إيمان عبدالقادر، ماهر حمود، نادين ثابت، و رودريجو تيليس

تُعدّ التدهور البيئي من أبرز المشكلات التي تواجه مجتمعنا اليوم (HDR 2007/2008). فالاستنزاف المفرط للموارد والاستهلاك المفرط يُعدّان إلى حدٍّ ما من ضرورات الحفاظ على نمط الحياة الرأسمالي (Hawken, 1999). لقد أصبح الاستهلاك معيارًا ثقافيًّا ودافعًا رئيسيًّا لمنظومة الإنتاج الاقتصادي. ومع ذلك، فإن الوعي بهذه القضايا لا يزال محدودًا، حيث لا يُدرك الناس غالبًا عواقب الإفراط في الإنتاج والاستهلاك والتخلص من السلع غير الأساسية. كما أن الحفاظ على الموارد من أجل الأجيال القادمة، وضمان حقهم المشروع في استخدام الموارد الطبيعية، يُمثّل قضية حرجة أخرى تتطلب اهتمامًا عاجلًا.

ولضمان حصول الأجيال القادمة على ما تحتاجه من موارد، يجب تغيير عاداتنا الاستهلاكية. ولتحقيق ذلك، لا بد من زيادة الوعي البيئي لتوضيح هذه القضايا وتحفيز التغيير السلوكي، خاصة بين فئة الشباب. وهذا هو الهدف الأساسي من مشروعنا. نسعى إلى نشر الوعي البيئي بين طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية في إحدى المدارس المصرية. ومن خلال ذلك، نأمل في تحفيز هذا الجيل على التحرك، وربما في المستقبل التأثير في السياسات العامة عبر التأثير في أولياء أمورهم أو من خلال أدوارهم المهنية عند البلوغ.

وقد يُشكّل هذا المشروع نموذجًا يمكن للحكومة أن تستفيد منه في تنفيذ برامج تعليمية فعالة تستهدف شرائح محددة من المجتمع المصري. كما يمكن أن تُستخدم هذه الدراسة من قبل المنظمات غير الحكومية أو الأفراد المهتمين بتعزيز الوعي الاجتماعي والبيئي في مجتمعاتهم المحلية أو مناطقهم الجغرافية.

النظرية

رغم أن بعض المراجعات الأدبية تشير إلى أن الفئات الأفقر على مستوى العالم مسؤولة عن التدهور البيئي (Clarke, 1993; Silva, 2003)، فإن بيانات أخرى تؤكد أن الدول المتقدمة تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية عن الأضرار البيئية (HDR 2007/2008; Stern, Young and Druckman, 1992).

حتى إن لم تكن الدول الغنية هي الملوّث المباشر أو البلد المضيف للمصانع المُسببة للتدهور، فإنها تظل مسؤولة عن الأضرار البيئية والاجتماعية الناجمة. فطلب المنتجات الرخيصة في الدول المتقدمة يدفع الشركات العابرة للحدود إلى تصدير الآثار السلبية للإنتاج الاقتصادي. إذ تنقل هذه الشركات عمليات التصنيع إلى الخارج، بما في ذلك الآثار البيئية والاجتماعية، بهدف تقليل تكلفة المنتجات الاستهلاكية لأقصى درجة ممكنة.

ومن المهم أيضًا الإقرار بأن شعوب الدول المتقدمة لا تُعامل كمجموعة متجانسة. فلا ينبغي تحميل جميع أفراد هذه المجتمعات المسؤولية بالتساوي عن الإفراط في الاستهلاك. إذ توجد تفاوتات هائلة داخل هذه المجتمعات، وتقع المسؤولية الحقيقية على عاتق الشريحة العليا من الهرم الاجتماعي، وهي التي تُحدد أنماط الاستهلاك من خلال التسويق والإعلانات والسياسات الحكومية.

وعند وضع هذه القضية في سياق مصر، وغيرها من الدول النامية، يظهر هيكل مشابه من التفاوت الاجتماعي. فالفئات الأكثر ثراءً، إلى جانب الوكالات الدولية التي تديرها نخب الدول الغنية، هي من يُحدد ما يُعد مناسبًا للسياق المحلي. كما أنها تفرض أنماط الاستهلاك، وأولويات القضايا البيئية، وحماية الثقافة المحلية، والحفاظ على النظم البيئية، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.

