يتجدد الحديث قبل إبريل من كل عام عن المعونة الأمريكية لمصر والتحديات التي تواجهها من قبل الساسة الأمريكيين وتلويحهم الدائم بضرورة تقليصها على اختلاف أسبباهم كل عام. غيرأن هذا المرة اختلفت الظروف ومعطيات الأحداث للبت في هذة القضية السنوية مع ذهاب الإدارة السابقة لبوش بلا رجعة وسقوط العالم في أزمة مالية لعبت الولايات المتحدة دور البطولة في حدوثها وكذلك أكبر ضحاياها. يتساءل السياسيون هناك لماذا تستمر بلادهم في تقديم تلك المعونة لمصر في ظل احتياج اقتصادهم المحلي لكل دولار للخروج من هذا المأزق الصعب الذي وقعوا فيه، ويتساءل آخرون دائما عن مدى جدوى مثل هذه المعونة في تحقيق أي فائدة تعود عليهم بأي من النفع. وآخرون على الجانب الآخر من الجدال الدائر يراهنون بقوة على الدور المصري المحوري كشريك للولايات المتحدة في المنطقة كان دائما الورقة الرابحة لدعم استقرار مصالحهم.

والآن وبعد وصول باراك أوباما إلى سدة الحكم في البيت البيض، مازال الجميع أمريكيا ومصريا في مرحلة جس النبض لاستكشاف الشكل المبدأي للاستراجيات الأمريكية الجديدة في المنطقة وكيف سيتم إعادة ترتيب أوراق اللعبة الإقليمية مع أهم شريك عربي وخاصة في ظل تغيرات على أرض الواقع لا يمكن فصلها عن مجريات الأمور بعد العدوان الإسرائيلي على غزة وتمسك الغرب وفي مقدمتهم الولايات المتحدة بمصر كشريك أساسي في تجاذبات عملية السلام اللانهائية ومخططات إعادة الإعمار بالقطاع المنكوب. فهل فعلا لدى الولايات المتحدة الجرأة على خفض معونتها متجاهلة لكل تلك المعطيات؟

وعلى ضوء ذلك قام ديفيد بولاك الأسبوع الماضي بزيارة استقصائية للقاهرة متعددة المهام ممثلا لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وقد ركز فيها على العديد من المقابلات مع رؤساء الشركات وبعض المسؤولين والمتخصصين في الشؤون االتنموية منهيا زيارته باجتماع مع قيادات غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة. وفي هذا الوقت تحديدا تكتسب زيارة بولاك الكثير من الأهمية نتيجة لمحورية الدور الذي يلعبه المعهد في تقديم الاستشارات السياسية للحكومة الأمريكية فيما يخص المنطقة كهيئة مستقلة لا تتلقي دعما ماليا منها.

وقد أجرت “البورصة” حوارا خاصا مع بولاك للرد على التساؤلات الخاصة بمستقبل المعونة الأمريكية لمصر وخاصة في ظل الأزمة العالمية والتي تعد الولايات المتحدة أكثر المتضررين منها. وقد أشار قاطعا من وجهة نظره الخاصة أن تقليص المعونة أمرا مستبعدا وذلك للكثير من الأسباب ومنها أولا: أنها لا تمثل غير نسبة ضئيلة من ميزانية الولايات المتحدة ولا تعد عبئا ملموسا عليها بأي من الأحوال. وثانيا: أن باراك أوباما وإدارته يدركون جيدا أن حجم المعونة مناسبا جدا لدعم المصالح والاهتمامات الأمريكية بالمنطقة. ثالثا: الدليل على استبعاد ذلك الاحتمال هو ما حدث بقمة إعادة إعمار غزة بشرم الشيخ من مضاعفة للموعونة الموجهة للقطاع بغض النظر عن تعديل آلياتها رغم الأزمة المالية التي تمر بها الولايات المتحدة.

وقد أضاف بولاك أيضا أن أي تغييرات حالية في اتفاقات المعونة العسكرية على وجه الخصوص يعد أمرا مستبعدا نظرا للتعقيدات الحالية على الأرض بعد أحداث غزة السابقة. غير أنه أشار إلى ان الأبحاث الجديدة الصادرة في هذا الشأن توضح أن تلك المعونة العسكرية تفتقر إلى “الشرطية” في التعامل معها وأوصت بزيادتها. ومن المعروف أن المعونة الأمريكية الاقتصادية لمصر تبلغ 600 مليون ، والعسكرية 1.3 مليار، وحجم الاستثمارات الأمريكية في مصر قد بلغ 3 مليارات، أما حجم التجارة الخارجية مع الولايات المتحدة فقد وصل إلى 11% من حجم التجارة الخارجية المصرية.

غير أن بولاك يوصي بإعادة النظر في كيفية إنفاق المعونة الأمريكية بمصر وأنه لابد من “إعادة قنونة” التمويل الخاص بمشروعات التنمية. وقد اشار أيضا إلى أن بعض الخبراء بالمعهد يوصون بضرورة التعديل باتجاه ما سماه “برامجا لمشروعات مرئية”، حيث أوضح أنه على سبيل المثال أن المصريون يعرفون جيدا أن اليابانيون قد بنوا دار الأوبرا المصرية، والفرنسيون قد أنشأوا مترو الأنفاق، أما الأمريكان فليس من المعروف للمواطن المصري البسيط ماذا فعلو بالضبط على الرغم من أهمية الدور الذي لعبوه في الكثير من المشروعات كتطوير شبكات التليفونات والكهرباء والصرف الصحي وغيرها من المشروعات الحيوية الأخرى، إلا أنها أيضا تعد غير مرئية.

ومن جانب آخر وبعيدا عن مستقبل المعونة لمصر، ركز بولاك على أهمية العلاقة التجارية بين مصر والولايات المتحدة مشيرا إلا نموها الكبير بين البلدين حتى في ظل توتر الأجواء السياسية بين البلدين أثناء إدارة بوش مما يدل من وجهة نظره أن العلاقة الاقتصادية بين الجانبين قد وصلت لمرحلة من النضوج الذي لم تعد تلعب السياسة فيه دورا محوريا، مما يحتم على الإدارة الأمريكية الجديدة أن تنظر للحقائق الاقتصادية وما يحدث بالفعل على أرض الواقع، ومن هنا جاء قرار بولاك بأهمية اختتام زيارته للقاهرة باجتماع خاص مع قيادات غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة.

هذا المقال نشر أولا بجريدة البورصة.