤه عن سبب عدم انعكاس النمو الاقتصادي في الدول الصناعية المتقدمة على نمو مماثل في الدول النامية. وأشارت دراساتهم إلى أن النشاط الاقتصادي في الدول المتقدمة غالبًا ما يتسبب في تحديات اقتصادية كبيرة في الدول النامية. ولم تتطرق النظرية النيوكلاسيكية لهذا الإشكال، حيث افترضت أن النمو الاقتصادي يفيد جميع الدول، وإن كان ذلك بشكل غير متساوٍ. وقدّم بريبيش تفسيرًا مباشرًا: تصدّر الدول النامية المواد الأولية إلى الدول المتقدمة، التي تقوم بدورها بتصنيع المنتجات من تلك المواد وتعيد بيعها للدول النامية. وتُعرف هذه العملية باسم «إضافة القيمة من خلال التصنيع»، مما يجعل المنتجات النهائية أغلى بكثير من المواد الخام المستخدمة في صناعتها. ونتيجة لذلك، تواجه الدول النامية صعوبة في تحصيل عائدات كافية من صادراتها لتغطية كلفة وارداتها. وكان الحل الذي اقترحه بريبيش بنفس البساطة: ينبغي على الدول النامية تبنّي برامج إحلال الواردات، لتقليل اعتمادها على شراء المنتجات المصنعة من الدول المتقدمة. ومن خلال الاستمرار في تصدير المواد الأولية عالميًا مع الحفاظ على العملات الأجنبية، يمكنها تفادي استنزاف احتياطاتها على المنتجات النهائية المستوردة.

لكن هذا الحل البسيط على ما يبدو واجه تحديات كبيرة. أولًا، كانت الأسواق المحلية في الدول النامية صغيرة جدًا بحيث لا تسمح بتحقيق وفورات الحجم التي تعتمد عليها الدول المتقدمة للإبقاء على الأسعار منخفضة. ثانيًا، ظهرت مخاوف سياسية بشأن مدى إمكانية الانتقال من إنتاج المواد الأولية إلى التصنيع، وما إذا كان هذا التحول ممكنًا أم مجرد طموح. وأخيرًا، برزت مسألة حاسمة تتعلق بمدى تحكم الدول النامية في مواردها الأولية، خصوصًا فيما يتعلق بتصديرها. وقد دفعت مثل هذه العقبات منظّرين آخرين إلى التعمق في دراسة العلاقة بين الدول المتقدمة والنامية من منظور أوسع وأكثر تاريخية.

ومن ثم، ظهرت نظرية التبعية كإطار محتمل لتفسير الفقر المستمر في الدول النامية. وكانت هذه النظرية نقيضًا مباشرًا للمقاربة النيوكلاسيكية التقليدية، التي رفضت فكرة العلاقة التبعية، وادّعت بدلًا من ذلك أن الدول النامية ما هي إلا وافدة متأخرة على ساحة الممارسات الاقتصادية الحديثة. ووفقًا لهذا الطرح، فإن الفقر سيزول في نهاية المطاف حين تعتمد هذه الدول تقنيات اقتصادية متقدمة. وستتناول الفقرات اللاحقة من هذا المقال رؤى أخرى بشأن فقر الدول النامية، بما في ذلك الرؤية الماركسية التي تُرجع الفقر المستمر إلى الاستغلال الرأسمالي.

النظرية وانتشارها

في ستينيات القرن العشرين، ظهرت موجة ثانية من المفكرين المعنيين بالتبعية طوّرت مفاهيم النظرية الأساسية. شملت هذه المجموعة شخصيات مثل الإصلاحي الليبرالي راؤول بريبيش، والمفكر الماركسي أندريه غوندر فرانك، ومنظّر النظم العالمية إيمانويل والرشتاين، وغيرهم. وقد حلل هؤلاء المفكرون العلاقة التبعية وتأثير الدول المتقدمة على الدول النامية بشكل نقدي. وعلى الرغم من وجود تباينات في وجهات النظر بينهم، فإن اعتبار نظرية التبعية إطارًا موحدًا يُعد غير دقيق. ومع ذلك، فإنهم يتفقون على أفكار رئيسية بشأن طبيعة العلاقة التبعية، ويقترحون حلولًا متقاربة لمعالجة هذه العلاقة المتجذّرة.

عرّف أوزفالدو سونكل (1969) التبعية بأنها «تفسير للتنمية الاقتصادية لدولة ما من خلال التأثيرات الخارجية – السياسية والاقتصادية والثقافية – على سياسات التنمية الوطنية». وبالمثل، وصف ثيوتونو دوس سانتوس (1971) التبعية بأنها «حالة تاريخية تُشكّل هيكلًا معينًا للاقتصاد العالمي بحيث يخدم بعض الدول على حساب دول أخرى ويحدّ من إمكانيات التطور لدى الاقتصادات التابعة. إنها وضعية تصبح فيها اقتصادات مجموعة معينة من الدول مشروطة بتطور وتوسع اقتصاد آخر، تخضع له اقتصاداتها».

وعلى الرغم من اختلاف الصياغات، فإن المبادئ الجوهرية لنظرية التبعية تقدّم تفسيرات متسقة للعلاقة بين الدول المتقدمة والنامية. أولًا، تؤكد جميع التعريفات على الطابع الديناميكي للتفاعلات بين المجموعتين. إذ لا تعمل هذه التفاعلات فقط على تعزيز أنماط عدم المساواة، بل تسهم أيضًا في تعميقها. كما أن التبعية تُوصف بأنها عملية تاريخية عميقة الجذور نابعة من عولمة الرأسمالية. فالتبعية ليست حالة جامدة؛ بل هي ظاهرة مستمرة، كما يظهر في حالة أمريكا اللاتينية التي عرفت التبعية منذ القرن السادس عشر. وتُدمج هذه العلاقة في نظام دولي تتحكم فيه الدول المتقدمة. وبالتالي، فإن تخلّف أمريكا اللاتينية هو نتيجة لتفاعلات تاريخية محددة مع النظام العالمي.