وقد جاء قرارنا بالتركيز على هذه الفئة تحديدًا في دراستنا نتيجة لهذه العوامل. فالمدارس الخاصة في مصر تضم طلابًا من الفئات الأعلى دخلًا في البلاد. وهؤلاء الطلاب سيتولّون في المستقبل مناصب المسؤولية التي تُحدّد مسار الأمة. ولهذا السبب، تستهدف حملتنا لنشر الوعي البيئي هذه الفئة تحديدًا. فعندما يبلغ هؤلاء الطلاب السنّ التي تُمكّنهم من اتخاذ قرارات مصيرية تؤثر في البيئة، سيكون لديهم المعرفة الكافية للاختيار السليم أو على الأقل لفهم تبعات قراراتهم.

ويؤكد خبراء التعليم أن الأطفال يجب أن يُعلَّموا كيفية التفكير لا ماذا يفكرون (Tilt, 1996). وفي مصر، يُجمع المتخصصون في المجال التربوي على أن الطلاب يُشجَّعون على الحفظ والتكرار دون الاهتمام بالتفكير النقدي أو التحليل الفردي. ومن هنا يأتي هدف آخر لمشروعنا، وهو إشعال شرارة الوعي البيئي دون توجيه الأطفال نحو اتباع تعليمات جاهزة أو تبنّي أفكار مسبقة. ويهدف النشاط إلى تقديم معلومات دقيقة ومحايدة تُلهم الأطفال وتحفّزهم على الانخراط الفعّال في قضايا الحفاظ على البيئة، دون إملاء ما ينبغي أن يعتقدوه.

المنهجية

قمنا بتطوير استراتيجية لنشر الوعي البيئي من خلال وسائل متعددة، إلا أننا واجهنا بعض التحديات. أولًا، في مصر، هناك نقص كبير في المواد التعليمية المحلية المتعلقة بالقضايا البيئية. ثانيًا، واجهنا قيودًا مالية. وللتغلب على هذه التحديات، نظرنا في عدة خيارات، من بينها استخدام فيديو تعليمي يوضح واقع النظام الخطي الذي تُديره الشركات الكبرى. ورغم القيود المالية، قررنا إنتاج فيديو خاص بنا. فاستعنّا برسوم بيانية وأفكار مستوحاة من فيديو آخر، وابتكرنا نسخة تتناسب مع السياق المصري. وكتبنا نصًا مُعدًا خصيصًا للجمهور المستهدف، واستعنّا بمراهق لتقديم الرسالة للطلاب. ولحسن الحظ، وجدنا مُقدِّمًا شابًّا موهوبًا، قمنا بتدريبه على الوقوف أمام الكاميرا وإيصال الرسالة بفعالية.

يركز الفيديو على «اقتصاد المادة» ويقسّمه إلى خمس مراحل: الاستخراج، والإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك، والتخلص. ورغم أن هذه المراحل يُعتقد عادةً أنها تشكّل نظامًا متكاملًا، فإنها ليست كذلك بالكامل. كما يُبرز الفيديو مجموعة من المواد الخطرة الموجودة في المنتجات اليومية، والتي تُعدّ ضارة وبعيدة عن المفهوم البيئي.

وتشمل القضايا الرئيسية التي يتناولها الفيديو ما يلي:

  • الخلاصة: العواقب البيئية لتدمير الطبيعة (Silva, 2003)، وتشريد السكان (Clarke, 1993; UNFPA, 2001)، والتلوث (EPA, 2006).
  • الانتاج: موضوعات مثل استغلال البشر، والعبودية الرأسمالية (Todd, 2006)، والتكاليف الخارجية.
  • التوزيع: النظام العالمي لتوفير السلع الاستهلاكية للدول المتقدمة دون اعتبار للممارسات غير المستدامة المتضمنة.

  • الاستهلاك: آليات النظام الذي يُقنع الناس بأن قبولهم اجتماعيًّا يتوقف على استهلاك السلع المادية (Slade, 2006).

  • التخلص: حدود نظام اقتصادي خطي يعمل على كوكب بموارد محدودة (Hawken, 1999).

قمنا بعرض الفيديو على طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية في إحدى المدارس الخاصة الواقعة على طريق الإسماعيلية. شارك في الجلسة 58 طالبًا تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عامًا، من الصفين التاسع حتى الثاني عشر في نظام التعليم الثانوي الأمريكي. اعتمدت منهجيتنا على خطوتين رئيسيتين: أولًا، إنتاج الفيديو بهدف تعزيز وعي الطلاب البيئي، وثانيًا، تصميم استبيان لقياس تأثير الفيديو. تم توزيع الاستبيان قبل عرض الفيديو وبعده، كما جمعنا أيضًا أوراق تفاعل من طلاب الصفوف الأعلى.

