ليس من الضروري أن يرجع كل فشل لإحدى النظريات إلى خطأ فرضياتها، فالتطبيق لايقل أهمية عن وضع النظرية بل أحيانا يكون أهم. والنظريات السياسية والاقتصادية هي الأكثر عرضة للفشل عن غيرها نتيجة لاعتمادها الشديد على تأويل قادة الدول وأهوائهم. بل إن أكثر تلك النظريات فشلا هي تلك التي تخرج من العالم النامي، ليس لأنه نام بل لأنه ببساطة قد تجمعت ضده الأسباب وأهمها تأويل القادة “النامين” لها وإفشالها بصورة درامية ساذجة لا تخلو من المطامع السلطوية.
كمعظم بل ربما ككل النظريات التنموية، فشلت نظرية التبعية أو Dependency Theory والتي ظهرت في أوائل الستينات بصورة واضحة الافتراضيات بعد إرهاصات لها قد بدأت بجذب الانتباه في الخمسينات من القرن الماضي. لكن قبل الحديث عن فشلها دعونا نتحدث عن فحواها باختصار شديد، فهي نظرية مبنية على الوطنية المحلية ورفض التبعية للقوى الاستعمارية السابقة حيث أن في تلك الفترة حصلت الكثير من الشعوب على استقلالها لكن سرعان ما اكتشفوا أن استقلالهم لا يتعدى كونه فقط عسكريا أو ربما لايتعدى كونه حبرا على الورق.
فالكثير من تلك الدول حديثة التحرر وجدت نفسها في حالة من “التبعية” على على المحتل القديم أو ربما اللاعبون الكبار بشكل عام. وهي صورة لا تختلف كثيرا عن وضع الدول النامية في علاقتها مع الكبرى حتى الآن في القرن الواحد والعشرين بما قد ينفي فشل فرضيات النظرية. وهي تدعو في الأساس إلى نبذ التبعية الاقتصادية على الدول الكبرى او المحتل السابق ورفع أولوية النمو الاقتصادي بما يتماشى مع المصلحة العليا للدولة. ففيما سبق (ومازالت) كانت الدول الكبرى في حالة من الاستنزاف المستمر للدول النامية التابعة لحصتها من النفوذ العالمي، وهو غالبا ما يكون في صورتين إما مادية وأبرزها الموارد الطبيعية أو الإنتاج غير النهائي وهو ما رآه الاعتماديون النمطيون كما كان الحال في البرازيل، أو من ناحية أخري الوصول إلى أبعد من ذلك إلى ما يسمى استنزاف العمالة الرخيصة في الدول النامية، وهو ما ذهب إليه الاعتماديون الراديكاليون ذوي الأفكار الماركسية كما حدث في تشيلي.
كلها أفكار جميلة ووطنية مبنية على حقائق لا يمكن نفيها أو الخوض في جدلية عدم صحتها، لكنها أيضا فشلت مرة أخرى عند تطبيقها ولم تنجح دولة واحدة في جني أي ثمار اقتصادية منها، بل إنه على العكس لم تجلب لأصحابها سوى المزيد من الفقر. ويتمثل فشل التطبيق هنا على رغم صحة الفرضيات فى أن تلك الدول اتخذت مسارا شديد الانغلاق والانعزال عن السوق العالمي والذي كان مألوفا في تلك الفترة من سطوع لنجم الاشتراكية. وثانيا، الحس الوطني العالي للمؤمنين بهذه النظرية وكراهيتهم للدول الكبرى كان شديد العدائية أهوج التصريحات يفتقر إلى أبسط مبادئ الدبلوماسية لتجنب الصدام الذي لا يمكن أن تكون نتيجته في صالح دولة نامية صغيرة وسط العصابات الكبرى. وأخيرا السلطة المطلقة التى منحها القادة لأنفسهم والذي قد جاء معظمهم بطرق غير ديمقراطية من خلال ثورات وانقلابات وغيرها.
والسلطة المطلقة هنا تم تبريرها حينها كوسيلة من أجل التسريع والتعجيل بفرض كثير من التعديلات والتغييرات المحورية على النظام دون اللجوء لحيل السياسيين طويلة النفس مشبوهة الهدف، وإلى هذه المرحلة كانت النية أيضا حسنة في معظم الأحيان. غير أن دوام الحال من المحال، حيث تكثر المكائد الداخلية والخارجية بطبيعة الحال من قبل الضحايا والخاسرين، فيزداد النظام تشبثا بالسلطة مضيفا من الصلاحيات ما يسلب الشعب حقة في أدنى الممارسات الديمقراطية كالاقتراع وغيرها، فتبرز الدكتاتورية وليدة الخوف من “عدو الشعب” فيما يشبه المرض النفسي. وهنا يضاف إلى العدو الخارجي الطامع في ثروات تلك الدولة عدوا آخر فقد السيطرة على ذاته من فرط الهوس بمعاداة الآخر. وهنا يجب أن تفشل النظرية حتى وإن هبطت من السماء، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.