علاوة على ذلك، تُجمِع نظرية التبعية على أن القوى الدولية تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل الأنشطة الاقتصادية للدول النامية. وتشمل هذه القوى الشركات متعددة الجنسيات، والمساعدات الخارجية، وأسواق السلع العالمية، ووسائل الاتصال، وغيرها من آليات النفوذ التي تمارسها الاقتصادات المتقدمة على الاقتصادات الأقل تطورًا. وأخيرًا، تُصوّر النظرية النظام العالمي على أنه مكوّن من مجموعتين من الدول، وغالبًا ما يُشار إليهما بصيغ مثل: مهيمنة/تابعة، أو مركز/هامش، أو متروبول/قمر صناعي. فالدول المهيمنة هي الدول الصناعية المتقدمة مثل تلك الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). أما الدول التابعة فهي بشكل رئيسي في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، وتتميّز بانخفاض نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي واعتمادها على تصدير سلعة واحدة للحصول على العملات الأجنبية.

وباختصار، فإن الاختلافات النصية في نظرية التبعية تتقاطع جميعها عند الفرضية الأساسية بوجود علاقة استغلالية بين الدول الغنية والفقيرة، وبين المتقدمة والنامية، أو بين دول الشمال ودول الجنوب – وهي معضلة تاريخية أسهمت في استمرار التفاوت داخل النظام الدولي.

وتدور نظرية التبعية حول مجموعة من الأطروحات الأساسية التي تُعد بمثابة إطار تفسيري، يُمكّن الدول النامية من فهم طبيعة علاقتها بالدول المتقدمة. وتهدف هذه الأطروحات إلى تسهيل انتقال هذه الدول من وضعية التبعية إلى وضعية أكثر استقلالية. وتُستمد هذه الأطروحات الرئيسية من التعريفات الأساسية للنظرية، كما يلي:

  • تدعو النظرية إلى أنماط بديلة لاستخدام الموارد تختلف عن تلك المفروضة من قِبل الدول المتقدمة. وعلى الرغم من عدم وجود تعريف صريح لهذه الأنماط المفضلة، فإن بعض المعايير تحظى بإبراز خاص. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما ينتقد منظّرو التبعية التركيز على الصادرات الزراعية، إذ تواجه العديد من الاقتصادات النامية معدلات مرتفعة من سوء التغذية، رغم إنتاجها كميات كبيرة من المواد الغذائية المخصصة للتصدير. ويؤكد منظّرو التبعية أن الأراضي الزراعية يجب أن تُخصص في المقام الأول لإنتاج الغذاء الوطني من أجل الحد من سوء التغذية وتعزيز الأمن الغذائي داخل هذه الدول.
  • ويُعد مفهوم «التخلّف» مختلفًا جوهريًا عن «غياب التنمية». فغياب التنمية يصف وضعًا لا تُستغل فيه الموارد بشكل فعّال، كما حدث في أمريكا الشمالية خلال الاستعمار الأوروبي، حين تُركت مساحات شاسعة من الأراضي دون زراعة. أما التخلّف، فيشير إلى استخدام فعّال للموارد، لكن بطريقة تخدم أساسًا مصالح الدول المتقدمة، على حساب الدول النامية التي تنشأ منها هذه الموارد.
  • ويُعتقد أن الموارد تتباين عبر الزمن، مع استمرار علاقات التبعية منذ بداية التوسع الأوروبي في القرن الخامس عشر. ولا تُكرَّس هذه العلاقات فقط عبر القوة التي تمتلكها الدول المتقدمة، بل أيضًا من خلال تواطؤ النخب في الدول النامية. ويرى منظّرو التبعية أن هذه النخب تُبقي على العلاقات التبعية لأن مصالحها الخاصة تتقاطع مع مصالح الدول المهيمنة. ويعكس هذا التقاطع وجود قيم وأولويات مشتركة مع الدول المتقدمة. ولذلك، تُوصَف التبعية كثيرًا على أنها علاقة طوعية، حيث تُتَّهم النخب في الدول النامية بخيانة مصالح شعوبها لصالح مكاسب شخصية أو مشتركة.
  • وتُعيد التفرقة بين التخلّف وغياب التنمية تأطير الدول النامية في سياق تاريخي عميق. فهذه الدول ليست مجرد متأخرة عن الدول المتقدمة من حيث التقدم العلمي أو القيم الأوروبية، بل إن فقرها ناتج عن اندماجها المتعمد في النظام الاقتصادي الأوروبي، حيث أُسندت إليها أدوار تصدير المواد الخام أو توفير العمالة الرخيصة. ويضمن هذا الاندماج ألا تشكّل الدول النامية تهديدًا تنافسيًا للدول المهيمنة في الأسواق العالمية التي تتحكم فيها الأخيرة.

كما أُشير في مستهل هذا المقال، بدأت نظرية التبعية كمفهوم بسيط. وازداد انتشارها في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، باعتبارها تيارًا مناهضًا لنظرية التحديث، أو ما يُعرف أيضًا بـ«نظرية التنمية»، التي فقدت مصداقيتها مع استمرار الفقر العالمي. وتُعد نظرية التبعية نقيضًا واضحًا للمقاربات التنموية المستندة إلى الاقتصاد الكلاسيكي واقتصاد السوق الحر. غير أن النمو الاقتصادي الذي شهدته دول مثل الهند وبعض اقتصادات شرق آسيا أدى إلى تراجع تأثير نظرية التبعية، حيث سلكت هذه الدول مسارات تنموية بديلة. ومع ذلك، لا تزال النظرية تحظى بحضور في مجالات مثل التاريخ والأنثروبولوجيا، كما تُشكّل أساسًا لبعض الحملات التي تقودها منظمات غير حكومية مثل «اجعلوا الفقر من الماضي» و«حركة التجارة العادلة» التي تحظى بشعبية لافتة في دول غربية تُعد من بين القوى المهيمنة في النظام العالمي.

وتُعتبر التبعية غالبًا ظاهرة نشأت من الثورة الصناعية والاستعمار الأوروبي للدول النامية، والذي كان مدفوعًا بقوة عسكرية فائقة وموارد اقتصادية ضخمة. ويؤكد منظّرو التبعية أنه قبل هذا الاستغلال الخارجي، كان التمركز الاقتصادي داخليًا، إذ كانت المراكز الاقتصادية الكبرى تهيمن على بقية أنحاء بلدانها. ومن الأمثلة التاريخية على ذلك هيمنة جنوب شرق إنجلترا على بريطانيا، أو هيمنة شمال شرق الولايات المتحدة على الجنوب والغرب. وقد أدى إنشاء أنظمة التجارة العالمية في القرن التاسع عشر إلى توسّع الرأسمالية دوليًا، مما زاد من ترسيخ أوجه عدم المساواة. وأصبحت الدول الغنية معزولة بشكل متزايد عن الدول الفقيرة، بفضل ممارسات إمبريالية ضمنت توزيعًا غير متكافئ للمكاسب.

