في أحد مشاهد فيلم “دبليو” آخر أعمال المخرج الأمريكي أوليفر ستون والذي يتناول قصة حياة الرئيس الأسبق للولايات المتحدة، تحدث جورج بوش مجيبا ديك تشيني وكولين باول وبالطبع السيدة “كوندي” عن سؤال بكيفية تطبيق الديمقراطية واقتصاد السوق الحر قبيل الحرب على العراق فقال: اسمعوا أيها الرفاق، إن الأمر في غايته يتعلق بالحرية، فدولة حرة هي دولة مسالمة، وأي دولة ستلبي الغرض طالما كانت ديمقراطية. فعقب الجميع بصوت درامي واحد “بالتأكيد”.

إن تلك الكلمات في جوهرها النظري ربما تعد الخط الرئيسي الذي يتفق عليه معظم كبار المفكرين في كتاباتهم سواءا كانوا من اليمين أو حتى اليسار. هي فعلا كلمات يحلم بها كل ذو نخوة وطنية يريد حرية لبلاده يتبعها رخاء يعم على على أهلة وكل من يعيش على أرض وطنه، لكنها واقعيا لا تخرج عن كونها سفسطة سطحية يرددها المثقفون على اختلاف ألوانهم، إلى أن بصقها السيد بوش ربما بعد أن سمعها من أحد رفقائه القدامى عندما كان مدمنا للخمر في ريف تكساس. فهل قبلت الطبيعة العراقية الحرية “البوشية” أوديمقراطيته؟ وهل نمى الاقتصاد العراقي على يديه؟ وأخيرا هل أصبحت العراق حقا مسالمة طبقا لنبوءته؟ بالطبع لا توجد غير إجابة واحدة بالنفي على كل تلك الأسئلة.

لقد كان بوش يكرر بببغائيته – مع اعتذارنا لكل الببغاوات للتشبيه – ما كان يردد مرارا وتكرارا على لسان كبريات المنظمات العالمية مدفوعة من الدول الكبرى وقصار النظر من الاقتصاديين بالدفع الأعمي والسريع باتجاه التحرير الاقتصادي، فيما يسمونه دائما باللامركزية في إدارة الدول والاقتصاد بالطبع كمحرك استراتيجي نحو التغيير. وكانت تلك هي “الموضة” التنموية وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والذي كان يجسد دائما على أنه عبرة لمن لا يعتبر، ونموذجا عمليا للتدليل من قبلهم على فشل المركزية. فهل نجحت اللامركزية؟ والإجابة هنا مرة أخرى بالنفي.

فالامركزية بالطبع قد نجحت في بعض المجتمعات الغربية وأدت بطبيعة تلك المجتمعات للازدهار الاقتصادي والمسالمة السياسية، غير أن العالم ليس كله غربا ويبدو أن الشمس مازالت أحيانا تطلع من الشرق، بما يدلل على اختلاف الشعوب وثقافاتهم، فلا يوجد ما قد يفترضه أحد البلهاء باستنساخ نجاح التجارب الاقتصادية أو السياسية. فالتجارب الناجحة على مر التاريخ كانت وليدة مجتمعاتها ولم تكن أبدا “وجبة كومبو” يتم توصيلها للمنازل. ربما المأساة العراقية أعقد بكثير من أن نتهم اللامركزية وحدها في وقوعها، غير اننا نستطيع أن نجزم بأنها أهم أبطال المهزلة. ربما لا نستطيع امتداح صدام ومن قبله الحجاج والمنصور على نجاحهم جميعا في إدارة العراق وتحقيق رخائه، فكلهم قد جسدو الديكتاتورية في أبشع صورها. غير أن النموذج العراقي اللامركزي في صورته الحالية من بعد دخول الأمريكان ماهو إلا دولة بلا دولة، أو أمة كان لها شعب.

فاللامركزية في بلد كالعراق أو يشبهه وما أكثرهم، هي تماما كطبق سمك مغطى بالشيكولاته وعلى قمته حبة كريز، اقل ما قد يسببه هو اضطراب حاد بالجهاز الهضمي على رغم جاذبية مظهره، تماما كاللامركزية في غياب المضمون الاجتماعي لكل شعب. ويبدو أن قادة تلك الدول المستوردة لتجارب الآخرين الفكرية ليس عندها اي مانع في التطبيق فالشرط دائما واحد ومعروف، ألا وهو البقاء في السلطة. وبالطبع اللاعبون الكبار لديهم من الخبرة والدهاء وكذلك الدافعية من أجل تقديم الغالي والرخيص من أجل إبقائهم أيضا على رؤوس تلك الأنظمة المتلقية، فالمصلحة دائما فوق كل اعتبار أخلاقي أو إنساني، حتى وإن اصاب الشعوب جميعا تسمم غذائي قد تم تشخيصه مسبقا على انه لامركزي وربما تم تصنيع دواءا ما لعلاجه، وهو ايضا جاهزا لأن يصدر لهم.

هذا المقال نشر أولا بجريدة البورصة.