دائما ما يتهم الاقتصادي الشهير جلال أمين الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة كتابه ذائع الصيت “ماذا حدث للمصريين” بالتغطية على أعماله الأخري التي لا تقل جودة عنه بل ربما تزيد. ويلقي أمين باتهام جديد كعادته دائمة التحليل والانتقاد على علم الاقتصاد ككل هذه المرة من خلال كتابه “فلسفة علم الاقتصاد: بحث في تحيزات الاقتصاديين وفي الأسس غير العلمية لعلم الاقتصاد”. وهو بلغته الرشيقة خفيفة الظل أحيانا والمؤلمة أحيانا أخرى يرسم صورة قد توصف بانها “مأساوية” لما وصل إليه برؤيته الخاصة من كون علم الاقتصاد هو علم طبقي وليد المجتمع الذي نشا وترعرع فيه، والذي لا يمثل بالضرورة أي نموذج يجوز تقديمه للثقافات الأخرى.
ويتدرج أمين في كتابه الموجه لعامة القراء والمتخصصين على السواء في تقديمه لكافة الموضوعات التي يتناولها هذا العلم بداية من المداخل البسيطة له، نهاية يالنظريات والتطبيقات المتخصصة في نواحي شتى كالناتج القومي والعمالة والتنمية الاقتصادية والتجارة الدولية دون التحيز لأي من المذاهب الاقتصادية على الرغم من ميوله الاشتراكية المعروفة. حيث اتهم الاقتصاديون بادعاء الحياد في نظرياتهم والميل إلى تمثيل الشريحة التي ينتمون إليها بناءا على نظرة اجتماعية وفلسفية يؤمنون بها. وبالتالي وفي غياب موضوعية وحياد علم القتصاد، تسقط حتمية صحة تلك النظريات والمفاهيم بما يعطي الحق للشعوب الأخرى لرفضها واختيار عدم السير على دربها.
ففرضيات تلك النظريات دائما ماتكون ثابتة على غير حقيقتها وغير منطقية بطريقة قد توصف على أنها “لي للحقيقة” من أجل الوصول لنتيجة معدة مسبقة. وتلك النتائج غالبا ما تكون نابعة من الخلفية الثقافية والاجتماعة الخاصة بواضعيها، أو ربما تكون أيضا نابعة من تجسيد فكرة أفضلية أمة على أخرى تبعا لموازين القوى السائد في التاريخ الحديث على اختلاف أشكال الاستعمار وتطورها من الكلاسيكية انتهاءا بالعولمة بما يصب في مصلحة استمرار السيطرة من دول على أخرى.
وعلى الرغم من نزعة أمين العامة في انتقاد الرأسمالية في كتاباته إلا أنه حافظ بصعوبة على أن يلبث هذا الثوب المحايد في اتنتقاده لتلك المفاهيم. بل أنه قام بامتداح قدرة الرأسمالية على التعايش مع الأزمات وإقناع المجتمعات بأنها ظاهرة طبيعية تدخل في تكوينها الفلسفي ذو الطبيعة الديناميكية، على عكس الاشتراكية التي سقطت بسقوط الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينات كما أشار مسبقا في إحدى ندواته عن الأزمة العالمية. وأبسط ما يقال عن كتابه هذا أنه قيمة اقتصادية تداعب فكر الاقتصاديين، وقرصة أذن للسياسيين فبل أن يدعوا معرفتهم بكل شيئ حتى الاقتصاد، بلغة لاتختلف عن طريقته فى الحديث جزل المعاني عالي الفكاهة الأدبية. وهو في كتابه هذا يسير على خط ستانلي فيشر – خبير صندوق النقد الدولي في قوله “لاتوجد نظرية واحدة يجمع كل الاقتصاديين على صحتها دون أن تكون بديهية أو مجرد تحصيل حاصل”.
نشر أولا بجريدة البورصة.