ولم يؤدِ هذا الاستغلال إلى توسيع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة فحسب، بل حدّ أيضًا من إمكانيات اندلاع ثورات داخل الدول المهيمنة. ففي المقابل، شهدت الدول النامية صراعات داخلية، بما في ذلك حروب أهلية وانتفاضات، كالتي حدثت خلال الحرب الأهلية الأمريكية أو الثورات الشيوعية. ولأن الدول الأقل تطورًا لم تكن قادرة على الوصول إلى مُستغليها الأثرياء في الدول المهيمنة، فقد أعادت توجيه غضبها داخليًا. وما إن تم تثبيت السيطرة الرسمية للدول الغنية، حتى ترسخت بعمق، مما جعل تغيير هذا الوضع بالغ الصعوبة. وقد أدى هذا النظام إلى تحويل الأرباح المُحققة في الدول النامية نحو الدول المتقدمة، الأمر الذي حدّ من إعادة الاستثمار محليًا، وشجّع على تهريب رؤوس الأموال، وأعاق النمو الاقتصادي، وأسهم في استمرار الفقر.

حجّة التبعية

عانى العالم النامي، الذي يشمل أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وأفريقيا ومعظم آسيا، طويلًا من ممارسات الإمبريالية الرأسمالية، وهو ما يمكن قياسه من خلال التخصص الدولي غير المتكافئ. وقد كرّس هذا النظام موقع الأطراف في الزراعة التصديرية والتعدين، مما حدّ من قدرات اقتصاداتها. وحتى عندما يُسمح بالتصنيع في المناطق الطرفية، فإنه يعتمد على العمالة الرخيصة، التي تؤدي زيادة إنتاجيتها وازدواجية شروط التبادل العاملية إلى تبادل غير متكافئ (رافّر، 1987). وبعد رحيل القوى الاستعمارية، كثيرًا ما تشهد القطاعات الزراعية والصناعية الصغيرة والمتوسطة تراجعًا ملحوظًا. ومع مرور الوقت، تؤدي هذه الاختلالات الهيكلية إلى نمو القطاع الثانوي، لكن مع انتشار بطالة مقنّعة، وزيادة الاعتماد على الريع داخل المنظومات الاقتصادية والاجتماعية. وينتهي الأمر بهذه الأوضاع إلى اضطراب اقتصادي، وتفاوت في توزيع الدخل، ونشأة «دولة مدينة بالديون»، ما يؤدي إلى عجز مزمن في الحساب الجاري، وإعادة تصدير الأرباح الناتجة عن الاستثمارات الأجنبية، والتقلبات الدورية للاقتصادات الطرفية.

سياسات مستوحاة من نظرية التبعية

يعني اعتماد نظرية التبعية كإطار لصياغة السياسات إحداث تحوّل في أولويات الدول النامية، حيث تُطرح تساؤلات تتجاوز مزايا التخصص، وتراكم رأس المال، واستراتيجيات الاستيراد والتصدير. وعلى الرغم من تباين الآراء حول كيفية التخفيف من آثار النظام العالمي، فقد لجأت بعض الدول النامية إلى تطبيق مجموعة من السياسات الحمائية والقومية:

  • تقييد الواردات: يؤدّي الحد من استيراد السلع الكمالية والمُصنّعة التي يمكن إنتاجها محليًا إلى تقليص تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج.
  • التأميم: لجأت الحكومات إلى مصادرة الشركات الأجنبية من أجل الاحتفاظ بالأرباح داخل الاقتصاد المحلي.
  • تشجيع الصناعة المحلية: يُتيح دعم الصناعات الوطنية للدول تصنيع منتجاتها بدلاً من الاعتماد على تصدير المواد الخام.
  • تقييد الاستثمار الأجنبي: يمنع حظر ملكية الأجانب للأصول المحلية من استغلال الموارد المحلية.

البرازيل

تُعد البرازيل مثالًا بارزًا على تطبيق نظرية التبعية، لا سيّما من خلال برنامجها لإحلال الواردات الذي بدأ في خمسينيات القرن العشرين. وقد تولّت الحكومة السيطرة المباشرة على القطاعات الحيوية لتحفيز التصنيع، وهو ما أدى إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي في القطاع الصناعي بنسبة 9% بين عامَي 1950 و1961، بينما حقق القطاع الزراعي نموًا بنسبة 4.5%. إلا أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي عُدّت ضرورية خلال هذه الفترة، إلى جانب حالة عدم الاستقرار السياسي، أدّت إلى تباطؤ النمو إلى 4% بين عامَي 1962 و1967. وفي سعيها إلى تعافٍ اقتصادي قصير المدى، تحوّلت البرازيل نحو تشجيع التصدير وجذب الاستثمار الأجنبي، متخلية مؤقتًا عن سياسات إحلال الواردات.

وخلال الفترة من 1968 إلى 1973، ارتفع النمو الاقتصادي إلى نسبة لافتة بلغت 11.1%، وذلك جزئيًا نتيجة زيادة واردات السلع نصف المصنعة واتساع الفجوة في توزيع الدخل. وبعد أزمة النفط عام 1973، عادت البرازيل إلى سياسات إحلال الواردات، محققة نموًا سنويًا قدره 6.9% بين عامَي 1974 و1980. لكن في المقابل، قفز الدين الخارجي من 6.4 مليار دولار عام 1963 إلى 54 مليار دولار بحلول عام 1980، متأثرًا بشكل كبير بالصدمة النفطية الثانية عام 1979. وعلى الرغم من أن أزمات النفط كشفت حدود فاعلية سياسات إحلال الواردات، فإن البدائل المرتكزة على التصدير ربما لم تكن لتنجح بشكل أفضل في ظل تقلبات السوق العالمية.

