هو مصطلح اقتصادي تم اشتقاقه من فكرة عمل الوسادة الهوائية في السيارات في حال الاصطدام المفاجئ، تماما كالأزمة العالمية الحالية التي فاجأت العالم بحدتها رغم نداءات العقلاء منذ أعوام. ودائما ما يقوم بعمل تلك الوسادة الهوائية هو ما يطلق عليه “Informal Economy” أو الاقتصاد الغير الرسمي، وهو يشمل كل الأنشطة الحرفية والتجارية أو حتى الخدمية البسيطة الغير مسجلة في ملفات النظام والخارجة على أي نوع من أنواع السيطرة الحكومية، فمن يستطيع أن يسيطر على عمل عبد الباسط السروجي أو زيكو صاحب عربية الفول أو حتى أم سمر الشغالة. غير أن الملفت حقا والجدير بالتقدير أنهم جميعا هم أبطال الخروج من أي أزمة اقتصادية قد تعصف بأي نظام.
ومن أجل فهم تلك المعادلة علينا أن نعود بالتاريخ الاقتصادي إلى عام 1987 وتحديدا في بولندا عندما أفلست خزانة الدولة تماما وعجزت عن دفع الرواتب للعاملين بكافة قطاعاتها – أي كل الشعب – حيث كانت الدولة خاضعة لنظام شيوعي شديد الشمولية. إذ أفلس النظام آنذاك وجاع الشعب بين ليلة وضحاها وفرغت أرفف الجمعيات الاستهلاكية من كل شيئ. وقد تصادف ذلك مع مشهد مأساوي التقطته عدسات الصحفيين وشاهده العالم لمظاهرة هستيرية حاشدة لزمرة من الأمهات يصرخن في الشوارع حاملين أطفالهن الرضع في حالة احتضار لنفاذ عبوات اللبن من كل أنحاء البلاد. والسبب هنا لهذه الكارثة هو ببساطة، عدم وجود اقتصاد غير رسمي لمسايرة الحياة في حال تعثر النظام. إذا! سقط النظام فسقط معه الجميع، فالكل كان جزءا من منظومة اقتصادية لم تر التنمية إلا من خلال الأنشطة بالغة التعقيد.
خرجت بولندا من المجاعة فور وصول المساعدات الإنسانية من الغرب المهتم بالتوغل شرقا مداعبا الاتحاد السوفيتي، ولم تترك الكنيسة الكاثوليكية أبنائها في بولندا يموتون جوعا ولعبت دورا مميزا في دعم وتوزيع المساعدات لرعاياها، فمرت الأزمة الإنسانية وجاء دور النظام لتحمل المشؤولية من أجل عودة الحياة لطبيعتها. فخرج بقرار عبقري مخالف لما كان يحدث دائما في مثل هذه الكوارث بزيادة الاستثمار، بل على العكس تماما قرر الهبوط لآدنى مستويات الطموح في التنمية والتطور دافعا بالبسطاء يتولي عجلة النمو هذه المرة بخطة شاملة لدعم الاقتصاد غير الرسمي، وبالفعل خرجت بولندا من الأزمة في زمن قياسي وألقت الحكومة من على عاتقها بالكثير من الأعباء الاقتصادية، والتي تبعتها بمرحلة تالية من التنظيم والتطوير لذالك القطاع بالتوازي مع قطاع الاقتصاد الرسمي، فأصبحت بولندا الآن عضوا في الاتحاد الأوروبي.
إذا هل مصر محظوظة لوجود هذا القطاع العريض من الأنشطة الاقتصادية الغير رسمية؟ بالطبع نعم، فالكثير من الدول النامية تسعى لتوسيع هذا القطاع الفاعل في امتصاص الصدمات، وهو ما لن ينال اي جهد في إيجاده لدينا، وذلك من حسن طالع الحكومة في الأزمة الحالية، واسألوا أم رضا بائعة الجوافة في سوق المنيرة إن كانت قد تاثرت بسقوط أسهم البورصة، او حتى سقوط البورصة نفسها إثر زلزال ما، فحقيقة الأمر ان لاشيئ يعنيها من هذا القبيل “وكله على الله”. المهم ألا يأتينا بعض العباقرة مرة أخرى لينادون كما كان يحدث قبل الأزمة بتنظيم وتقنين هذا القطاع ووضعه تحت الرقابة. ربما يبدو كلامهم مناسبا، لكن بالطبع ليس في بلاد تعاني من فقر مدقع وأزمة في التوزيع.
ربما قد يتناسب ذلك أكثر مع تلك الدول التى تتصدر قائمة التنمية الاقتصادية والبشرية ذات الفوائض في الموازين التجارية، ونحن بدون شك لسنا منهم. غير أنه طالما أن حال معظمنا يؤمن بمبدأ “عض قلبي ولا تعض رغيفي” يبدو أننا بعيدين كل البعد عن أي فكرة قد تهبط من السماء لأحدهم بدمج هذا القطاع في المنظومة الرسمية المعطوبة في الأساس والمتوقفة على حافة السقوط في ظلمات الأزمة المالية الحالية. فالمطلوب قوميا هو الدعم وليس الرقابة، والدعم هنا لا يجب بالضرورة أن يكون ماليا، بل ربما يكفي أن يكون إداريا وتنمويا لفتح الباب أمام أرباب تلك المهن للنمو والانضمام تدريجيا لقطاع الاقتصاد الرسمي، فطبيعة الحال أنه ليس بمقدور كل زيكو ان يصبح التابعي الدمياطي بدون أن يجد من ينير له الطريق.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.