تعودت منذ أشهر أن أمر على سوق الخضر القريب من منزلى لشراء بعض احتياجاتي من الفواكه الطازجة وخاصة ما يسمونها “البلدي” فهي فعلا ذات طبيعة خاصة يصعب مقارنتها بمثيلاتها المهندسة وراثيا. واعتدت تحديدا أن أشتري أغراضي وخاصة الجوافة البلدي من سيدة ريفية بسيطة اسمها “أم رضا” والتي تتسم بالكثير من الأمانة والمثابرة سعيا وراء لقمة العيش في هذا الزمن الصعب حيث تجيء للقاهرة في رحلة يومية من محافظة المنوفية لتجلس على نفس الرصيف. غير أن ذات يوم وإلى جوار أم رضا توقف ذلك الشاب الريفي ذو العمامة الأنيقة والشوارب المستنفرة وفي عهدته عربة للفاكهة شديدة الترتيب كمظهره، وقد وضع على قمتها لافتة صغيرة مرسوم عليها بخط فني “الجوافة الصيني العسل” وقد سعرها باثنين من الجنيهات فقط، واضعا أم رضا في موقف لا تحسد عليه، فهي تبيع الجوافة بثلاثة جنيهات، ناهيك عن كونها غير جذابة المظهر كمثيلتها الصينية كبيرة الحجم.

هذا الوضع الصعب الذي تعانيه تلك السيدة المسكينة هو تجسيد للوضع المأساوي الذي يعانيه الفلاح المصري على مر العصور واختلاف الحكومات، فهو دائما من هم إلى آخر مع اختلاف المسميات والشعارات. ففي عهد الملكية كان يعاني الكثير من سوء المعاملة كعبدا للإقطاع، ثم جاءت الثورة وحررته من عبودية الأفراد لعبودية النظام فكان أسوأ حالا حبيس “الفدادين الخمسة” التي أهديها من عبد الناصر، أما الآن فهو عبدا لسيد غير مرئي اسمه “اقتصاد السوق الحر” والذي يبدو أنه أشد قساوة من أسياده السابقين. قساوة جعلته غير قادر على كسب الكفاف من أجل نفسه وأرضه فهجرها بائعا متجولا في المدينة أو حتى لكي يصبح عامل بناء. غير أن السؤال هنا، هل تتعامل الأنظمة الرأسمالية الأخرى مع قطاعاتها الزراعية بنفس العبثية؟

الإجابة بالطبع لا! فالكثير من تلك الدول الرأسمالية والتي ندور مؤخرا في فلكها لم تتخل أبدا عن مزارعيها، بل على العكس فقد قامت بعمل الكثير والكثير من أجل الوقوف مع فلاحيها ضد ما قد يهددهم من تقلبات السوق أو ما يزعزع أمنهم الغذائي حتى وإن كان ذلك الدعم ضد أبسط مبادئ اقتصاد السوق الحر. فقد بدأت بريطانيا سياساتها الداعمة للإنتاج الزراعي منذ أواسط القرن التاسع عشر، أما الولايات المتحدة فقد تبنتها عام 1933 فيما عرف وقتها “بصفقة قانون الإصلاح الزراعي الجديد” وتبعتهما الكثير من الدول الأخرى على نفس الدرب. ومن التناقض فعلا أن تلجأ الدول النامية مثل مصر ذات النسبة العالية العاملة في قطاع الزراعة أن تلجأ حكوماتها إلى معاقبة فلاحيها بالضرائب وتحرير السوق الزراعى بفتحه أمام الواردات من الخارج على عكس ما تفعله الدول الراسمالية الأخرى.

غير أنه هنالك الكثير من الاقتصاديين الذين ينتقدون بشدة فكرة الدعم الزراعي لأنها ببساطة عبارة عن خسارة لأموال دافعي الضرائب من الفئات الأخرى من المجتمع، إضافة لكونها عائقا ضد مبدأ تحرير التجارة العالمية والذي تدعمه الكثير من القيادات العالمية المعاصرة، مما يمثل خسارة يتحملها الاقتصاد العالمي من وجهة نظرهم. أما على الجانب الآخر فهنالك الكثير من الاقتصاديين على النقيض يدعمون مبدأ الدعم الزراعي حتى في ظل الأنظمة الرأسمالية مبررين ذلك بكثير من الإيجابيات التي يعود بها، مثل استقرار أسواق المنتجات الزراعية، الوقوف إلى جانب محدودي الدخل من المزارعين، رفع العائدات الغير مبررة الانخفاض للاستثمار الزراعي، تنمية المجتمعات الريفية، التقليص من الاحتكار في مدخلات الإنتاج الزراعي وأسواق التوزيع، وأخيرا الوصول لنقطة ضمان الأمن الغذائي القومي.

علينا أن نعي جيدا أن التاريخ الاقتصادي الحديث منه والمعاصر، وبعيدا حتى عن الأنظمة الاشتراكية، مليء بنماذج الدعم والحماية المكثفة للقطاعات الزراعية بالكثير من تلك الدول، غير أننا هنا خاضعين لضغوط غير عادية من كبريات تلك الأنظمة متمثلة في البنك الدولي وصندوق النقد من أجل تحرير كل القطاعات بما فيها الزراعي منها. وهي ازدواجية غريبة وخاصة عندما تؤكد لنا الدراسات والأبحاث الاقتصادية أن الدعم الحكومي لدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قد يصل إلى ما نسبته 70 % ، وهو رقم غير طبيعي وربما يكون غير أخلاقي عندما تفرض نفس تلك الدول علينا خفض الدعم الزراعي على إنتاجنا القومي. والأكثر سخرية أن تجد تلك الدول أسواقنا مفتوحة على مصراعيها أمام الجميع، أما أسواقهم فأسوارها عالية وبواباتها محصنة بمتاريس من المعوقات التجارية أمام صادراتنا. بل وما يدعو فعلا للخجل محليا هو أن نجد بيننا من يؤيدهم ويبشر فينا بقدسية رفع الدعم الزراعي كحل سحرى لمشاكلنا. والضحية كالعادة هم بسطاء هذا المجتمع كأمثال أم رضا التي فقدت لقمة عيشها بسبب الجوافة الصيني.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.