وتظل مشكلة التفاوت في توزيع الدخل قائمة في البرازيل، إذ تُعد من بين الأعلى عالميًا. فالشريحة الأفقر التي تمثل 20% من السكان لا تحصل سوى على 2% من الدخل القومي، بينما تستحوذ الشريحة الأغنى التي تمثل 10% على 48% منه (تودارو، 2003). وبحلول عام 1999، ارتفع الدين الخارجي إلى 245 مليار دولار، وهو الأعلى بين الدول النامية، بينما انخفضت الدخول خلال الثمانينيات بنسبة 30%، ما ترك 65% من البرازيليين يعيشون على أقل من 40 دولارًا شهريًا (تودارو، 2003).

الأرجنتين

تُعد الأرجنتين مثالًا مبكرًا آخر على تطبيق نظرية التبعية. وقد اعتمدت البلاد تقليديًا على تصدير المنتجات الزراعية، لكنها واجهت تحديات كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة تقلبات الأسواق الدولية. وفي عهد خوان بيرون، تبنّت الأرجنتين سياسات صارمة لإحلال الواردات، وعزلت نفسها عن الأسواق العالمية. وبحلول عام 1953، خفّف بيرون من هذه القيود تدريجيًا في إطار خطته الاقتصادية الثانية، وشجّع صادرات المنتجات الزراعية من خلال اتفاقات تجارية مع بريطانيا والاتحاد السوفيتي وتشيلي. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات أدت في البداية إلى فائض في الميزان التجاري، فإن الميزان عاد إلى العجز خلال سنوات قليلة. وفي عام 1966، أعلنت الحكومة فشل سياسة إحلال الواردات، وبدأت في تفكيك الحواجز التجارية تدريجيًا. وأدى عجز الصناعات المحلية عن المنافسة في السوق الدولية إلى تدهور حاد في القاعدة الصناعية للبلاد.

ورغم احتفاظ الأرجنتين بنظام تصديري زراعي فعال في ظل سياسات إحلال الواردات، فإنها عانت من ركود متكرر. وقد ساهم إلغاء الضرائب على الواردات وتوسيع التبادل التجاري مع البرازيل في تحقيق بعض النمو في البداية، لكن انخفاض أسعار الحبوب عام 1998 أدخل البلاد في أزمة اقتصادية. أما خفض قيمة البيزو عام 2002 فقد أنعش الصادرات مؤقتًا، إلا أن التحديات المتكررة كشفت حدود السياسات القائمة على نظرية التبعية.

التفسيرات الجذرية

لقد صُنّفت التفسيرات المبكرة لنظرية التبعية لاحقًا تحت ما يُعرف بـ«التبعية الهيكلية». ومع مرور الوقت، تطوّر هذا المفهوم إلى شكل أكثر تطرفًا عُرف باسم «نظرية التبعية الجذرية» أو «نظرية التبعية ما بعد الاستعمارية»، كما وصفها مايكل ب. تودارو (2003). ويُرتبط هذا الاتجاه ارتباطًا وثيقًا بالمفكر الألماني الأصل أندريه غوندر فرانك، حيث يبني على نظرية التبعية الهيكلية، لكنه يدمج مصطلحات وتحليلات ماركسية.

في الإطار النظري الماركسي، يُعرّف الاقتصاد أساسًا من خلال الاستغلال. ووفقًا لماركس، فإن جميع القيمة تُخلق عبر العمل. ويُعزى الفارق بين قيمة المنتج النهائي وتكلفة المواد الخام والآلات المستخدمة في إنتاجه إلى العمل المبذول. فعندما يعمل شخص لحساب آخر، وتكون عائدات صاحب العمل أعلى من الأجور المدفوعة وتكاليف الإنتاج، يُعتبر العامل قد تعرّض لاستغلال اقتصادي. وتُشكّل أرباح صاحب العمل هذا الفائض. وعلى الرغم من أن هذه العلاقة قد تبقى محدودة ومستقرة – حيث تُستخدم الأرباح لأغراض شخصية – فإن تراكم الأرباح يتيح لصاحب العمل توسيع نشاطه. وهنا تبدأ مرحلة الانتقال من صاحب عمل فرد إلى رأسمالي، يعتمد على الأرباح الفائضة لتوسيع نطاق العمالة والآلات والمواد الخام. إلا أن هذا النظام يعتمد بالضرورة على وجود طبقة من «البروليتاريا»؛ أي فئة لا تملك الوسائل للحصول على المواد الخام أو الآلات، وتضطر لبيع قوة عملها للرأسمالي.

وتُطبّق نظرية التبعية الجذرية هذا التحليل الماركسي على النظام الاقتصادي العالمي. فالاستثمارات التي يجريها الرأسماليون من الدول المتقدمة في الدول النامية تهدف بالأساس إلى تحقيق الأرباح لهؤلاء الرأسماليين. ولكي يتحقق ذلك، لا بد أن يتعرض أحد في الدول النامية للاستغلال، وهو ما يؤدي إلى تحويل صافي الثروات إلى العالم المتقدم. وعلاوة على ذلك، فإن استمرار تخلّف الدول الفقيرة يُعد شرطًا أساسيًا لبقاء هذا النظام، إذ يضمن توافر اليد العاملة والموارد باستمرار لخدمة الاقتصادات الرأسمالية الثرية.

لكن لا يُعاني جميع الأفراد في الدول النامية من الاستغلال بدرجة متساوية. فالنخب المحلية، التي يُشير إليها المنظرون الماركسيون بـ«الطبقات الإيديولوجية»، تلعب أدوارًا إدارية وتتقاطع مصالحها مع مصالح الرأسماليين الأثرياء أكثر مما تتقاطع مع مصالح شعوبها (تودارو، 2003). وتؤدي هذه النخب دورًا حاسمًا في استمرار استغلال بلدانها، من خلال تسهيل استخراج الموارد وتحويل الأرباح إلى الخارج.

ويذهب أنصار نظرية التبعية الجذرية إلى أن الحل الوحيد الممكن أمام الدول النامية هو القطيعة التامة مع النظام الرأسمالي العالمي الذي تهيمن عليه دول الشمال. ويتطلّب ذلك قيام ثورات اشتراكية للإطاحة بالنخب المحلية، التي تميل بطبيعتها إلى التحالف مع الرأسماليين الشماليين. وعلى الدول النامية بعد ذلك أن تؤسس اقتصادات مخططة، وتبني شبكات تجارية مع دول اشتراكية أخرى لتبادل السلع الأساسية، متجنّبة بذلك الممارسات الاستغلالية المتأصلة في الأنظمة الرأسمالية (تودارو، 2003).

