بدأت التحليلات الاقتصادية لمفهوم الإعلان وتأثيره على السوق في ثلاثينيات القرن العشرين، أي بعد مضي حوالي ثلاثة عقود على أولى الحملات الإعلانية بمفهومها الحديث والتي كانت لإحدى ماركات الدخان والمعروفة ب “كاميل” والتي تبعتها حملة أخري لعبوات “كيلوج” الغذائية. وقد بدأت هذه التحلايلات بمنظور شديد السلبية والهجوم على الدور الذي تلعبه الدعاية في تحريك السوق، حيث اتهمها الاقتصاديون وقتها بكونها ممارسة احتكارية وإهدار للمال إضافة لوصفها بأنها مضللة وغير عادلة في تاثيرها على المنافسة الحرة.
وعلى مر العقود تغير وتطور محتوى الإعلان ولغته وأصبح أكثر إثارة لرغبات المستهلك مستغلين الطبيعة الفردية لأي إنسان بالجري وراء أي وعد بالسعادة أو تحقيق الغاية حتى ولو بأتفه الكلمات. وعود ووعود بكل إعلان يحس فيه المستهلك بأنه لايقل عن نجوم الفن والرياضة أو حتى أجرأ المغامرين. “كن أسعد إنسان بالعالم”، “نحن الأفضل”، وغيرها الكثير والكثير من الشعارات التي تترسخ في ذهن المستهلك المسكين والذي أصبح سريع التأثرحتى بالأغاني الدعائية الخالية من اي مضمون تماما كما حدث مع المصريين حين ظلوا يرددون “محمود إيه ده يامحمود” لأعوام حتى من بعد توقف الإعلان مع نهاية الثمانينيات. ولكنها على أي حال هي ليست أسوأ أو أكثر تضليلا من الحملات السياسية رنانة الوعود ولا حتى تتصف بكونها كارثية العواقب كإعلانات “أريد زوجا”.
والمطلع في عجالة على الإحصائات التي تصدرها مؤسسة “عصر الدعاية” الدولية، يجد أن الإعلان كنشاط اقتصادي منذ الأربعينات وحتى اليوم كان يمثل حوالي 2% (بصورة شبه ثابتة) من إجمالي الناتج القومي للولايات المتحدة على سبيل المثال والكثير من الدول الأخرى كذلك، مما يفتح بابا للبحث في العلاقة التي تبدو وكأنها طردية بين حجم الإنفاق عليه ومعدل النمو الاقتصادي، فإذا زاد المنتجون منه زادت فرص النمو، وكذلك يبدو أن العكس صحيح. ومن هنا ارتفعت أصوات المؤيدين لفكرة الدعاية كسبيل للحراك الاقتصادي، إضافة إلى كونها رافدا مهما لاستمرار العديد من الوسائل الإعلامية الهامة كالصحافة والراديو والتليفزيون والتي من الصعب أن تستمر بدون الموارد المالية التي يوفرها المعلنون.
غير أن الناقدين هنا لمبدأ الإعلان يعارضون بشدة فكرة المنطق التجاري للإعلام والذي من الطبيعي أن يهادن المعلنين لدى مؤسساته خوفا من انقطاع هذا المورد المالي الهام لبقاء الجريدة أو القناة التليفزيونية إذا ما هاجمت أو انتقدت ما قد يتسم بالممارسات الغير منضبطة أو حتى الاحتيالية من هؤلاء، مما يسقط المبدأ الأساسي للإعلام الحر كوسيلة للتنوير وليس للتضليل ولو حتى عن طريق غض الطرف. ومن هنا يأتي الدور الهام للمؤسسات الرقابية في التحقيق والمتابعة لمثل هذا النشاط الخطير على المجتمعات وسلوك الأفراد الاستهلاكي أو حتى سلامتهم.
وفي سياق الخوف من الممارسات الاحتكارية الناتجة عن كبار المنتجين القادرين على تمويل حملات إعلانية ضخمة، كانت للاقتصادي الشهير هنري سيمونز في الأربعينات نزعة للخوف من الإعلان لخصها في قوله “الدعاية هي العائق الرئيسي للمنافسة الحقيقية والخدمة الجيدة للمستهلك”. وهو اتجاه نمى في العقود التالية حيث رأى المحللون أن الإعلان المكثف لماركات محددة يحد أو قد حتى يجعل من الصعب جدا على منتجات أخرى أن تدخل السوق بسبب تعلق المستهلك بسلعة كثيفة الإعلان. وهو ما دفعهم أيضا للقول أن المستهلك قد يصبح اقل حساسية للأسعار مما يجعله غير مدرك لكونه يدفع أكثر من اللازم، وذلك بالطبع نتيجة لتحميل كلفة الإعلان على السلعة، ومن المنطلق تأتي أهمية التسعير حتى في الحملات الإعلانية، وذلك من أجل إعطاء المستهلك المغيب فرصة للمقارنة الحقيقية والواعية في سوق من المفترض أن يكون مبنيا على المنافسة الحرة.
ومن هنا يأتي الدور التنظيمي للدولة كرقيب فاعل ومسؤول عن المستهلك البسيط في حمايته من الغش التجاري والممارسات الاحتكارية المضللة والغير عادلة، حيث يتوجب عليها الوقوف بثبات أمامها والضرب بقوة على أيدى أصحاب المطامع غير العابئين بمجتمعاتهم. فما أكثر المنتجات الغذائية وغير الغذائية ذات الضرر البالغ على مشتريها والتي قد يكتشف لاحقا أنها كانت مسرطنة على سبيل المثال على رغم حصولها على كافة الموافقات الإنتاجية “بتصريح من وزارة الصحة ياباشا”. وهو أمر في معظمه لا يمثل تواطؤا ولكنه يعبر عن عجز وضعف عميق في آليات البحث الخاصة بحماية المستهلك، وهنا أيضا يكمن الضعف أو ربما قلة الحيلة لدى مؤسسات المجتمع المدني كجمعيات حماية المستهلك في أن تخرج من كونها حبرا على ورق في ظل ضعف النظام الرقابي الرسمى على المنتجين وحملاتهم الإعلانية المحركة لسلوك المجتمع الاستهلاكي.
نشر أولاً بجريدة البورصة.