تناقلت وكالات الأنباء مؤخرا صورا مختلفة للهجوم على الرئيس التشيكي فاكلاف كلاوس والتي تترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، حيث قام بكل جرأة أمام البرلمان الأوروبي بانتقاد معاهدة لشبونة المؤسسة لمبادئ الاتحاد وما تتضمنه من اختلال النصوص القانونية بما يؤدي إلى سقوط مبدأ المساواة السياسية والاقتصادية بين أبناء القارة الأوروبية شرقا وغربا، وخاصة بعد رفض الناخبين الأوروبيين مسبقا للدستور الجديد الذي كان يروج له إعلاميا على أنه النقلة المتممة للاندماج الشامل بين تلك الدول، مما أثار حفيظة الكثير من قادة الدول الأوروبية إثر تجرؤه على انتقاد الأسس التي قام عليها الاتحاد في بداياته. وقد رسخ موقفه هذا الصورة التي كنت قد رسمتها عنه عقب زيارته الأخيرة منذ عدة أشهر لقسم الاقتصاد بالجامعة الأمريكية عندما لبى الدعوة أثناء تواجده بمصر حينها.

هو دائما رجل مثير للجدل بأسلوبه الجريء في التعامل مع المعطيات من حوله. فقد قامت الجامعة يوم زيارته بالكثير من الإعدادات والترتيبات بالتعاون مع الرئاسة المصرية، وكان الجميع في شرف استقباله كرئيس لدولة أوروبية في زيارة لأحد أقسامها. والجدير بالذكر هنا أن كلاوس قبل أن يتولى منصبه هذا كان أستاذا للاقتصاد في العديد من الجامعات الأوروبية والأمريكية، ويبدو أنه من هنا جاءت موافقته على تلبية دعوة القسم له. غير أن الطريف في زيارته أنه قد بدا عليه نوع من الغضب في بداية الندوة المقامة على شرفه ورفض الحديث ربما لما يقرب من عشر دقائق، معلنا وبكل صراحة أنه قد جاء هنا من أجل طلاب الجامعة وليس لكل هذا الحشد من كبار الزوار والأساتذة، وفعلا لم يبدأ الحديث إلا بعد التأكد من أن معظم الحاضرين من الطلاب وخاصة أبناء نفس القسم.

بدأ كلاوس كلامه كأستاذ جامعي وكأنه في أحد المحاضرات عن طبيعة الاقتصاد التشيكي والمأزق الذي كان عليه حين توليه هو زمام وزارة المالية في أوائل التسعينيات من توغل النظام الشيوعي بعمق في شتى مناحي الحياة في بلاده حتى في أبسط الأنشطة التجارية و الخدمات اليومية والتي لم يتركها النظام السابق دون ملكية الدولة لها، وقد قال على لسانه “كانت الدولة تمتلك كل شيء حتى محلات الحلاقة ولم يكن بمقدور أي فرد أن يمارس أي نشاط في غياب ملكية الدولة”. وحينها أدرك الجميع مدى صعوبة الدور الذي كان عليه أن يلعبه في نقل اقتصاد الدولة المنهار بعد سقوط الاتحاد السوفيتي من ملكية الدولة الشمولية إلى ملكية الأفراد. وقد ذكر مازحا “لقد قررت مارجريت تاتشر- رئيسة وزراء بريطانيا في الثمانينيات – بعد دراسة مستفيضة ومتعمقة أن تقوم بخصخصة ثلاث شركات سنويا، أما نحن في التشيك وبعد حالة الانهيار التي كانت قد وصلت إليها البلاد، كان علينا أن نخصخص ثلاث شركات كل ساعة، وقد قمنا بذلك على أعلى كفاءة”.

حقيقة لم تعجبني عبارة “أعلى كفاءة” في كلامه وتذكرت على الفور فوضى عمليات الخصخصة في معظم دول أوروبا الشرقية والفساد البين الذي شابها، والتي لم نكن نحن هنا بعيدين عن استنساخها بكل عيوبها تحت طغوط البنك الدولي وصندوق النقد، فرفعت يدي على الفور طالبا السؤال وقد سمح بذلك. وسألته بكل وضوح “كيف تقنعنا بأن كل عمليات الخصخصة تلك والتي ربما تكون الأكبر في التاريخ الحديث قد قامت بأعلى كفاءة، ولم تكن التشيك كغيرها من دول أوروبا الشرقية فيما حدث فيها من فساد وغياب للشفافية؟”. وكعادتنا المجاملة والمصرة على تأليه الحكام استاء بعض الحضور من سؤالي واعتبروه خروجا على اللياقة، غير أنه على غير المتوقع وعلى طريقة أساتذة الاقتصاد أعجب بالسؤال ووجده فرصة لشرح أسلوبه الغير عادي في تنفيذ تلك العملية العملاقة في خصخصة كل شيء من البنوك نزولا إلى صالونات الحلاقة.

