خرجت أنظمة العالم من سجن ارتباط فكر التنمية الاقتصادية بمعدلات نمو الناتج الإجمالي القومي GDP واتجهت بعد اعترافها بالخطأ نحو الارتباط بمعدلات التنمية البشرية HDI. فالتنمية الحقيقية هي ما ينعكس على الفرد والمجتمع من نمو حقيقي وارتفاع لمستوى المعيشة ونموه كأنسان فاعل وممثلا لمجتمعه الساعي نحو التحضر. أما الارتباط المحدود والقاصر على النمو الرقمي للاقتصاد الوطني ما هو إلا دعما لبقاء الأنظمة في سدد الحكم وترسيخا للفروق الطبقية بين الأغنياء والفقراء وخاصة في ظل غياب عدالة التوزيع. فالتخطيط لتنمية المجتمع المتكون من وحدات فردية إسمها “الإنسان” هو لب التنمية الاقتصادية الحقيقي. ويبدو أن هذه المفاهيم التنموية الحديثة مازات مختلطة ومغلوطة في مصر، فالفخر بالأرقام مازال مسيطرا على صناع القرار في هذا البلد. وبعيدا عن التعميم وعدم الوضوح، دعونا نأخذ مدينة صغيرة كدمياط يعتبرها البعض فخرا للتنمية في مصر. فكثيرا ما نسمع ونقرأ عن تلك المدينة المنتجة كثيرا من التعليقات المفرطة في المدح كما يلي: “يابان مصر”، “ياريت مصر كلها دمايطة”، “المدينة الخالية من البطالة”، “أعلى معدل لدخل الفرد في مصر”، “المدينة الخالية من الأمية” وغيرها الكثير والكثير من المسميات والشعارات التي لا تخلو من الحقيقة نعم، لكنها لم تؤدي بالضرورةإلى تنمبة حقيقية.
“يابان مصر”، ربما هنالك وجه شبه بين الشعبين اليابانى والدمياطي في تقديسهما لقيمة العمل، وهذا موروث ثقافي قديم توارثه المجتمع كسلوك إنساني يومي، غير أن الفرق شاسع بين النموذجين. ليس فقط في حجم الثروة ودرجة التاثير العالمية وغيرها من المؤشرات السطحية، فالفرق الحقيقي يكمن فيما بعد إولى مراحل التنمية المتمثلة في دافعية المجتمع لتقديس العمل والاجتهاد في الإنتاجية من أجل رفع مستوى الدخل. ففي اليابان عملت الحكومة بوعي وحرص على فهم قدرات شعبها وتوجيهها بصورة بديعة التخطيط تنقلهم من مرحلة إلى أخرى تماما كما ينتقل طالب المدرسة الابتدائية من عامه الأول إلى الثاني وهكذا حتى يتخرج من الجامعة أو ما يمكن أن نسميه “شهادة إتمام التنمية”. فالحكومة عندهم على سبيل المثال بعد الحرب العالمية الثانية وبعد أن تحققت من رفع مستوى دخل الفرد بناءا على حبه للأعمال الصغيرة (حيث كانت قد دمرت كل كبريات مؤسساتهم الاقتصادية)، عملت جاهدة على تنمية الفكر الاقتصادي الاتحادي والتكاملي بين أفراد ماكينة العمل الصغيرة مع التركيز عل رفع القدرات الفردية الإنتاجية والفكرية فيما يخدم المجتمع قبل النظام، فالنمو الاقتصادي “وحده” لا ينعكس بالضرورة على النمو البشري للأفراد، وهنا يأتي دور الخطط التنموية الشاملة ذات البعد الإنساني، وهنا فقط تشكلت صورة اليابان الحالية كقوة اقتصادية وبشرية لا يستهان بها عالميا. أما يابان مصر فمازالت “هناك” تخرجت من الصف الأول الابتدائي ثم فقدت طريقها للوصول للصف الثاني. نعم قد نجحت في تحقيق الكثير من الصعود فوق كثير من مشكلات الفقر والجهل، غير أنها فاقدة الطريق نحو ما نسميه بالتنمية البشرية كنتيجة كان يجب أن تكون متماشية مع النمو الاقتصادي في ظل غياب واضح للتخطيط المرحلي الذي يجب أن يرتبط بالحراك الاجتماعي بعد ارتفاع معدلات الدخل، وتوجيهه نحو مزيد من النمو الإنساني قبل النمو الاقتصادي.
فارتفاع مستوى دخول فئة العمال المهمشة منذ القدم على رغم أهميتها وكبر حجمها في نسيج ذلك المجتمع، جعلها تفرض سلوكها الاستهلاكي “الاستظهاري” وغير الواعي إضافة إلى استحداث ظاهرة التحرش الجنسي الغير مألوفة في ذلك المجتمع المعهود بدماثة الخلق كرد فعل طبيعي ضد تاريخ طويل من تجاهلها. وفي المقابل، وبدلا من إشراك أصحاب الفكر والمهارات العلمية والدراسات العليا في حركة التنمية المتسارعة من أجل تحقيق توازنا اجتماعيا، لم تجد تلك الفئة مكانا لها لمشاركة النهضة فاتجهت للبحث عن فرص أخرى ربما محليا في القاهرة والأسكندرية، أو حتي خارجيا حيث توجد مؤشرات على تواجدهم في بعض المدن الغربية كبوسطن بالولايات المتحدة وميلانو بإيطاليا ولندن بانجلترا كما تتناقل القصص بين أهل تلك المدينة. والأشد ألما هو ذلك السيل من الاستثمارات الأجنبية المتمثلة في المصانع العملاقة الجديدة هناك، والتي يكاد أن يكون معدوما في تحقيق تنمية ما مرتبطة بالبيئة التي تعمل بها وتلوثها على أهلها بدون حتى إيجاد فرصة عمل لذوي المؤهلات من أبنائها. فلماذا يبقون إذا حيث تفضل العمالة الأجنبية أو حتي من المحافظات الأخرى على أبناء الأرض صاحبة الاستثمار. ناهيك عن دور المرأة العاملة المتضائل في تلك “النهضة الوهمية” حيث لم تتفق سمات شخصية المرأة الدمياطية على حد فهمهم لها مع قواعدهم الوظيفية فنسمع لكثير من القصص عن رفض إحدى المتقدمات للعمل من أصحاب المؤهلات فقط لأنها “متحجبة” فلا تجد بدا غير انتظار “العدل” في بيت أهلها بعد سنين من الجهد في التعليم، والكثير والكثير من الأمراض الأخرى المستحدثة. ومن هنا قد يمثل التغير الاجتماعي الحادث في تلك المدينة الصغيرة المتفردة نموذجا مصغرا لما قد يكون عليه مستقبل مصر في ظل الغياب الحالي لوضع التنمية البشرية كأولوية في التخطيط، مما يؤدي إلى ظهور أمراض اجتماعية مستحدثة كما الحال في “يابان مصر” في العشرين سنة الماضية بالغة التأثير على ذلك المجتمع. وربما يكون وسيلة لاستطلاع المستقبل بصورة أوضح لما قد يكون عليه الحال في مصر كاقتصاد متسارعا في النمو وخال من التخطيط المرحلي المدروس للإنسان كمحور للتنمية الاقتصادية أو ما يسمي بالتنمية البشرية الحقيقية، وغياب الرؤية المنهجية لما بعد “سنة أولى تنمية”.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.