غير أن مثل هذه الاستراتيجيات غالبًا ما توصف بأنها متطرفة، وقد واجهت مقاومة كبيرة من الغرب. كما أن معظم الدول النامية الخاضعة للتبعية امتنعت عن تبنّي هذه الإجراءات نظرًا لطبيعتها الجذرية. ويُظهر المثال التشيلي، حيث واجهت الجهود الرامية إلى تطبيق سياسات اشتراكية معارضة شرسة، مدى صعوبة السير في هذا الطريق.

المأساة التشيلية

يُعد المثال الأبرز لاستراتيجية تنموية مستندة إلى نظرية التبعية الجذرية ما حدث في تشيلي تحت حكم الرئيس سلفادور أليندي (1971–1973). وقد عملت حكومته تحت شعار «الطريق التشيلي إلى الاشتراكية»، حيث نفذت سياسات تهدف إلى تأسيس شكل اشتراكي فريد بطابع تشيلي. وتم قطع العلاقات مع دول الشمال العالمي من خلال إجراءات مثل تأميم الصناعات المملوكة للأجانب، وعلى رأسها صناعة النحاس التي كانت خاضعة لهيمنة أمريكية، ورفض سداد الديون الخارجية. كما خضعت الاقتصاديات لرقابة صارمة من الدولة، وسعت الحكومة إلى إقامة تحالفات مع أنظمة اشتراكية في أنحاء مختلفة من العالم، بما في ذلك كوبا.

غير أن هذه السياسات الجذرية لم تأخذ في الاعتبار حجم ردّ الفعل العكسي الذي ستثيره. فقد عارضت النخب المحلية، التي أُقصيت من مواقعها الاقتصادية والسياسية، إصلاحات أليندي بشراسة. كما انضم بعض فئات الطبقة العاملة، مثل سائقي الشاحنات، إلى صفوف المعارضة، مدفوعين بمخاوفهم من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والعزلة الدولية التي سببتها سياسات الحكومة. وواجهت إدارة أليندي كذلك معارضة قوية من قوى خارجية، لا سيما الولايات المتحدة، حيث كان الرئيس نيكسون عازمًا على تقويض التجربة الاشتراكية التي قادها أليندي.

ورغم هذه التحديات، احتفظت حكومة أليندي بدعم شعبي واسع داخل قطاعات كبيرة من الشعب التشيلي، كما دلّت على ذلك نتائج الانتخابات المحلية عام 1973، التي حقق فيها حزبه فوزًا ملحوظًا. لكن مزيجًا من الضغوط الداخلية والخارجية أدى في نهاية المطاف إلى انهيار حكومته. ففي انقلاب عسكري، يُعتقد أنه تم بدعم مشترك – ما يزال محل جدل – بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) والنخب المحلية والجيش التشيلي، تم قصف القصر الرئاسي باستخدام طائرات بريطانية الصنع. وقد لقي أليندي مصرعه أثناء الهجوم، وتولى الجنرال أوغوستو بينوشيه، قائد القوات المسلحة، الحكم كديكتاتور عسكري.

وقد تميزت تبعات الانقلاب بقمع شديد. ففي السنوات الأولى من حكم بينوشيه، جرى اعتقال مئات الآلاف، وتعرض عشرات الآلاف للتعذيب، واختفى آلاف الأشخاص. وبهذا الانقلاب الدموي انتهت تجربة تشيلي في تطبيق نظرية التبعية الجذرية نهاية مأساوية ومباغتة. ويُعتبر انهيار حكومة أليندي تجربة غير مكتملة، إذ إنها لم تفشل وفق معاييرها الذاتية، بل جرى تقويضها في الأساس نتيجة تدخل خارجي ومعارضة داخلية (بلوم، 2003).

نقد النظرية

منذ ظهورها، تعرّضت نظرية التبعية لانتقادات من اقتصاديي السوق الحرة مثل بيتر باور ومارتن وولف، الذين يرون أن السياسات المشتقة من النظرية تؤدي إلى نتائج سلبية عدة:

  • غياب المنافسة: إن دعم الصناعات المحلية والحد من الواردات قد يُضعف الحوافز لدى الشركات لتحسين جودة المنتجات، أو زيادة الكفاءة، أو الاستجابة لحاجات المستهلكين، أو الاستثمار في الابتكار.
  • الفساد: يرى أنصار اقتصاد السوق أن المؤسسات المملوكة للدولة أكثر عرضة للفساد مقارنةً بالشركات الخاصة، مما يؤدي إلى ضعف الكفاءة وسوء تخصيص الموارد.
  • تكلفة الفرص المحلية: تُحوّل الإعانات الموجهة للصناعات المحلية الموارد من قطاعات أخرى حيوية مثل البنية التحتية، أو تمويل الابتكار، أو برامج الرعاية الاجتماعية. كما أن الرسوم الجمركية والقيود على الواردات ترفع عادةً أسعار السلع، مما يضطر المستهلكين إلى التخلي عن بعض المنتجات أو شرائها بأسعار مرتفعة، على حساب حاجات أخرى.
  • الاستدامة: تواجه الصناعات المعتمدة على دعم الدولة صعوبة في الاستمرار على المدى الطويل، خصوصًا في الدول الفقيرة التي تعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية لتمويل هذه الإعانات.

ويرد المدافعون عن نظرية التبعية على هذه الانتقادات بالإشارة إلى محدودية نظرية الميزة النسبية في ظل العولمة. ويؤكدون أن النظرية تفشل عندما يكون رأس المال – المادي والمالي – عالي الحركة، كما هو الحال في الاقتصاد العالمي المعاصر. ومن هذا المنظور، توفّر نظرية التبعية فهمًا مهمًا لعالم تهيمن عليه الشركات متعددة الجنسيات وتدفقات رأس المال المتنقلة بشدة.