بدأ كلاوس بشرح استراتيجيته في الخصخصة بأنه قام يتكوين فريق كامل من الاقتصاديين لعمل مسح شامل لكل المؤسسات الصناعية والتجارية وحتى الحرفية منها، وقرر أن تتم تلك العملية على مرحلتين شريطة أن يشارك الشعب بصورة حقيقية في ميلاد اقتصاد وطني جديد، ولكنه يوصف بأنه حر هذه المرة وليس كسابقه. وكانت الأولى منها (على عكس دول العالم) تبدأ ببيع الكيانات الصغيرة والتي قد تصنف على أنها حرفية أو تجارية بسيطة كالبقالة وغيرها. ومن أجل الشفافية المرجوة في تلك العملية والتي كانت هي المحك الرئيسي في السؤال، قام بتخصيص يوم الأحد من كل أسبوع على أن يكون يوما قوميا للمزادات العلنية في كل البلاد. حيث يوزع على المواطنين عامة بيانا بكل ما سيتم طرحه للبيع بالمزاد من محلات وأنشطة بسيطة يزايد عليها أصحاب الطموح والرغبة من أبناء الوطن في العمل الحر، وهنا كانت الشفافية في أجلى صورها، “على عينك يا تاجر”.

أما الاستراتيجية الثانية والتي اختصت بالكيانات الكبيرة كالمصانع والبنوك وغيرها، واجه كلاوس مأزقا حرجا في كون شعبه يعاني من فقر مدقع ولا يوجد بينهم من لديه القدرة على شراء ذلك النوع من المؤسسات مرتفعة الثمن، وحيرته كثيرا تلك المعضلة وخاصة مع رغبته في أن تكون التشيك لأبنائها حقا. وبالطبع ومن المتوقع قام كلا من البنك الدولي وصندوق النقد بالضغط من أجل السماح للأجانب بالشراء والاتجاه نحو التحرير المطلق لعمليات الخصخصة كما كان الحال مع باقي الدول، وهو لم يكن ضد تدفق الاستثمار الأجنبي ولكنه اعتبره آخر مراحل التحرير. غير أنه ومع ضعف موقفه رفض بصورة قاطعة تلك الضغوطات فقام بمنع المسؤولين الحاليين والسابقين في الدولة من أي محاولة للشراء، وأصدر ما أسماه اقتصاديا “صكيكات الملكية” وهي تصغيرا لمصطلح الصك المتعارف عليه مسبقا، حيث قام بتقسيم حقوق الملكية لتلك المؤسسات إلى أسهم متناهية في الصغر وعرضها على المواطنين للشراء من كافة طبقات المجتمع. وقد عبر عن ذلك موضحا بمثل قائلا “لقد كان باستطاعة المواطن التشيكي أن يشتري سهما في أخد البنوك بثمن رابطة عنق”.

من هنا نجد السيد كلاوس بشخصيته الجريئة والمثيرة للجدل متبعا لنفس المسار الذي يتفق مع مبادئه مهما اتفقنا عليها أو اختلفنا. هو مؤمن نعم بآليات السوق الحر ورفع يد الدولة عن الممارسات الاقتصادية للشعوب دافعا بلاده للقيام بأكبر عمليات الخصخصة التي عرفت حتى الآن، لكنه لم يسمح بالمساس بحق المواطن البسيط في أن يشارك في القرار أو حتي أن يشاهد عن قرب وبأعلى حالات الشفافية ما كان يجري من خصخصة لكل شيء، متأكدا من أن اقتصاد بلاده لم يسقط بأيدى من لا يكترثون. ومن هنا أيضا يأتى هجوم قادة الاتحاد الأوروبي عليه متهمينه بعدم حنكته السياسية، تماما كما هاجمه البنك الدولي وصندوق النقد من قبل. فأمثاله من أصحاب القرار وجرأة الصوت لا يوجد لهم مكانا في عالم اليوم، ويبدو أن أيامه قد أوشكت على الانتهاء بحكم أنه لم يعد شخصا مرغوبا به في لعبة المصالح الدولية.

هذا المقال نشر أولاً في جريدة البورصة.