وقد قدمت الردود على الاستبيانات وأوراق التفاعل رؤى قيّمة حول تصورات الطلاب تجاه القضايا العالمية وأهمية البيئة. كما قمنا بتسليم نسخة من الفيديو لإدارة المدرسة حتى يتمكن المعلمون من تكرار التجربة وتعزيز الوعي البيئي لدى الأجيال القادمة. ومن خلال التعرّف على التحديات البيئية في وقت مبكر من المرحلة الإعدادية، يستطيع الطلاب تنمية الوعي اللازم لإحداث تغيير فعّال. وعندما يكبرون ويبدأون في اتخاذ قرارات تؤثر في البيئة، سيكون لديهم القدرة على اتخاذ قرارات مدروسة، أو على الأقل فهم تبعات أفعالهم.

ومع مرور الوقت، يمكن لمثل هذه الجهود أن تُحدث تغييرًا فعليًّا، من خلال زيادة الوعي، والحفاظ على الموارد المتاحة، وتقليص أنماط الاستهلاك، وتعزيز مبادرات الاستدامة مثل إعادة التدوير (Young, 1994). ومن الجدير بالتأكيد أن المشكلات البيئية والاستدامة ليست قضايا محلية تخص مصر وحدها، بل هي قضايا عالمية. فعلى سبيل المثال، يُعدّ الاحتباس الحراري ظاهرة عالمية تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الجميع.

النتائج والتحليل

كما ذُكر سابقًا، زرنا إحدى المدارس الخاصة في مصر، وأجرينا استطلاعات باستخدام استبيانات. شارك في الاستطلاع عينة من 58 طالبًا، وشمل الاستبيان ثلاثة أجزاء. الجزء الأول تضمّن توزيع الاستبيان قبل عرض الفيديو. أما الجزء الثاني، فكان بإعادة طرح نفس مجموعة الأسئلة على نفس العينة بعد أسبوع من عرض الفيديو. وفي الجزء الثالث، طُلب من الطلاب كتابة أوراق تفاعل تعكس رؤيتهم بعد مشاهدة الفيديو.

وبناءً على إجابات الاستبيان، لاحظنا ما يلي: قبل مشاهدة الفيديو، اعتقد 31 طالبًا من أصل 58 أن الفقراء يتسببون في أضرار بيئية أكثر من الأغنياء. لكن بعد مشاهدة الفيديو، انخفض هذا الرقم إلى 13 طالبًا. وفي المقابل، أقرّ 46 طالبًا في البداية بأن السكان في المناطق الفقيرة يعانون من المشكلات البيئية أكثر من نظرائهم في المناطق الثرية. وبعد عرض الفيديو، ارتفع هذا العدد إلى 50 طالبًا.

كما أظهرت التقارير المكتوبة ونتائج الاستبيانات أن الطلاب لديهم الاستعداد لتغيير أنماط استهلاكهم. وقد تمثل هذه التغييرات فائدة كبرى للبلاد، لأن هؤلاء الطلاب هم قادة المستقبل، وقد يكونون قادرين على سن قوانين أكثر صرامة للمستثمرين الراغبين في دخول السوق المصري، أو التأثير على صانعي القرار ومجتمعاتهم. فعلى سبيل المثال، قد يساهمون في وضع أطر بيئية أساسية للمستثمرين المحتملين، وهو ما يُعرف بمفهوم «الاقتصادات المسيّسة». علاوة على ذلك، فإن وعيهم بعواقب المشكلات البيئية قد يساعدهم في التأثير على السياسات العامة وتشكيل وعي مجتمعاتهم بما يدعم مبادئ «التنمية المستدامة».

وبعد مشاهدة الفيديو، أصبح الطلاب أكثر وعيًا بخطورة المشكلة، كما أظهرت التغيرات في نتائج الاستبيان. على سبيل المثال، قال أحد الطلاب: «بعد مشاهدة هذا الفيديو، سأضع في اعتباري العديد من الجوانب، مثل كيفية التصرف بطريقة مختلفة بدءًا من العادات اليومية البسيطة لنعيش في مكان أفضل». وقال آخر: «أريد أن أوضح أننا يجب أن نبدأ في توخي الحذر أكثر بخصوص الموارد، لأننا بدأنا نصل إلى مرحلة قد لا نجد فيها موارد للحياة، وبالطبع لا يمكن أن يكون هناك كوكب آخر».

