من منا لا يؤيد فكرة قوانين منع الاحتكار والضرب بقوة على أيدي مصاصي دماء الشعوب من ذوي المطامع الفردية في السيطرة على مصائر الأفراد وأرزاقهم! إن التفعيل الحقيقي لمثل هذه القوانين هو واجب قومي يأتي في صميم عمل الحكومات من أجل حماية الصالح العام المتمثل في الوقوف إلى جانب المستهلك البسيط والعمل على تنظيم المنافسة العادلة داخل الأسواق المحلية وحتى العالمية. غير أن هذه المبادئ يبدو أنها لاتخرج عن كونها أفكار أفلاطونية على درجة عالية من الصعوبة في أن تخرج من نطاق الشعارات إلى حيز التفعيل القضائي على أرض الواقع.

إن مشكلة قوانين منع الاحتكار وتطبيقها لا تخص دولة بعينها، بل هي أزمة تعاني منها الأنظمة المتقدمة قبل النامية سواء كانت على درجة عالية من الديمقراطية والشفافية أو حتى فاسدة، فالكل سواء والكل واقع في تلك الأزمة في ظل سقوط الأنظمة القضائية في متاهة تخبط الاقتصاديين واختلافهم على فهم وتحليل بديهيات الاحتكار، وازدواجية السياسيين في الدفع بمثل هذا النوع من القضايا إلى سطح الأحداث، وأجندات الحكومات الغير معلنة في لعبة تحالفات المال مع السلطة، فالأيدي كلها مدنسة شرقا وغربا في مستنقع المصالح.

والعهد بقوانين منع الاحتكار ليس بالجديد لكنه حقا دائم التجديد تبعا لغلبة تيار اقتصادي على الآخر فى حرب النظريات. فمع بداية ظهور هذه القوانين عالميا مع نهاية القرن التاسع عشر، كان هنالك اعتقاد راسخ بأن التحالفات التجارية بأنواعها هي في صميم الممارسات الاحتكارية وقد تم التعامل معها بقوة، ثم جاءت الخمسينات وبشر الاقتصاديون الجدد بالعكس تماما وامتدحوا بنفس القوة أهمية تلك التحالفات في جلب النمو والمنافسة الحرة إلى الأسواق في صالح المستهلك، وأصدر القضاة أحكاما بتبرئة مداني الأمس، وظل الوضع هكذا في حالة من الجذب والشد بين النظريات و التحليلات الاقتصادية حتى وقتنا هذا.

والمشكلة هنا تكمن في أن الاقتصاديين اليوم يعتمدون في آرائهم على أن نموذج المنافسة الحرة المبني على افتراض أن الجميع لديه القدرة على الوصول المطلق للمعلومات وثبات كلفة المعاملات بين قطاعات السوق عند الصفر – وهي مبادئ يلجأ إليها الاقتصاديون من أجل تبسيط معادلاتهم الرياضية – وهو أمر خالي من الصحة في مشكلة الأصل فيها الوصول إلى فهم حقيقي لمشكلات الإنتاج والتوزيع على أرض الواقع، فلكل شيء ثمن، والمعلومات لها من السرية ما قد تقوم من أجله الصراعات. ومن هنا يلاحظ بوضوح مدى افتراضية التحلايلات والاستشارات الاقتصادية في إعطاء النصح للأنظمة وخاصة القضائية منها فيما يخص الاحتكار.

ومن أشهر قضايا الاحتكار مؤخرا والتي تصدرت العديد من الصحف والقنوات التليفزيونية لبضعة أعوام، هي قضية الاحتكار التي رفعتها الحكومة الأمريكية ضد شركة مايكروسوفت صاحبة أهم نظام تشغيل للحاسبات في العالم، والتي اتهمت بقائمة مفصلة وشديدة الإحكام من الإدانة بالقيام بأنشطة احتكارية مضرة بالمستهلك والسوق الأمريكية وحتى العالمية. غير أن الشركة بقيادة بيل جيتس كانت قادرة على دحض كل الاتهامات وتفنيدها اقتصاديا بناءا على عدم دقة المفاهيم التي وضعها الاقتصاديون مسبقا للنظام القضائي الأمريكي وحصلت الشركة على البراءة، وقد حدث هذا في “أهم وأكثر الدول تطورا” في علم الاقتصاد.

هذا وقد وجدت الدراسات الاقتصادية في مجال الاحتكار أن معظم القضايا المرفوعة لم تكن متناغمة مع الهدف الأساسي لقوانين منع الاحتكار والتي من المفترض أن تكون موجهة لحماية المستهلك. فإذا لم يكن الصالح العام هو الهدف من تلك القوانين، فما الهدف منها إذا؟ وقد أثبتت تلك الدراسات أيضا أن معظم هذه القضايا كانت مدفوعة سياسيا بأغراض بعيدة كل البعد عن الحقوق المجتمعية، فالسياسييون والنواب البرلمانيون دائما ما يجدون في تلك القوانين فرصة في تحقيق مكاسب جماهيرية في الدوائر النيابية التي يمثلونها بغض النظر عما قد يبدو صحيحا أو خطأ، والجميع في مباراة لإثبات وجهة النظر الذاتية وفي حالة من الرفض للرأي الآخر.

إلا أن الاقتصاديين في تخبطهم والقضاة في حيرتهم والأنظمة في تشبثها بالسلطة جميعهم عليهم أن يوقنوا أنه لا مفر من المضي في تفعيل قوانين منع الاحتكار وتطويرها، فلا يجوز مطلقا أن يترك السوق لعبة في أيدي أصحاب المطامع والأهواء يلعبون بمصائر الأفراد وأرزاقهم. فالمطلوب على وجه التحديد هنا هو بذل المزيد من الجهد من طرفي هذه المعضلة على حد سواء، فأولا على جمعيات حماية المستهلك أن تكثف من عملياتها البحثية في رصد تلك الممارسات وفهمها وتحليلها بدقة ومعيارية علمية خارجة على الفساد الحكومي والتجاري، والعمل الدؤوب على وصولها للقضاء، وهنا يجيء تزامنيا دور الأنظمة القضائية في إعطاء هذا النوع من التشريعات والقوانين المزيد من البحث والمقارنة والتدقيق فيما هو مسموح وغير مسموح من ممارسات تجارية معطين أنفسهم مساحة لتعدد الرأي والتحليل العلمي قبل إصدار الأحكام.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.