لكن اقتصاديي السوق الحرة يجادلون بأن العولمة تعزّز من كفاءة تطبيق نظرية الميزة النسبية. ويُشيرون إلى أن الافتراضين الرئيسيين للنظرية – انعدام تكاليف النقل وتكاليف الاتصال – أصبحا أكثر واقعية في السوق العالمية الحديثة. فشبكة الإنترنت مثلًا تدعم افتراض التكاليف الاتصالية القريبة من الصفر، بينما يعتمد افتراض تكاليف النقل المنخفضة على أسعار الطاقة. علاوة على ذلك، تفترض نماذج التجارة الحرة عادةً وجود عاملَي إنتاج فقط: رأس المال والموارد، متجاهلة عنصر العمل. ويظهر هذا التجاهل بوضوح في القيود الواسعة المفروضة على تنقل العمالة، كما يتجلى في تفضيل أوروبا للعمالة القادمة من أوروبا الشرقية على حساب عمال شمال أفريقيا.

كما يستشهد أنصار السوق بأمثلة تُشكك في صحة نظرية التبعية. فالنمو الاقتصادي في الهند، بعد تحولها من اقتصاد موجه إلى آخر منفتح على التجارة، يُطرح كثيرًا كنقطة مضادة. وتُعد نجاحات الهند، لا سيّما في مجالات مثل الاستعانة بمصادر خارجية، دحضًا لمزاعم نظرية التبعية بشأن الميزة النسبية وحركة رأس المال. وعلى الجانب الآخر، فإن صعود كوريا الجنوبية من الفقر، مع أنها اعتمدت في مراحل على العديد من استراتيجيات نظرية التبعية، يجعل السردية أكثر تعقيدًا.

وأخيرًا، يُقر منظّرو السوق الحرة بصحة بعض الانتقادات التي تطرحها نظرية التبعية، لكنهم يرفضون توصياتها السياسية بوصفها «نبوءات تحقق ذاتها». ويقولون إن هذه التوصيات تتناول التفاوت بين الدول المتقدمة والنامية دون أن تُقدّم فهمًا شاملًا للاقتصاد العالمي.

مستقبل النظرية

يظل مستقبل نظرية التبعية محل جدل، إذ يرى الاقتصاديون التقليديون أن الفجوة في الدخل بين الدول الغنية والفقيرة يمكن ردمها من خلال عملية التقارب. وقد وصف بيلا بالاسا وبول سامويلسون هذا الظاهرة قبل عقود، وتُعرف اليوم على نطاق واسع بتأثير «بالاسا–سامويلسون». وتحظى هذه الظاهرة بأهمية مماثلة لدى كل من نظرية التبعية والنظريات الاقتصادية التقليدية. ومن الأمثلة العملية على ذلك أسعار محطات توليد الكهرباء في كل من الدول الغنية والفقيرة، التي تُتداول بأسعار مرتفعة مماثلة في السوق العالمية، في تناقض حاد مع خدمات غير قابلة للتداول مثل الحلاقة، التي تُعد أغلى بكثير في الدول الغنية مقارنةً بنظيراتها الفقيرة. وغالبًا ما يفسّر الاقتصاديون هذا التفاوت الكبير في القطاعات غير القابلة للتداول كعامل رئيسي في الفوارق في مستويات الرفاه بين الدول الغنية والفقيرة.

وفي ظل هذه الظروف، لاحظ بالاسا وسامويلسون أن الدول الفقيرة يمكنها رفع مستويات الأجور في القطاعات غير القابلة للتداول أساسًا عبر زيادة الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية، والتي تعتمد بدرجة كبيرة على موارد الدولة. إلا أن هذه العملية غالبًا ما تؤدي إلى تفاقم عجز الموازنة، وهو أحد الأعراض السلبية البارزة لمحاولات «اللحاق بالركب». وعلى الرغم من أن ارتفاع قيمة العملة الحقيقية في الدول الفقيرة يمكن أن يحدث، فإنه يظل مقيدًا بتحديات الاقتصاد الكلي، وعلى رأسها التدهور في الأوضاع المالية العامة.

وتُعد هذه الرؤية الكينزية التي قدّمها بالاسا وسامويلسون – بأن اللحاق ممكن لكنه مشروط بعجز أكبر في الميزانية في الدول الطرفية أو شبه الطرفية – من المعطيات المألوفة لدى البنوك المركزية حول العالم. وقد اكتسب تأثير بالاسا–سامويلسون اهتمامًا متجددًا، لا سيّما في النقاشات المتعلقة بانضمام دول أوروبا الشرقية السابقة إلى منطقة اليورو. وما يُثير الدهشة هو أن صانعي السياسات في أوروبا قد قلبوا النتائج التقليدية لهذا التأثير، من خلال الدعوة إلى الحفاظ على مستويات منخفضة للأسعار محليًا وعالميًا في القطاعات غير القابلة للتداول. ويُشكّل هذا التحوّل تغييرًا جوهريًا في مسار السياسات الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي.

وقد حذر اقتصاديون بنيويون مثل بان يوتوبولوس الدول الطرفية من مخاطر استبدال العملة الوطنية. وأوضح يوتوبولوس أن «استبدال العملة يمثل طلبًا غير متكافئ من المكسيكيين على الاحتفاظ بالدولار كوسيلة لحفظ القيمة، وهو طلب لا يُقابله طلب أمريكي على الاحتفاظ بالبيزو كتحوّط ضد تراجع قيمة الدولار» (يوتوبولوس وساوادا، 2005). وقد كان لهذا الطرح تأثير واسع في عام 1999، ولا يزال يحتفظ براهنيته حتى اليوم، في ظل سعي العديد من الدول للحاق بالاقتصادات المتقدمة تحت ضغوط العولمة. وتُفاقم مشكلة السمعة غير المتكافئة في أسواق العملات الدولية من دورات التخلف. فعلى سبيل المثال، تعاني دول مثل تركيا، التي شهدت أزمات عملة حادة في السنوات الأخيرة، والسودان، الذي واجه صعوبات مماثلة مع الجنيه السوداني في أوائل تسعينيات القرن العشرين، من تحديات دائمة تتعلق بسمعة العملة وعدم الاستقرار الاقتصادي في الأطراف.

وتُثير هذه المخاوف تساؤلات ملحة بشأن تداعيات التبعية في المستقبل، وبشأن البديل المتمثل في تبنّي استراتيجيات السوق المفتوحة والاندماج في العالم المتقدم. غير أن البيئة الاقتصادية العالمية، التي تتسم عمومًا بمقاومة مثل هذه التوجهات، تجعل من الصعب على أي دولة تبنّي سياسات قائمة على نظرية التبعية. ويُعقّد غياب نموذج ناجح وواضح لاقتصاد معتمد على نظرية التبعية في الدول النامية من إمكانية تطبيق مثل هذه الاستراتيجيات.

