دائما ما يطل علينا من شاشة التليفزيون الكثير من الوجوه العتيقة مع احترامنا لهم مرددين نفس الجملة بعجرفة وحسرة “الفن خلاص بقى تجارة” وكأنه لم يكن قبل ذلك. والغريب في هذه الملاحظة كثيرة التردد هو انتقالها حرفيا لأوساط أخرى كأوساط المخرجين والنقاد والصحفيين وكذلك العامة حتى مرسي خراط وش السلندر أصبح يؤمن بذلك وكأن الفن كان قديما رسالة سماوية وأن على رسله تقديم الغالي والنفيس من أجل هداية الكون. غير أن الواقع مخالفا تماما لذلك، فالفن كان منذ قديم الأزل وحتى الآن نشاطا اقتصاديا لا يمكنه البقاء بدون آليات السوق كالعرض والطلب.

ربما يرى البعض الفن على أنه منتج ذو طبيعة خاصة وهم فعلا على حق، غير أن هذه الطبيعة الخاصة لا تتناقض على الإطلاق مع كونه سلعة تباع وتشترى وتخضع لمبادئ وبديهيات الاقتصاد العامة. ومن المعروف اقتصاديا أيضا أنه كلما زاد ثراء المجتمع ازداد الطلب على الأعمال الفنية مما يتيح للفنانين الاجتهاد أكثر في ابداعاتهم والانتقاء لما يناسب ميولهم واتجاهاتهم. ومن الطرائف التاريخية عن تجارية الفن أن بابا الفاتيكان ذهب بنفسه متوسلا لمايكل أنجلو من أجل إنهاء عمله الشهير “سيستن تشابل” حيث كان هناك الكثير من الطلب على أعماله مما جعله من أغلى الفنانين في عصره.

وعلى العكس من الرأي الشائع بأن المحفزات والعوائد الاقتصادية للفن تفسده، يتجه الكثير من الباحثين لمعارضة هذا الرأي، فقد وجدوا أن رموز الفن العالمي والمحفورة أسماؤهم بالتاريخ في حالة عشق للربح بل إن بعضهم كان ذلك هدفه الأوحد. ففي قراءة لمراسلات باخ وموتسارت وبتهوفن وغيرهم، اتضح أنهم جميعا كانوا مهووسين بجمع المال. وقد كتب موتسارت في أحد مراسلاته الشخصية قائلا: “صدقني، إن هدفي الأوحد في هذه الحياة هو جمع أكبر قدر ممكن من المال.” ولم يتناقض ذلك أبدا مع جودة ورقي إنتاج مثل هؤلاء من العلامات الفنية التاريخية.

إذا! إن تأثير التجارة على الفن هو في معظمه إيجابي ويدعو إلى التنوع ودعم الإبداع اقتصاديا، لكن على العكس تماما، الحماية من التأثيرات التجارية على الفن لم تجلب له غير التعثر. فيذكر هنا على سبيل المثال التجربة السينمائية الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية حيث قدمت الحكومة وقتها برنامجا حمائيا مصحوبا بكثير من الدعم المالي لهذا القطاع الفني، فلم يجن غير التأخر والتخلف عن المنافسة العالمية بعد أن كانت الأفلام الفرنسية سلعة عالية الطلب قبل تطبيق تلك الحماية عليها. أما الحكومة الأمريكية بجلال قدرها فلم يتعدى على الإطلاق إنفاقها على كل أشكال الفن 170 مليون دولار سنويا، وهو مبلغ قد لا يكفي ميزانية فيلم واحد من إبداعات هوليوود.

باختصار، الفن هو نشاط اقتصادي طبيعي غير أنه ذو طبيعة خاصة وتلك هي الحقيقة، وعلى الرغم من المكانة العالية للفنون في وجداننا غير أن بقائها مرتبطا كليا وجزئيا بزيادة الثروة بالمجتمع والتجارة بها كما أثبتت التحليلات، وكل ذلك من أجل صالح الفنان ومن يستمتع بعمله، أو بمعنى آخر “المنتج والمستهلك”. إذا علينا أن نتوقف عن ترديد تلك العبارة الخالية من الصحة كالببغاوات ونقر بأن الفن هو نشاط اقتصادي لا تغيب عنه الرسالة، وأن الحماية أو الدعم لا يجلب سوى التأخر عن تلبية الطلب المجتمعي لما يناسبه ذوقه من فنون.

ربما يقول البعض أن دعم الحكومة المصرية للسينما في الستينات أتى لنا بتلك الروائع من الإبداعات فيما قد يسمى بالعصر الذهبى للسينما المصرية، غير أنه لم يأتي لنا سوى بجيل من الفنانين والمبدعين الذين عجزوا عن تقديم عمل هادف ومربح في نفس الوقت حين لم تعد الدولة قادرة على الإنفاق، فترك السوق فارغا لأفلام اللمبي عالية الربحية والمدمرة للذوق العام في ظل عجز أصحاب الفن الحقيقيين عن الوصول للمجتمع. ناهيك عما يأتى به الفن المدعوم من المآسي الفنية والتي صورت الثورة علي سبيل المثال على أنها خلاصا للروح المصرية، وأن الملكية لم تكن سوى عصابة لمصاصي الدماء، غير أن مرسي خراط وش السلندر المسكين مازال يردد نفس العبارة المضللة متجاهلا كل الحقائق.

هذا المقال نشر سابقا بجريدة البورصة.