وأضاف طالب آخر: «إذا حاولنا التحكّم في رغباتنا واحترام كوكبنا، يمكننا أن نحظى بحياة أفضل على الأرض». وقال آخر: «علينا أن نستيقظ فعلًا لإنقاذ كوكبنا». وأخيرًا، قال أحد الطلاب: «يجب على كل الناس مشاهدة هذا الفيلم الوثائقي لمعرفة الحقيقة عن المنتجات التي يشترونها، وفهم فوائدها وأضرارها، حتى يمكنهم استخدامها بالشكل الصحيح دون أن تضرّهم بأي شكل».

تُظهر هذه الردود بوضوح كيف أصبح الطلاب أكثر وعيًا بالمشكلة، وبدأوا في طرح اقتراحات مدروسة من أجل حياة أفضل.

الختام

استنادًا إلى محتوى الفيديو وردود فعل الطلاب، وجدنا أن معظم الطلاب لم يكونوا في البداية على دراية بأهمية وخطورة الوضع البيئي. كما أن نقص المواد التعليمية المتعلقة بهذا الموضوع جعل الطلاب غير قادرين على تكوين فهم واضح للقضايا المطروحة. ومع ذلك، أظهر الطلاب بعد مشاهدة الفيديو اهتمامًا واضحًا واستعدادًا للتغيير.

ولو تم توزيع هذا الفيديو على المدارس المصرية، فسيحصل الطلاب على فرصة ثمينة لتقييم الوضع بشكل نقدي، وفهم ما يجري، واتخاذ قرار بشأن ما إذا كانوا راغبين في تغيير الأنماط الحالية. وعلاوة على ذلك، حتى إن قرر بعض الطلاب عدم إجراء تغييرات، فإنهم على الأقل سيكتسبون فهمًا أعمق للقضايا المطروحة.

المراجع

Clarke, John I. Education, Population, Environment and Sustainable Development. Netherlands: Kluwer Academic Publishers, 1993.

Deaton, Angus. “Health, Inequality, and Economic Development.” American Economic Association. Massachusetts, 2003.

Hawken, Paul, Amory Lovins, and L. Hunter Lovins. Natural Capitalism. 1st ed. Little, Brown and Company, Back Bay Books, 1999.

Howarth, Richard B., and Richard B. Norgaard. “Environmental Valuation under Sustainable Development.” American Economic Association. Berkeley, CA, 1992.

Human Development Report, 2007/2008: Fighting Climate Change: Human Solidarity in a Divided World. New York: UNDP, 2008.

Marynowski, Susan B., and Susan K. Jacobson. “Ecosystem Management Education for Public Lands.” Allen Press,Florida, 1999.

Population Reports. “Population Education in the Schools.” Series M, no. 6 (March-April 1982): 61. Baltimore: Population Information Program, The Johns Hopkins University.

Silva, Eduardo. “Selling Sustainable Development and Shortchanging Social Ecology in Costa Rican Forest Policy.” Latin American Politics and Society 45, no. 3 (2003): 93–127.

Slade, Giles. Made to Break. Boston: Harvard University Press, 2006.

Stern, P.C., O.R. Young, and D. Druckman, eds. Global Environmental Change: Understanding the Human Dimensions. Washington, DC: National Academy Press, 1992.

Tabbarah, Riad B. “Population Education as a Component of Development Policy.” Population Council, New York, 1976.

Tilt, Whitney. “Moving Beyond the Past: A Grant-Maker’s Vision for Effective Environmental Education.” Wildlife Society Bulletin 24, no. 4 (Winter 1996): 621–26. Washington, DC: Allen Press.

Todd, Benjamin. “Congo, Coltan, Conflict.” The Heinz School Review 3, no. 1 (March 15, 2006).

UNESCO. Population Education: A Contemporary Concern. Educational Studies and Documents, no. 28. Paris: UNESCO, 1978.

UNESCO-UNEP. Environmental Education: Selected Activities of UNESCO-UNEP International Environmental Education Programme 1975-1990. Paris: UNESCO-UNEP, 1990.

UNFPA. The State of World Population 2001.

Wakefield, Julie. “Environmental Education: Teaching Sustainability.” Environmental Health Perspectives 111, no. 5 (2003).

Wilbrath, Lester W. Learning to Think Environmentally. Albany: State University of New York Press, 1996.

Young, John, and Aaron Sachs. The Next Efficiency Revolution: Creating a Sustainable Materials Economy.Worldwatch Institute, 1994.U.S. Environmental Protection Agency. “Toxics Release Inventory.” 2006. http://www.epa.gov/tri.