السؤال الجنوب أفريقي

دفعت نظرية التبعية العديد من الدول النامية، لا سيّما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى تبنّي سياسات تهدف إلى قطع الروابط الاستعمارية أو الرأسمالية مع الدول الغنية والمتقدمة. وقد استندت هذه السياسات غالبًا إلى دوافع تاريخية أو أيديولوجية أو قومية، نابعة من واقع اقتصادي لا يُمكن إنكاره من الاستغلال. ومع ذلك، تُظهر غالبية الحالات الموثّقة من الدول النامية أن تبنّي هذه الممارسات تم بشكل طوعي، وبما يتماشى مع المبادئ التي وضعتها نظرية التبعية. ويُلاحظ أن النظرية لا تُعير اهتمامًا كافيًا للحالات التي اضطرت فيها الدول إلى تطبيق إجراءات مماثلة نتيجة المقاطعة الدولية لأسباب سياسية أو أيديولوجية. فعلى سبيل المثال، نشأ الاقتصاد شبه المعزول لإيران بعد الثورة الإسلامية في أواخر سبعينيات القرن العشرين. وبالمثل، تعرضت جنوب أفريقيا لمقاطعات دولية واسعة النطاق من ستينيات القرن العشرين وحتى عام 1992 بسبب سياسات الفصل العنصري.

لاستكشاف ما إذا كان المسار الذي سلكته جنوب أفريقيا يتماشى مع نظرية التبعية، من الضروري دراسة البلاد كدراسة حالة، مع استبعاد سياساتها البغيضة في الفصل العنصري من التحليل. فباعتبارها مستعمرة بريطانية سابقة، احتفظت جنوب أفريقيا بروابط قوية مع الغرب المتقدم. ومع ذلك، فإن العزلة التي فُرضت عليها بسبب المقاطعات الدولية أدّت إلى نتائج اقتصادية مفاجئة. فبغياب الدعم الخارجي، اضطرت جنوب أفريقيا إلى تطبيق برامج صارمة لإحلال الواردات، ليس باختيار سياسي حر، بل بدافع الضرورة. والمثير للدهشة أن هذه البرامج أثبتت فاعليتها الكبيرة، بفضل سياسات مُحكمة التركيب ركزت على إدارة الثروات الوطنية وإنتاج بدائل محلية للسلع التي كانت تُستورد سابقًا.

وعلى عكس الانتقادات الشائعة الموجهة لنظرية التبعية، نجحت جنوب أفريقيا في تجنب العديد من العثرات المرتبطة عادةً بمبادئ النظرية. ويُعزى هذا النجاح إلى عوامل عدة، من بينها استراتيجيات صارمة لإدارة الثروات، وحوافز قوية لرفع الإنتاجية، وإجراءات دقيقة للرقابة على الجودة، ووعي وطني متزايد بمخاطر الفساد على الاقتصاد. ونتيجة لذلك، لم يكن الفساد مشكلة جوهرية خلال تلك الفترة. كما استفادت جنوب أفريقيا من غياب التدخل العسكري المباشر من القوى الخارجية، ما سمح لها بالتطور في عزلة نسبية. ورغم القيود، انخرطت البلاد بذكاء في تبادل تجاري محدود وسري مع الخارج، مستغلة هذه التفاعلات لدعم النمو الاقتصادي.

وتطرح هذه الحالة تساؤلًا لافتًا: هل كان المسار الاقتصادي لجنوب أفريقيا في فترة العزلة تجسيدًا فعليًا لنظرية التبعية؟ تُشير التجربة إلى أنه، في بعض الحالات، يمكن للعزلة عن التدخلات العسكرية والسياسية الغربية أن تهيئ بيئة مواتية للتنمية. وإن قدرة جنوب أفريقيا على تنفيذ ممارسات تُشبه ما يدعو إليه منظّرو التبعية، مع تفادي العديد من العوائق الملازمة للنظرية، يستحق دراسة معمّقة. وقد يُسفر مثل هذا البحث عن رؤى قيّمة حول كيفية تمكن الدول المعزولة من تقليص فجوة التنمية جزئيًا، وما إذا كانت هذه المسارات تُجسد فعلًا نظرية التبعية أم أنها تعبّر عن نموذج مختلف للتكيّف الاقتصادي. ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى عنصر الاستغلال الذي تعرضت له الفئات الأصلية من السكان، وهو ما قد يكون أحد العوامل غير المعلنة لـ«نجاح» جنوب أفريقيا. ومن المرجح أن تؤدي البحوث المستقبلية إلى اكتشافات بالغة الأهمية.

الخاتمة

مثلها مثل سائر الأطر الاقتصادية، تمتلك نظرية التبعية قابلية للنجاح إذا ما طُبقت بحكمة، وترافقت مع حوكمة عقلانية في دول الجنوب. وغالبًا ما يعزى فشلها في تحقيق وعودها إلى عجز الدول المنفذة عن معالجة التحديات الأساسية مثل الفساد، وانعدام الشفافية، وعدم الاستقرار السياسي. وقد أسهمت هذه العوائق، بالإضافة إلى غياب التطبيق الدقيق والتكييف السياقي، في استمرار الانتقادات الموجهة للنظرية. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن نظرية التبعية معيبة في جوهرها، بل يبرز الحاجة إلى مقاربات أكثر تطورًا وخصوصية تأخذ في الاعتبار تعقيدات العلاقات الاقتصادية العالمية.

وعند مقارنة الصيغتين الهيكلية والجذرية لنظرية التبعية، تظهر معضلة واضحة. فالنظرية الهيكلية، التي تسعى إلى الإصلاح من خلال تعديلات تدريجية وسياسات إحلال الواردات، غالبًا ما تتعثر تحت وطأة عدم الكفاءة الاقتصادية، وضيق الأسواق المحلية، وتصاعد التفاوت في توزيع الدخل. ويكمن الخطر في أن يؤدي هذا النهج إلى تفاقم الاضطراب الاقتصادي، وربما الإفلاس والاضطرابات الاجتماعية. أما نظرية التبعية الجذرية، التي تدعو إلى القطيعة الكاملة مع الاقتصادات المهيمنة عبر تأميم الاستثمارات الأجنبية، فتواجه عواقب أشد قسوة. وتُظهر أمثلة تاريخية، مثل تشيلي في عهد أليندي، ما يمكن أن تؤول إليه مثل هذه الاستراتيجيات من انقلابات عسكرية وتخريب اقتصادي وتدخلات أجنبية. وبهذا، يجد الجنوب العالمي نفسه أمام خيارين خطيرين: الركود الاقتصادي أو العدوان الخارجي.

