على الرغم من من ظاهرة الاحتباس الحراري وتقلبات المناخ والشتاء الذي أتى هذا العام متأخرا، وناهيك عن السحابة السوداء وغبار القاهرة وبرد الليل القارس وحرارة النهار الغير متوقعة، مازال يؤمن الكثير من الأجانب بأن شمسنا مازالت “حلوة” وهذا بالطبع من حسن طالع هذا البلد المسكين. على أي حال تأتي القصة باختصار في أن صديقتي السويدية قررت أن تستدفئ بشمسنا من برد أوروبا القارس وأن تزورني الأسبوع الماضي، وبدون شك زرنا الأهرامات وخان الخليلي والقلعة وما إلى ذلك تماما كما يفعل السياح في ارض المحروسة. ولكنني أرد أن أتناصح وقررت أن أصطحبها إلى أماكن أخرى ليست بشهرة ما سبق ولكني أحسبها محورية في طبيعة التاريخ المصري وتركيبة هذا الشعب العجيب.
إذا! خصصت يوما لما يسميه البعض مجمع الأديان بمنطقة مصر القديمة حيث يوجد جامع عمرو بن العاص والمعبد اليهودي والكنيسة المعلقة، والحمد لله مرت زيارة الجامع على خير، لكن الخير لم يدم طويلا حيث قابلنا شرطيان وابتسما لنا سويا مرحبين بنا في مصر بلغتهم الإنجليزية الخاصة وسألنا أحدهما عن جنسيتنا فأخبرته صديقتي بأنها سويدية من أصل أمريكي وأخبرته فخرا بأني مصري، غير أن ابتسامتهما قد تبددت على الفور وتحولا إلى ضابطي مرور في “ساعة زنقة” عندما يتطلب المزاج تكون ساديا فأصرا على التحقق من هويتي الشخصية حماية “للخوجاية” البريئة والتي من جانبها وتعاطفا معي استاءت جدا من معاملتهم لي، غير أن الأمر استلفت انتباهي وقررت المضي باللعبة.
قابلتني مجموعة أخرى من رجال الشرطة على مدخل المعبد اليهودي وتكرر السيناريو، غير أنني عوجت لساني وتحدثت بلهجة شامية وكانو جميعا في سعادة بلهاء مرحبين بي في بلدي الثاني مصر ولم يسألوا عن هويتي الشخصية. وتارة أخرى قبل الكنيسة تحدثت بلهجة مصرية “مكسرة” فجاملني أحدهم “نورت ياباشا” وكأن الجميع يعملون في شركة الكهرباء أما أبناء البلد قد جاءهم التعيين في مصلحة المجاري والتي ربما قد أصابتهم ببعض الأمراض الوبائية والتي يخافون أن ننقلها للسياح والعياذ بالله. لكن الحقيقة أن هؤلاء الوافدين ليسو بحمقى أو مكففوفين عن رؤية تلك التفرقة المتأصلة بوضوح في اختلاف المعاملة بيننا وبينهم في أي مكان قد يفكرون في الذهاب إليه، والتي فعلا تسئ إليهم تماما كما تسئ إلى كرامتنا فمعظمهم يأتي من بلاد تعرف معنى حقوق الانسان.
الحق كل الحق مع من ينادي بتطوير القطاع السياحي وتنشيطه “وتنظيفه” من كل ما يعوق انطلاقه من أجل الاستغلال الأمثل لتلك الثروة التاريخية التي لا تقدر بثمن. وخاصة في استمرار رغبة العالم من جميع الجنسيات أن يستمر في المجيء إلى مصر رغم ما قد يحدث من اعتداءات بين الحين والآخر. ولكنه من المرفوض بديهيا أن تكون تلك التحركات على حساب أبسط حقوق المواطنة في أن يتساوى على الأقل إبن هذه الأرض مع من يزورها في أن يعامل باحترام، فما الغاية إذا من الدفع الاقتصادي لقطاع السياحة إن كان مصحوبا بانتقاص من كرامة المواطن المهددة في الأصل بما يكفي من التحديات اليومية الأخرى.
إن ما يعلمنا إياه اساتذة علم الاقتصاد في كتبهم أن الهدف الأوحد لصانع القرار الاقتصادي أن يعمل على الاستغلال الأمثل لموارد أيا من بلد بغاية تحقيق رفاهية شعبها. وتلك الرفاهية من المؤكد أنها لايمكن أن تكون مصحوبة بسقوط أي من الحقوق المتعارف عليها دستوريا حتى في “بلاد نمنم” وهى ما يسمى بالمساواة. فإن كان شرطا للنهوض بقطاع السياحة في مصر أن تكون تلك الممارسات من سماته، فعفوا إن كنت سأتمنى حينها أن نتخلف سياحيا. فمن قال أن التنشيط السياحي يجب أن يكون مصحوبا بفوضى قانونية كما يحدث في شوارع القاهرة أو أخلاقية كما نرى على شواطئ البحر الأحمر العارية من أي احترام لأخلاقنا وثقافتنا بل وحتى ثقافتهم أنفسهم. وإن كان ذلك القطاع فعلا يمثل جزءا أساسيا من الناتج الإجمالي القومي للاقتصاد المصري كما تأتينا به التقارير السنوية، فصعوده من هبوطه لا يمثل تغييرا حقيقيا من الأساس في حياة المواطن العادي الذي لا يعرف من مردود أي نمو اقتصادي في ظل غياب عدالة التوزيع، غير أنه يقضي معظم وقته واقفا في أحد الطوابير.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.