في ندوة للاقتصادي جون ساليفوراكس الأستاذ بالجامعة الأمريكية محدثا الحضور عن ظاهرة جديدة على المستوى الأكاديمي أطلق عليها بعض الباحثين مسمى “اقتصاد السعادة”، بدأ بمقدمة عن فشل الأنظمة الاقتصادية وخاصة المتقدمة منها عن تحقيق السعادة لشعوبها على الرغم من النمو والرفاهية التي قد تتسم بها بعض تلك الدول. فارتفاع مستوى المعيشة على سبيل المثال واضح في الخمسين عام الأخيرة في معظم الدول سواءا كانت متقدمة أو نامية، والكل يبدو في حالة من وضوح الإيمان بأنه كلما ازداد دخل الفرد ازدادت سعادته.
غير أن علماء النفس في العقد الأخير أثبتوا مرارا وتكرارا في أبحاثهم أن مستوى السعادة العالمي في انخفاض مستمر على رغم التقدم والنمو وزيادة الطلب على الصناعات الترفيهية بأنواعها. مما دعى الاقتصاديون إلى الاهتمام حتى ولو متأخرين بهذه الحقائق المثبتتة أكاديميا، والتي تعد في قمة التناقض مع المسلمات الاقتصادية وخاصة الرأسمالية منها بأن السعادة الفردية تتحقق مع إمكانية الوصول للحد الأقصى من تلبية الرغبات الاستهلاكية بأنواعها والتي بالطبع كان من المفترض أن تتحقق مع زيادة دخل الفرد كنتيجة لزيادة معدلات النمو المبنية في الأساس على الاستهلاك، والتي لم تتحقق بالطبع فازداد العالم تعاسة مع النمو الاقتصادي.
نتيجة لهذه النتيجة بدأ بعض الاقتصاديون في استحداث بعض المعايير المستوحاة من علم النفس لقياس مثل هذه الظاهرة وتوظيفها اقتصاديا آملين في الوصول لمفاهيم جديدة تستطيع التعامل مع مثل هذا الجانب المهمل في علم الاقتصاد والذي كان من الأساس مفترضا أن يكون الفرد هو محور اهتمامه وما يعتريه من مشاعر لا يجوز فصلها عن آليات السوق.
وضرب أمثلة عن استيراد بعض المفاهيم عن السعادة الواهمة كأن يتأثر أحد المصريون على سبيل المثال بثقافة “الكاوبوي” فيتجه إلى استهلاك “الجينز” معتقدا بأن شراءه لمثل هذه المنتجات قد يسبب له سعادة ما كما يصورها الإعلام وما يحتويه من دعاية على الرغم من الاختلاف بين الثقافتين الذي قد يصل أحيانا إلى التناقض. غير أن السعادة المبنية على الاستهلاك دائما ما تكون مدفوعة من المنتجين راغبي الربح بغض النظر عن أي شيء آخر، والبقاء هنا لمن يستطيع الوصول أسرع وأعمق لمشاعر الفرد الاستهلاكية والتلاعب بها.
كان حديث ساليفوراكس عن هذا الاتجاه الاقتصادي الجديد قبل الأزمة العالمية الأخيرة ربما بأسابيع معدودة، وقد ضرب حينها مثلا بدا قويا ومؤثرا عن أيسلندا كاقتصاد متقدم وفي حالة من النمو الملحوظ. مضيفا أيضا أن الشعب الأيسلندي لديه من وضوح الهوية والتمسك بها مما يجعله حائطا صعب التجاوز أمام التيارات الاستهلاكية الشكلية التي تعد المستهلك بسعادة لا تتحقق أبدا. وقد بدا في قمة التأثر بالنموذج الأيسلندي ونجاحه الباهر في وضع يده على معادلة النمو السحرية التي قادت لرفاهية هذا الشعب دون المساس بمنحنى سعادته.
أما بعد حدوث الأزمة فقد سقطت أيسلندا كما شهدنا جميعا على كافة القنوات الإخبارية سقوطا مدويا في أتعس مستنقعات الانهيار ليس اقتصاديا فقط بل سياسيا أيضا فاستقالت الحكومة وعلى رأسها جير هاردي رئيس وزرائها. واصبحت الدولة من أتعس بلاد العالم مؤخرا حيث عجز الجميع عن حل أزمتها بل واصبحت مثقلة بالديون الداخلية والخارجية صعبة السداد على الأقل في القريب، بل وبدأ البعض يضرب بها المثل في سوء الإدارة بعد أن كانت مثلا لما يسمى “السعادة الاقتصادية”. غير انه قد يكون السبب ببساطة عائدا إلى ساليفوراكس و”عينه المدورة” التي أصابت الدولة المسكينة من قلب القاهرة وصولا إلى قرب القطب الشمالي حيث يعيشون. لكن اللوم يقع عليهم أيضا ليس لسوء الإدارة ولكن لنسيانهم أن يضيفوا “خرزة زرقاء” للعلم الأيسلندي بعد أن كانوا يصنفون كأسعد امة بالعالم.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.