أطلقت المدرسة النمساوية الاقتصادية عام 1871 عندما نشر كارل منجر كتابه “مبادئ الاقتصاد”، حيث تحدث عن عالمية التحليل الاقتصادي وأن الإنسان واختياراته هو المقياس الصحيح لهذا التحليل. وقد آمن منجر أن اختلاف المنطق الإنساني في الاختيار هو العائق الوحيد أمام الوصول إلى نظرية اقتصادية موحدة تسود العالم. وقد بنيت مبادئ تلك المدرسة الفكرية على عدة فرضيات كلها اتخدت السلوك الإنساني كقاعدة حتمية يجب أن تنطلق منها كل النظريات الاقتصادية.
ومن تلك الفرضيات أنه “فقط الأفراد هم أصحاب الاختيار”. وهنا يرى أصحاب تلك المدرسة أن الإنسان بأغراضه ومخططاته الفردية يعتبر البداية لكل التحليلات الاقتصادية، وأن الكيانات الجماعية ببساطة لا تعرف أو ربما ليس بمقدورها الاختيار. وكذلك افترضت تلك المدرسة أن “دراسة السوق هي في جوهرها مبنية على السلوك التبادلي في إطار المؤسسات التي تتم في حدودها هذه العمليات”، حيث يرتكز النظام السعري تحليليا هنا على العمليات التبادلية التي تطرأ في السوق، ثم عملية التبادل نفسها، وأخيرا المؤسسات التي تحدث بداخلها تلك العمليات.
ومن فرضياتهم ايضا أن “حقائق العلوم الإنسانية ماهي إلا ما يؤمن به الناس ويعتقدون فيه” فالمجتمع من المفروض أن يفهم أغراض وأهداف “الآخر” وذلك ببساطة لأنه إنسان مثلنا. وهنا تنتقد المدرسة العلوم المادية بشدة في تبنيها لفكرة أن العلم قادر على وضع نماذج وأطر يمكن أن تصنف الأفراد والمجتمعات والتوصية بأن تتقولب بداخلها فيما يخالف الطبيعة البشرية صعبة التنبؤ بسلوكها. وتكتمل الفرضية السابقة بتلك التى تشير إلى أن ” تكوين المؤسسات الاجتماعية هو نتيجة للسلوك الإنساني وليس العكس”، فالكثير منها ما هو إلا نتاج للأفعال المتكررة التي يقوم بها الفرد فتتكرر وتتكرر إلى أن تصبح سلوكا جماعيا تتبعه مرحلة تكوين المؤسسة الحاضنة لهذا النشاط.
ولفهم تلك الفرضيات الاقتصادية المتعمقة في تحليل السلوك الإنساني دعونا نضرب مثلا بإحدى حدائق ميدان التحرير الضخم في نهار أحد أيام صيف القاهرة الحار. فلنفترض أن شخصا منذ عدة سنوات كان لديه ضيق في الوقت وعدم قدرة على تحمل تلك الشمس الحارقة في حين ضرورة عبوره للجانب المقابل من الميدان، فهل يسير باتجاه دوران الميدان كما وضع له النظام؟ بالطبع لا! فهو ببساطة يقرر اختراق الحديقة بوسط الميدان لتجنب كل تلك المعانة الغير منطقية (على الأقل بالنسبة له) وربما يقلده القليل فيتركون اثرا مرئيا على أرض الحديقة بفعل أقدامهم فيعتبره الآخرون سلوكا جماعيا مقبولا ومنطقيا فيصبح عبور هذا الطريق الغير مخطط له نشاطا إجتماعيا شائعا.
وإسقاط تلك القصة على علم الاقتصاد يوضح أن البشر لا يقومون عن عمد يتكوين طبقات من التعقيدات التبادلية والمؤشرات السعرية من أجل العمل داخل اقتصاد السوق، فنيتهم ببساطة تتمثل في رغبتهم في أداء يحسن سبيلهم الشخصى في الحياة، غير أن سلوكهم هذا ببساطة يؤدي إلى ما يسمى “نظام السوق”. وهو ما لا يختلف كثيرا عن مبادئ الراسمالية البحتة في اعتدالها بعيدا عن الإمبريالية الاقتصادية، غير أن البيئة النمساوية السياسية في أوائل ومنتصف القرن العشرين لم تحتضن تلك المدرسة فهاجرت إلى بريطانيا ثم الولايات المتحدة. مما نتج عنه ذوبان بطيئ وتزاوج متعدد ومتراكب لأفكارها مع الراسمالية الكلاسيكية وأتباع “آدم سميث”، فاختفت واختفى معها أملا في أن يكون علم الاقتصاد علما قادرا على فهم السلوك البشري ومقدرا لطبيعة الاختلاف السلوكي ومن ثم الثقافي بين الشعوب بدلا من تقديم حلولا عامة تفرضها أمم على أخرى.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.