ويُشكل المشهد العالمي المتغير – الذي يتسم بنمو غير مسبوق في تقنيات الاتصال والإعلام – مصدر فرص وتحديات في آن واحد أمام نظرية التبعية. فمن جهة، أدى ازدياد الوعي والمساءلة العالمية إزاء الممارسات الاستعمارية الجديدة، غالبًا بقيادة قوى غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى بروز بصيص أمل لدول الجنوب في سعيها إلى ترسيخ السيادة وسلك مسارات تنموية مستقلة. وقد تُمكّن فضح الأنظمة الاستغلالية ونقد الهيمنة الغربية بعض الدول من تبنّي سياسات نابعة من سياقاتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، تبقى هذه الطموحات تحت تهديد دائم من استراتيجيات استباقية تهدف إلى كبح النماذج الاقتصادية البديلة. فعلى سبيل المثال، استُخدم ما يُعرف بـ«الحرب على الإرهاب» كذريعة لتدخلات تتماشى مع أهداف جيوسياسية واقتصادية أوسع، غالبًا على حساب جهود التنمية الذاتية.

ويُبرز تحليل نظرية التبعية عبر هذا المقال أهمية بناء استراتيجيات تُمكن دول الجنوب من التكيّف مع ضغوط العولمة، مع الحفاظ على سيادتها. وقد أظهرت تجارب مثل جنوب أفريقيا والبرازيل أنه، في ظروف معينة، يمكن أن تؤدي السياسات المستوحاة من نظرية التبعية إلى نتائج ملحوظة. فقد وفّرت عزلة جنوب أفريقيا المفروضة بسبب العقوبات في عهد الفصل العنصري بيئة مناسبة لتطبيق سياسات فعالة لإحلال الواردات، مما عزز التصنيع والاعتماد على الذات. أما البرازيل، فحققت نموًا اقتصاديًا لافتًا خلال فترات محددة، من خلال مزيج من التصنيع الذي تقوده الدولة والانفتاح الانتقائي على الاستثمارات الأجنبية. وتُبرز هذه الأمثلة الحاجة إلى تبني استراتيجيات مرنة تُوازن بين الأولويات المحلية والواقع الخارجي.

وفي الوقت نفسه، يجب الاعتراف بحدود نظرية التبعية. فالتقسيم الثنائي للعالم إلى دول «مهيمنة» وأخرى «تابعة»، رغم فعاليته في تحليل أنماط الاستغلال التاريخية، يتجاهل في كثير من الأحيان تعقيدات السياق الدولي المعاصر. وقد حققت دول مثل كوريا الجنوبية والهند تقدمًا اقتصاديًا كبيرًا من خلال توظيف العولمة بدلًا من مقاومتها. وتُشير هذه التجارب إلى أن دول الجنوب تستطيع بلوغ الازدهار ليس من خلال الانعزال، بل من خلال الانخراط الانتقائي في الاقتصاد العالمي، واعتماد سياسات تستثمر في المزايا النسبية وتُخفف من مواطن الضعف.

ويكمن المسار المستقبلي في إعادة تصوّر نظرية التبعية بما يدمج رؤاها الجوهرية مع واقع عالم مُعولم. ويشمل ذلك الاعتراف بقدرة دول الجنوب على إعادة تعريف أدوارها داخل النظام الدولي. فبدلًا من اعتبار العولمة قوة قهرية، ينبغي النظر إليها كمنصة ديناميكية يمكن من خلالها تحقيق مكاسب تنموية عبر تفاعل استراتيجي. كما تُعد السياسات القائمة على الشفافية والمحاسبة والحوكمة الشاملة ضرورية لتفعيل إمكانات نظرية التبعية في القرن الحادي والعشرين.

وفي النهاية، يتوقف تطور أي دولة في الجنوب العالمي على قدرتها على تسخير مواردها الذاتية وإمكاناتها الخاصة، مع وضع أهداف واقعية تراعي السياق المحلي. ولا يجب أن تُساوي التبعية بالضرورة الركود، إذا استطاعت الدول أن تعزز مناعتها واستقلالها في مواجهة ضغوط العولمة. ويظل النهج المتوازن – الذي لا يعادي التأثيرات الخارجية بالكامل ولا يستسلم لها تمامًا – هو المفتاح لتحقيق تنمية عادلة ومستدامة في عالم يزداد ترابطه يومًا بعد يوم.

المراجع

Jameson, Kenneth P. Review of Development Ethics: A Guide to Theory and Practice by Denis Goulet and Dependency and Development: An Introduction to the Third World by Ted C. Lewellen. Economic Development and Cultural Change46, no. 3 (April 1998): 644–50. Published by The University of Chicago Press.

Tignor, Robert L. “Dependency Theory and Egyptian Capitalism, 1920 to 1950.” African Economic History, no. 9 (1980): 101–18. Published by African Studies Program at the University of Wisconsin.

Velasco, Andrés. “Dependency Theory.” Foreign Policy, no. 133 (November–December 2002): 44–45. Published by Carnegie Endowment for International Peace.

Smith, Tony. “The Logic of Dependency Theory Revisited.” International Organization 35, no. 4 (Autumn 1981): 755–61. Published by Cambridge University Press.

Ahiakpor, James C. W. “The Success and Failure of Dependency Theory: The Experience of Ghana.” International Organization 39, no. 3 (Summer 1985): 535–52. Published by The MIT Press.

Mount Holyoke College. “Dependency Theory.” Accessed 1 December 2008. http://www.mtholyoke.edu/acad/intrel/depend.htm.

Revision Notes. “Dependency Theory Revision Notes.” Accessed 1 December 2008. http://www.revision-notes.co.uk/revision/619.html.

Comvoice. “Dependency Theory Overview.” Accessed 1 December 2008. http://home.flash.net/~comvoice/16cDepend.html.