كطبيعة المصريين العاملين بالخارج، قام العديد منهم يتحويل المزيد من رواتبهم ومدخراتهم إلى الداخل كردة فعل طبيعية في بداية الأزمة العالمية نتيجة لخشيتهم من عدم استقرار الأسواق التي يعملون بها، وهي ظاهرة تتكرركلما توترت الأوضاع في منطقة الخليج ذات الكثافة العالية للعمالة المصرية. فطبقا لتقرير البنك الدولي الأخير المنشور بكتاب الحقائق عن العام 2008 تصدرت مصر قائمة الدول العربية المتلقية لتحويلات أبنائها العاملين بالخارج، والمركز السادس عالميا بين الدول متوسطة الدخل. أما تقرير البنك المركزي الأخير عن الفترة مابين يوليو 2008 ومارس 2009 فقد أظهر هبوطا نسبيا بما يقرب من 1٪ مسجلا 5,85 مليار دولار مقارنة بنفس الفترة من العام المالى السابق والتي قد حققت أكثر من 6 مليار دولار.
وفي تطور للأحداث قررت المنظمة الدولية للهجرة IOM الاستفادة من ذلك الارتفاع الذي سبق تقرير المركزي في المبادرة بتنظيم مؤتمر “المصريين بالخارج” بالتنسيق بصورة رئيسية مع وزارة القوى العاملة والهجرة وبعض الوزارات الأخرى كالخارجية والمالية والاعلام والاستثمار والصناعة والسياحة والاسكان والتعليم العالي والتربية والتعليم وهي جميعها من الوزارات المهتمة بتوجيه تلك التحويلات للاستثمار بالداخل. وسينعقد هذا المؤتمر الخاص لمدة ثلاثة أيام من 27 إلى 29 من يولية القادم تحت إشراف تنظيمى من خبراء أجانب يعملون بالمنظمة منذ بضعة أشهر لضمان نجاحه في جذب المزيد من الأموال المصرية في الخارج من أجل مشروعات التنمية الاقتصادية بمشاركة من جمعيات رجال الأعمال المصرية بالمهجرفي ظل تراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية مؤخرا بسبب الأزمة.
أما تقرير البنك المركزي الأخير الذي يشير إلى تراجع هذه التحويلات بعد التعويل الكبير عليها من قبل الحكومة والمنظمات الدولية كأحد الحلول الأساسية لمواجهة الأزمة داخليا، فهو يأتي ايضا كتطور طبيعي ولاحق لهذا الارتفاع حيث ارتفعت نسبة تسريح العمالة بالخارج وانخفضت الأجور بما انعكس سلبا على نسبة هذه التحويلات كما أظهرت آخر الإحصاءات. وهو ربما يكون ما لم تتوقعه منظمة الهجرة الدولية المتفائلة بما جاء بتقرير البنك الدولي عن الهجرة والتحويلات المالية.
وتأتي أهمية تحويلات العمالة المحلية لأي دولة من الخارج في تمثيلها لرافد هام ومجاني لنمو أي اقتصاد، حيث تحقن مباشرة في الناتج الإجمالي القومي GNP وتسمى اقتصاديا بصافي التحويلات من الخارج NFP فيما يعد اقتطاعا مباشرا من” الكعكة الاقتصادية” للدولة المضيفة لتلك العمالة، وهنا تظهر الميزة النسبية للعمالة المصرية في الخارج كمحور من محاور التنمية والتي تقترب من 5 ملايين مغترب يقتطعون من تلك الدول ويضيفون للاقتصاد المصري بدون كلفة محلية على الأقل نظريا. حيث يعمل حوالي 3.5 مليون مصري [اوروبا والولايات المتحدة، ومليون ونصف بدول الخليج حيث تحتوي المملكة السعودية على أكبر النصيب منهم 1.2 مليون والكويت 200 الف والباقي يتوزعون في غالبيتهم على قطر والإمارات والبحرين. وتقدر نسبة فقدان هذه العمالة لوظائفها بحوالي 10% ويتوقع أن تكون المشكلة أكبر في عام 2010 مع عدم رغبة الشركات بتجديد عقود عملهم السنوية.
غير أن دور كل تلك المنظمات والمؤسسات لا يمثل السبب الرئيسي أو الوحيد وراء استمرار المصريين بصفة عامة في تحويل دخولهم ومدخراتهم من الخارج إلى الداخل، فإلى جانب عددهم الكبير والمؤثر يبقى العنصر الاجتماعى في تركيبة الشخصية المصرية شديدة الارتباط بالأهل في الداخل بالمدن عامة والقرى على وجه الخصوص هو الفيصل في استمرار تلك التدفقات منذ بداية الثمانينيات في مطلع موسم الهجرة المصرية وتنامي اقتصادات البترول. بل ربما ينحصر دور تلك المنظمات والهيئات في اقناع تلك الشريحة الضيقة من رجال الأعمال المصريين بالاستثمار بالداخل عن طريق توفير المناخ المناسب لهم مع كثير من التسهيلات أو ربما الاستثناءات.
وهنا مرة أخرى يظهر التقصير في حق السواد الأعظم من العاملين بالخارج حيث يوجهون النسبة الأكبر من تحويلاتهم إلى الاستهلاك المباشر والذي لا يعد معيبا في حد ذاته، غير أن العائد على الاقتصاد المحلي غالبا ما يكون أعظم لو وجهت إلى الاستثمار. ويأتي القصور هنا نتيجة لصعوبة التواصل مع تلك الأعداد الكبيرة منهم والمتواجدة تقريبا في كل مدينة وقرية مصرية، فلا تجد الحكومة بدا من الاختيار الأسهل بالتواصل مع أصحاب الأرقام الضخمة لصغر عددهم وتميزهم بخبرات استثمارية سابقة في الخارج. والحقيقة هنا أن مجموع تحويلات العمالة البسيطة يمثل النسبة الأكبر دائما من الإجمالي العام، بما بستدعي إيجاد الحلول والبدائل الاقتصادية من أجل تشجيع هذا القطاع في الاستثمار بالمشروعات الصغيرة أو في تكوين اتحادات استثمارية محلية أو حتى قروية. وهو ما يغيب أيضا على المخطط المصري بصورة جوهرية، حيث تتوافر أحيانا بضعة آلاف يعملون بدولة ما واحدة وفي نفس الوقت هم من أبناء ذات القرية شبه معدومة البنية الأساسية. فلا تجد لهم أي من أشكال الاتحاد لا بالداخل ولا بالخارج إضافة إلي سقوطهم من حسبان هيئات وصناديق الاستثمار وفي مقدمتها الصندوق الاجتماعي للتنمية الذي من المفروض أن يكون هذا النوع من الاستثمارات الصغيرة والموجهة من أولى أولوياته، بل تجد قرا بأكملها لاتعرف أساسا بوجود مثل هذا الصندوق. ومن هنا ينتظر الجميع ما الذي سوف يقدمه هذا المؤتمر ذو الترتيبات الخاصة غير المسبوقة في دفع المزيد من المصريين للاستثمار بالداخل كبديلا استراتيجيا في ظل الأزمة كما سيتضح في أواخر يوليو القادم.
هذا المقال نشر أولاً البورصة.