في آخر تقرير صدرعن الفينانشال تايمز فيما يخص تجارة القمح العالمية، تفوقت إيران على مصر في إجمالي وارداتها من القمح لعام الحبوب الحالي والذي يمتد لنهاية يونيو القادم. ويعود ذلك للجفاف الذي أصاب قطاع الزراعة الإيراني مؤخرا، مما دعي الحكومة الإيرانية لاتخاذ تدابير احتياطية بتأمين مخزونها من القمح لضمان أمنها الغذائي. والملفت للانتباه أن تلك الفجوة قد تم تعويضها بالاستيراد المباشر من الولايات المتحدة بعد 26 عاما من شبه القطيعة التجارية بين البلدين. ويتوقع المراقبون في الحكومة الأمريكية أن تصل الواردات الإيرانية من القمح إلى 8.5 مليون طن هذا العام بما يرفع حصتها إلى 6.5 %  من إجمالي  تجارة الحبوب العالمية.

وقد شهد هذا العام تصاعدا في حجم صادرات القمح العالمي من نوعي EU-27 و FSU-12 عائدا لزيادة الطلب عليه في منطقة الشرق الأوسط حيث سجلت إيران زيادة قدرها نصف مليون طن ومصر 0.4 مليون طن وتونس 0.3 مليون طن إضافة إلى 0.2 مليون طن لكل من ليبيا وتركيا. ويأتي ذلك في ظل الجدل الدائر مصريا حول حرب متنوعة الفصول على تجارة القمح بين روسيا والولايات المتحدة تدور على أرض مصر، لم يسلم البرتقال المحلي من نيرانها الصديقة في معارك متشابكة الاتهامات أبطالها السوس والدود وذبابة الفاكهة وارتفاع لنبرة نظرية المؤامرة.

فبعد ارتفاع حجم الدعم الحكومي الموجه للقمح إلى 15 مليار جنيه وانخفاض حجم الطلب على القمح الأمريكي إلى 25% هبوطا من 60% من إجمالي القمح المستورد بعد أزمة الخبز بالعام الماضي وارتفاع أسعار القمح عالميا، نزعت الحكومة إلى تنويع مصادر وارداتها من القمح وحصلت روسيا على نصيب الأسد من هذا التغيير الاستراتيجي. ومن المعروف أن حجم الإنتاج المحلي من القمح المصري هو 3 ملايين طن تزرع على 3 ملايين و ألف 100 فدان بما يوفر ما يقرب من 40% من حجم الاستهلاك العام من القمح. غير أنه مؤخرا قد أصبحت تلك الواردات محل تساؤل عن مدى سلامتها للاستهلاك الآدمي بعد التأكد من حالات إصابات متعددة للقمح الروسي بالسوس والديدان وبعض الحبوب السامة مما أثار ضجة إعلامية مصرية وروسية وبالطبع لم يغض الإعلام الأمريكي الطرف عنها فخصصت شبكة السي إن إن ملفا خاصا عن هذه القضية الحساسة أمريكيا، وخاصة بعد زيارة أبو الغيط الأخيرة لموسكو حيث تصدرت هذه القضية جدول الأعمال.

وقد تصاعدت نبرة نظرية المؤامرة في الأوساط الإعلامية المصرية مشيرة إلى حرب تنافسية نشبت بين أصحاب المصالح في كل من الشركات المستوردة للقمح الروسي مقابل تلك المستوردة للقمح الأمريكي. فتعالت الأصوات بالمطالبة بتشديد الرقابة والتفتيش الصحي على واردات القمح، بما دفع النائب العام المصري عبد المجيد محمود إلى تشكيل لجنة ثلاثية من أساتذة كلية الزراعة بجامعة القاهرة لأخذ عينات من شحنات القمح المتحفظ عليه وكتابة تقرير نهائي وتسليمه للنائب العام. هذا وقد التزمت الحكومة الروسية درجة عالية من الدبلوماسية مطالبة بعدم تسييس المشكلة وخاصة بعد توجيه الاتهامات لها باتخاذ إجراءات “انتقامية” تجسدت في توقيف شحنة 168 طن من البرتقال المصري الموجهة إلى الأسواق الروسية بدعوى الإصابة بذبابة الفاكهة.

ويعود الجدل من جديد في الأوساط السياسية المصرية للتساؤل عن مدى إمكانية تبني برنامجا قوميا طموحا للاكتفاء الذاتي من القمح كما تنادي الكثير من التيارات المعارضة والمستقلة ومن أشهرها حركة كفاية والتي تصر على قدرة مصر على تحقيق هذا الاكتفاء حال توفر القرار السياسي لذلك. أما في دراسة أجراها هانز لوفجرن المتخصص فى اقتصادات الشرق الأوسط مع مجموعة أخرى من الباحثين تحت اسم “إصلاح سياسة القمح بمصر”، فقد أوصى الحكومة بالتركيز على دعم أبحاث التنمية الزراعية قائلا “إن استثمار الحكومة في تطوير أنواع أخرى من القمح عالية الإنتاج لن يساهم فقط في رفع الإنتاجية أو زيادة دخل الفلاح، بل سيساعد في توفير القمح المخصص للرغيف البلدي وبرنامج الدقيق المدعوم بدون الحاجة إلى زيادة الدعم الموجه له”. في حين يتجه رأي د. عبد السلام جمعة المعروف بأبو القمح إلى عدم تفاؤله من قدرة مصر من الوصول إلى درجة الاكتفاء في ظل نمط الاستهلاك المحلي ومشاركة الماشية والدواجن للمواطن المصري ب 12% من القمح المدعوم إضافة إلى حتمية التوسع في زراعته للوصول إلى 5 ملايين فدان وهو مايعتبره ابو القمح مستحيلا. وهنا يتضح أن هبوط مصر للمرتبة الثانية بعد إيران كأكبر مستورد في العالم ليس مبنيا على تطور ما في سياسة القمح وإنما هو الظرف الإيراني الطارئ الناتج عن موسم زراعي ضربه الجفاف وصعوبة الظرف المصري الغير قادر على الخروج من دائرة الاعتماد الغذائي على الغير.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.