ألقت الأزمة المالية العالمية بظلالها ليس فقط على الاقتصاد العالمي ولكن على مصير المنح والمعونات التي تقدمها الدول الكبرى للمجتمعات الفقيرة التي باتت أكثر احتياجاَ في ظل الأزمة العالمية، فبينما تشير التقديرات إلى احتمالية تراجع حجم المنح والمعونات الي تقدمها الدول الكبرى المتأثرة بالأزمة العالمية، فإن البعض يرى أنه في ظل الأزمة ستحافظ بعض الدول الكبرى على الاستمرار في تقديم المعونات لعدد من الدول لخدمة مصالحها، خاصة أن غالبية هذه المعونات ارتبطت بتحقيق أغراض سياسية للدول الكبرى.

وكانت المنح التنموية بالفعل مفيدة في كثير من الأزمات التي مرت بها بعض الدول النامية في مواجهة المجاعات والكوارث الطبيعية وكانت هناك العديد من التحديات الإنسانية التي واجهها المانحون على مدار نصف القرن الماضي، والتي استغلتها تلك الدول والمنظمات بمهارة إعلامية لفرض صورة عالمية كانت غاية في الإيجابية لعدة عقود.

غير أن الباحثين في شئون تلك المعونات والمنح ومنذ بداية التسعينات تقريبا بدأوا في الوصول إلى مايشبه بأن الضرر الذي جلبته تلك المعونات كان أكثر من نفعها، فسياسات «الشرطية» ومن ثم «الإصلاح الهيكلي» التي فرضها البنك الدولي وصندوق النقد ومعظم الدول المانحة لم تترك مجالاَ للدول النامية في حق تقرير المصير بما يناسب طموحات وخصوصيات الشعوب على اختلافها، فالنموذج الغربي «للتحضر» كان واقعا على الجميع أن يقبله.

من هنا صدر الكتاب الشهير للأكاديمي الاقتصادي ويليام إيسترلي في أواخر عام 2006 ليضع النقط على الحروف فيما يخص ما يسمى «بمنح التنمية» وأطلق عليه اسم «عبء الرجل الأبيض» والذي أثار الكثير من الجدل حوله على الرغم من أن إيسترلي نفسه من نفس اللون، وقد اتهم في كتابه الغرب بسذاجة إيمانهم بأن التنمية ماهى إلا عملية تمويل تضخ فيها المليارات لفقراء العالم، ومن ثم يحدث التطور والنمو وتحل كل المشكلات المزمنة الناتجة عن تخلف تلك الأمم عن «ركب الحضارة الغربية» فعلى الرغم من مرور 50 عاماً من التدفق المالي الذي بلغ أكثر من 2.3تريليون دولار في صورة معونات، مازال الأطفال يموتون نتيجة لأمراض يمكن مقاومتها، وهناك شعوب مازالت تعاني من المجاعات ونقص في المياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية والتعليم الأساسي، ويلوم إيسترلي بصورة جوهرية العقلية «رقمية التفكير» للمانحين في الغرب كالبنك الدولي وصندوق النقد والمنظمات الأخرى والتي لم تعد تؤمن بمركزية الإدارة الاقتصادية في بلادها في ظل سياسة تحرير الأسواق.

ويؤمن إيسترلي بأن المؤسسات لا يجوز بأى من الأحوال استقدامها من الخارج، وآليات السوق الحرة يجب أن يتم نموها في الأصل محلياً ولا يجوز كذلك استيرادها كوجبة عائلية جاهزة، وأنهى كتابه بنصيحة قدمها للغرب بأن يعترف بفشله وأن المضى قدماً في عملية التنمية يجب أن يكون مبنياً على أن المانح ليس من الضرورة أن يكون عنده كل الإجابات التنموية الخاصة بالشعوب المتلقية.

وعلى الغرب أن يتوقف فورا عن دعم الأنظمة الفاسدة والبيروقراطيات المحلية التي تغرق المعونات في مستنقعاتها، وأن تقف إلى جانب هؤلاء الذين يعملون على إيجاد حلول محلية الصنع لمشاكلهم التي هم أدرى الناس بها.

وللتوكيد على حديث إيسترلي من تسييس المعونات تارة أو ضخها في القنوات الخطأ تارة أخرى، يأتي إلى الذهن الكثير من الأمثلة المدللة على ذلك في الدول النامية كما حدث في أوغنداوغيرها، ففي أوغندا على سبيل المثال كانت التوقعات الغربية للمانحين بأن تدفقاتهم المالية لهذا البلد الذي كانوا يسمونه حتى أوائل السبعينيات «درة أفريقيا» أنه سيكون النموذج الأفريقي الرائد للخروج من دائرة الفقر المفرغة عن طريق تحرير السوق والانفتاح على العالم وتطبيق اللامركزية على الطريقة الغربية، غير أن النتيجة كانت مخالفة تماماً لذلك، فسقطت أوغندا في سلسلة من الصراعات القبلية للوصول إلى السلطة فلجأ الغرب إلى دعم قوة دون الأخرى فغرق المجتمع في صراعات مسلحة مازالت تظهر وتخبو حتى الآن، وكان جهل المانح الغربي وتحالفه مع قوة دون الأخرى سببا في سقوط الدرة الأفريقية في مستنقع العنف والجهل والفقر.

إذن الآن وفي ظل الأزمة الاقتصادية العالمية هل تتغير قواعد اللعبة السياسية المسيطرة على «بيزنس» التنمية في عالم تحالفات المصالح؟ يبدو أن الإجابة المنطقية يجب أن تكون بنعم، خاصة بعد فهم الديناميكية التي سارت عليها المنح التنموية قبل الأزمة الحالية، إضافة إلى يقين المتخصصين في هذا القطاع في توقعاتهم بتراجع حاد في تلك التدفقات الموجهة للدول النامية وتغيير مسارها بديهياً لأولوية دعم القطاعات الاقتصادية المختلفة في تلك الدول المانحة للخروج من تلك الأزمة أولاً.

وهنا علينا أن نصف المنح حسب تأثرها إلى نوعين: إنسانية وتنموية، ومن المؤكد أن الضرر من انتقاص المنح الإنسانية الخاصة بالكوارث الطبيعية والمجاعات وضحايا الحروب وغيرها سيؤدي إلى كثير من التعقيدات والنتائج المأساوية.

والمتوقع مع ضعف نفوذ الدول المانحة لدى المتلقية أن تعمل الأنظمة إيجابيا «فقط إن كانت صالحة» على إيجاد حلول داخلية يتوقع أن تكون أفضل من الإملاءات الغربية الجاهلة أحياناً والمتآمرة أحياناً أخرى، فتدخل الدول النامية في مرحلة جديدة من النمو المبنى على توجهات أبنائها ورؤيتهم الخاصة للصالح العام.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.