على رغم عدم كارثية الأزمة الاقتصادية على مصر مقارنة بالعديد من دول العالم الأخرى، لايمكننا أن ندعي الاطمئنان في ظل توابع هذه الأزمة على العديد من القطاعات المصرية كسوق المال والسياحة والسيارات وغيرها، ناهيك عن توقع بانخفاض معدل النمو إلى 4.8 بالعام 2009، غير أن الرياح السياسية العالمية يبدو أنها تسير بصالح مصر. فبعد العدوان الهمجي في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة والتي استأسدت بالصمت العالمي والوهن العربي وفي ظل غياب الإدارة الأمريكية عن سدة الحكم، والتى لم تنجح في تحقيق أدنى أهدافها السياسية على الأرض بعد عمليات الدمار الشامل والتصفية العرقية في محرقة غزة، جاءت تصريحات أوباما بعيد توليه السلطة ومن قبله قرار قمة الكويت الاقتصادية بإطلاق صندوق إعادة إعمار غزة إلى جانب الاهتمام الأوروبي القوي بتحسين الصورة لدى العالم وخاصة مواطنيهم الغاضبين، كل ذلك دفع كل اللاعبين على وتر القضية الفلسطينية دفعا باتجاه التعجيل بانعقاد مؤتمر خاص بهذا المشروع عل أرض مصر.

وعلى الرغم من المعارضات الشعبية في أنحاء الشارع العربي وخاصة في أول أسبوعين من العدوان، والمنتقدة بحدة للدور المصري في التعامل مع هذه القضية، وتعدد المحاولات من المراهنين على قدرتهم في لعب دور ما والظهور بأي جزء من الصورة، ظهرت القوى المؤثرة في القضية مؤكدة على أن الدور المصري هو الوحيد المسموح له بالتواجد من بين كل الطامحين العرب. والآن وبعد التأكيد على هذا الدور بالعزم على انعقاد هذا المؤتمر على الأراضي المصرية، كيف ستستفيد مصر اقتصاديا من هذا الوضع الداعم لدورها حتى ولو انتقده الجميع؟

بعيدا عن التفاصيل والأبعاد السياسية لمجمل القضية الفلسطينية عامة والحرب الأخيرة على غزة خاصة، دعونا فقط نسلط الضوء على البعد الاقتصادي لكل ما سبق. أولا وحتي من قبل العدوان على غزة، علينا أن نتذكر جيدا أن مصر عن طرق معبر رفح هي النافذة الوحيدة على العالم لهذا القطاع المنعزل. وذلك العامل لا يمكن تجاهله إطلاقا في الحركة التجارية والخدمية لأهل غزة التي لايمكن تقديمها إلا عبر الجانب المصري، مما أدى وعلى فترات متناوبة إلى موجات من النشاط الاقتصادي الموجه لهم من أهل سيناء خاصة وباقي مصر عامة. وقد كانت تلك الموجات تشهد صعودات وهبوطات حادة بناء علي قرارات فتح وإغلاق المعبر، وحتى في ظل الحصار الغير إنساني على القطاع لم يغلب الفلسطينيون في استمرار هذا التواصل الاقتصادي عبر الأنفاق بين الجانبين.

أما الآن وبعد انتهاء الحرب على غزة والتغطية الإعلامية الغير مسبوقة بتلك التفاصيل التدميرية الواقعة في القطاع أمام مرأى الرأي العام العالمي، والذي أجبر قادة العالم باتخاذ أدنى المواقف الإنسانية وهو إعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية، أصبحت مصر من جديد النافذة الوحيدة على غزة من أجل تنفيذ إرادة العالم بالتعجيل والدفع الفوري لتلك العملية من أجل تحسين الصورة بالغة التشويه، وذلك حتى على الرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعاني منها كل المانحين بما فيهم مصر وإن لم تكن منهم، فهي الوسيلة الوحيدة.

جاء ذلك من حسن طالع الاقتصاد المصري في ظل الظروف الحالية والصورة المتشائمة إلى حد ما والمدعومة بتراجع العديد من القطاعات الحيوية المحلية. وعلى الرغم من عدم وضوح آلية الإعمار بعد، سواء كان ذلك بتيغييب حكومة حماس عن الصورة أو فشله، فهو سيحدث لامحالة أيا كانت الأليات أو الخلفيات للمشاركين في إدارة الصندوق. وبالتالي، ومن ظل هذا الاطمئنان المصري بالتأكيد العالمي على محورية الدور، قد تناقلت الأخبار بالفعل عن تدافع العديد من الشركات المصرية الراغبة في المشاركة بالمشروع بغض النظر عن أي موقف سياسي، وحتى وإن لم تفعل فالاستفادة لا يمكن تجنبها فأضعف الإيمان هنالك فرصة كبيرة لنمو قطاع واسع من الخدمات الموجهة لهذا المشروع، مما سيؤدي حتما لتخفيف من وطأة الأزمة المحلية، وهو ما يمكن وصفه بأنه على كل الأحوال “فوائد” على رغم مصاب “قومنا” بغزة.

نشر أولا بجريدة البورصجية.