من المعروف أن الحكومات تعد هي المحتكر الأول في ظل معظم الأنظمة الاقتصادية. وهذه الممارسة المتناقضة مع مبادئ اقتصاد السوق الحر قد تكون مقبولة بصورة ما انطلاقا من مبدأ الحماية لبعض القطاعات الحساسة لدى الدول الرأسمالية. فعلى سبيل المثال قد يكون من المنطقي ألا يتم تحرير قطاع الصناعات العسكرية أو النووية أو حتى التكنولوجية العالية من أجل تجنب الدخول في فوضى انتاجية قد تكون مدمرة. ومن الدول الرأسمالية الرائدة فى تطبيق هذا المبدأ بالطبع، الولايات المتحدة في تكنولوجيا الفضاء، وبريطانيا في الانتاج العسكري وغيرها الكثير والكثير من الدول المتقدمة وحتى النامية كل على حسب تميزه.
غير أن صناعة الطيران المدني في معظم أنحاء العالم، ومع نهاية السبعينات قد خرجت من تحت عباءة رعاية الدولة واحتكارها لها، أو بمعنى أدق قد تحررت من سيطرة السياسيين وتركت للتفاعل بمنطقية مع آليات السوق استجابة للعرض والطلب. فالطيران المدني ماهو إلا خدمة تقدم لعامة المواطنين في ظل حقهم “الافتراضي” في السفر وحرية التنقل. وهي صناعة بالغة التشابك والتعقيد فيما يطلق عليه اقتصاديا الصناعات الشبكية، وهو ذلك النوع الخاص الذي يصعب على الحكومات أن تديره بأفكارها مركزية القرار أو تطويره استجابة لآليات السوق.
إنه فعلا من الملفت للانتباه أن نجد أن المواطن الأوروبي ذو الدخل المرتفع قادرا على أن يسافر جوا من مدريد في أقصى غرب قارته إلى إسطنبول في أقصى شرقها تقريبا بعشر ما قد يدفعه المواطن المصري منخفض الدخل فقط للذهاب إلى جارته ليبيا على سبيل المثال. إنها حقا مفارقة غير عادلة ومعوقة لحق المواطن في التحرك والسفر عبر حدوده الجغرافية، وذلك ليس نتيجة إلا لاحتكار الدولة لحق إدارة الطيران المدني المصري في واقع مخالف لما قد وصل إليه العالم من حرية لهذا النشاط الاقتصادي الهام.
والتحرير الاقتصادي للطيران المدني في العالم قد جاء كجزء من سلسلة تحركات هدفت في مجملها لرفع القيود عن هذا القطاع بعد أن أدرك صانعو القرار أن الساسة لم يعد بمقدورهم أن يقدموا ما قد يفيد الصالح العام في هذه الصناعة، ولم تكن هذه التوجهات حكرا على دولة دون الأخرى أو فرضا من أحد، بل كانت توجها عالميا قد سبق فيه الآسيويون منافسيهم الأوروبيون والأمريكان. فلقد كانت الأسعار مرتفعة ونسبة الإشغال منخفضة إلى ما دون ال 50 بالمئة، أما الآن وفي ظل المنافسة بين خطوط الطيران قد ارتفع بالفعل عدد المسافرين وزاد عدد الرحلات وانخفضت الأسعار وبالطبع ارتفعت نسبة الإشغال العالمية إلى 74 بالمئة طبقا لإحصاء عام 2003 للطيران المدني، غير أن السيطرة على البنية الأساسية لهذه الصناعة ظلت بيد الحكومات، ولم لا!
ومنذ بداية هذه النزعة التحريرية للطيران المدني، ظهر ما يعرف حاليا بالطيران منخفض الكلفة أو”إل سي سي” وهو عبارة عن تلك الخدمة المحدودة التي تقدمها شركات الطيران للمسافرين من أجل تقليص التكلفة على متلقي الخدمة من العامة، وقد وصلت حصة هذا النوع من الشركات في السوق العالمي إلي 30 بالمئة من إجمالي تلك الصناعة. وذلك بعد الإقبال الكبير عليها من البسطاء وحتى الأثرياء، فمن منهم يريد أن يدفع أضعاف التكلفة من أجل عيون مضيفة هيفاء بتنورة قصيرة تنظر في عينيه وتسأله برقة عن مدى إعجابه بالخدمة. كلها أمور أصبحت من الماضي الغير عملي ومن المتوقع أن يستحوز هذا النوع من الشركات على أكثر من 50 بالمئة من السوق في السنوات القليلة القادمة.
إن احتكار وزارة الطيران المدني لهذا القطاع الحيوي الهام بمصر يبدو أنه قد أضر أكثر مما قد أفاد، فتذاكر الطيران من وإلى مصر تعد من أكثر الأسعار جنونا في العالم، والخدمة على طائراتنا ما شاء الله أفضل قليلا من أتوبيسات شرق الدلتا، والانتقاد لهذا القطاع مسجل بمعظم كتب الإرشاد السياحي الدولية. هذا ناهيك عن جانب هام من أهمية تحرير هذا القطاع بمصر وهو حركة الشحن الجوي والتصدير للخارج، فتأخر هذا القطاع وبيروقراطيته وكلفته الباهظة في مصر هي حقا تعد معوقا رئيسيا أمام الكثير من السلع المصرية وخاصة الغذائية منها وقصيرة مدة الصلاحية في الوصول للمستهلك الأجنبي في ظل تبشير الحكومة المستمر بالوقوف إلى جانب المصدر المصري.
هذا المقال نشر أولا بجريدة البورصة.