في حلقة السمك علي السواحل المصرية، تتداخل صور النشاط التجاري بشكل ربما يبدو بدائيا لكنه في الواقع أحد الصور الاقتصادية شديدة الاحتراف على رغم قدمها. تأتي المراكب من البحر وتصطف أمام مدخل الحلقة المائي بترتيب من يصل أولا. وفي السادسة صباحا تبدأ عملية التوريد لتاجر الجملة بشرط إعطاء الامتياز “لريس” المركب الأول أن يضع السعر الذي يحلو له علي كل صندوق سمك، في حدود المقبول طبعا ولكنه دائما صاحب الكلمة الأخيرة. ثم يأتي الدور على المركب الثاني وعليه حينها أن ينزل قليلا عن سعر سابقه بحكم أنه لم يصل أولا على افتراض أن السلعة لم تكن قد عرضت في السوق بعد، وهكذا تسير الأمور إلى أن ينتهي يوم العمل.

ثم يأتي بعدها دور البائعين في شراء السمك من الحلقة في مشهد آخر شديد الانضباط، حيث يتبع تاجر الجملة أسلوب المزايدة في توزيع مخزونه الذي حصل عليه من المراكب. فيبدأ البائعين المزايدة على بعضهم طبقا لرؤيتهم الخاصة لاحتياج المستهلك وقدرته على الشراء، في ظل الحرص على منافسة الآخرين في الحصول على أفضل سمك بأقل سعر. وهذا المشهد خال من أي تدخل بيروقراطي قد يصيب هذه الانسيابية بأي نوع من التشوه أو الاعوجاج، غير أنهم جميعا بشر وبهم الصالح والطالح ومن المنطقي أن تحدث بعض التواطؤات. لكن العجيب في هذا النظام الذي يبدو بدائيا أن السوق دائما مفتوح وقابل للحراك باتجاه عودة النظام، فقد يلجأ البائع للشراء من المركب مباشرة في حين فساد الحلقة، أو اللجوء لحلقة أخري، أو بمنتهي البساطة الاستعاضة عن السمك المحلي ببديله المستورد والأقل سعرا.

تماما كما هو المفروض أن يحدث في اقتصاد السوق الحر انطلاقا من مبدأ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والمبادرة الفردية والخصوع لتفاعلات العرض والطلب والمنافسة الحرة بعيدا عن أي قيد احتكاري، والذي لا يعنى على الإطلاق التخلي عن الدور الذي قد تلعبه الدولة كمنظم لهذا السوق. غير أن هذه الصورة المثالية والمنطقية يبدو أنها غير موجودة بواقع آليات الاقتصاد المصرى والذي يحاول جاهدا الوصول لما يسمى تحرير السوق، غير أنه لم يستطع حتى أن يرتقي لآليات “سوق السمك” والتي توصف بأنها بدائية.

فالواقع أن الاقتصاد المصري ومنذ اعتماد آليات السوق الحر وقع فريسة لإرث ثقيل من الممارسات الاشتراكية الملتصقة بأدوات المطبخ الاقتصادي المحلي، والتي يبدو أن طباخينا لم يعرفوا بعد كيف لهم أن يغسلوا صحونهم جيدا قبل تقديم وجباتهم الحرة للسوق. فتأتي لنا بأطباق غريبة المذاق وفاقدة الهوية كخليط من المتناقضات التحررية المصحوبة بكثير من التدخلات التي قلما أن تكون صحيحة. جمارك على السلع الخطأ، دعم غير موجه ولا مدروس، وقيود يسمونها تنظيمية وهي لاتخرج عن كونها في صميم البيروقراطية. وفي حقيقة الأمر، إن التدخل من أجل التنظيم هو أمرا ليس مرفوضا في اقتصاد السوق الحر، لكنه من المؤسف أن من يعتمد عليهم في تلك المسؤلية هم غاسلي الصحون الذين فشلوا في التخلص من بقايا الاشتركية فتم ترقيتهم إلى رتبة طباخين.

غير أن ما سبق كله لا يخرج عن نطاق حسن النية وعدم التعمد في الإضرار بالصالح العام، أما ما يمكن إضافته على تلك الخلطة المصرية الخاصة بتحرير السوق والذي يعد بعيدا كل البعد عن حسن النية هو أزمة الشفافية فيما ندعي تسميته “بالسوق الحر”. أي حرية يتحدث عنها صانعي القرار الاقتصادي بمصر في ظل قرارات مركزية غير مدروسة تتصف بالمحدودية في التعامل مع مشكلات طارئة بعينها أو حتى غير طارئة مع غياب التصديق البرلماني عن معظمها، أما المأساة الحقيقية فتكمن في قدرة هذه القرارات والاستراتيجيات في التسرب إلى آذان منعدمي النزاهة من أصحاب المال قبل الجميع، فيصبحوا في ليلة وضحاها أسياد هذا المجتمع المتخبط على طريق تحرير السوق.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.