ذكرت وكالة رويترز والكثير من الصحف على صدر صفحاتها نقلا عن وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية أنه من المتوقع أن يتجاوز معدل نمو الاقتصاد المصري 4.5 بالمئة في السنة المالية 2008-2009 مع بدء التعافي من تداعيات الازمة المالية العالمية.
وعقبت رويترز في متابعة للتصاريح الحكومية المتتالية من الوزارات المصرية المرتبطة بالاقتصاد والاستثمار بوجه عام أنه وفي وقت سابق من الشهر الجاري قال وزير المالية المصري أن من المرجح أن يتراوح معدل النمو خلال الفترة بين ابريل ويونيو وهي الربع الاخير من السنة المالية 2008-2009 بين 4.5 و4.7 بالمئة.
وفي مسار مختلف تماما بالعدد السابق لمجلة الإيكونوميست توقعت وحدة الأبحاث التابعة لها أن ينمو الاقتصاد المصرى بمعدل 3.9٪ خلال العام المالى الحالى 2009/2010، نتيجة لاستمرار التراجع فى صادرات السلع والخدمات بالإضافة لانخفاض الطلب الاستهلاكى وهو ماتبني عليه الإيكونوميست توقعاتها. كما حذرت فى تقريرها السابق من الآثار الاجتماعية السلبية لتراجع معدلات النمو خلال الأعوام المقبلة، مقارنة بمعدلات ما قبل الأزمة، مشيرة إلى أن الفقراء هم الذين سيتضرون ويتأثرون بشكل كبير.
والاختلاف هنا في التقديرات يعيد من جديد قضية تشوش المؤشرات الاقتصادية في مصر، فأيهما أصح؟ الحكومة المصرية المنغمسة في كل تفاصيل المطبخ الاقتصادي، أم وحدة أبحاث الإيكونوميست ذات السمعة العالية التي يعمل بها فريق لا يستهان به من المتخصصين. سؤال محير يصعب الإجابة عليه وسط تناقض الممارسات الحكومية محدودة الشفافية الاقتصادية ونظرة “الخواجة” الذي يعتقد دائما أنه يعرف أفضل.
لكن الحق يقال أن التشوش قائم وبصورة مرضية في عمليات القياس الاقتصادية المصرية والذي نجم عن الكثير من الممارسات الخاطئة التي أدت إلى أن يكون من الصعب فعلا أن نتحدث عن أرقام صحيحة. فالتشوش موجود في كثير من القطاعات الاقتصادية والأغنياء على سبيل المثال يحصلون على نسبة من الدعم تماما مثل الفقراء وغالبا ما يذهب للصناعات كثيفة رأس المال وليس إلى كثيفة العمالة كما يفترض أن يكون.
ومن ناحية أخرى ترسخ التشوش، أنه مازال الحد الأدنى للأجور متوقفا عند 53 جنيه في الشهر وهو حد غير منطقي. أما في سوق السلع فإنه يعاني من كثير من الممارسات الاحتكارية في شبكات التوزيع سواء الجملة منها أو التجزئة. ثم يأتي هنا الدور الأكبر في تشويش المؤشرات والناتج عن ضخامة حجم الأنشطة غير الرسمية (اقتصاد الظل). وقد يتضح ذلك من متابعة الأنماط الاستهلاكية للمواطن المصري حتى في المجتمعات الفقيرة والتي تؤكد على عدم دقة تقديرات الناتج الإجمالى المحلي، وهو الذي دائما ما يتم ربطه بمعدلات النمو الدائم ذكرها بالتقارير مرارا وتكرارا على اختلاف وتنوع وحيادية مصادرها من عدمه.
وسؤال آخر يطرأ هنا، لماذا لا تعترف التقارير سواء الرسمية منها أو غير الرسمية بعجزها عن إيجاد تقدير دقيق لما يحدث بالفعل، ولماذا لا تحاول بجدية أن تستهدف تلك المشكلة الخطيرة التي قد تؤدي بالطبع إلى الفهم الخاطئ للمجريات الاقتصادية المحلية مما قد يؤدي بدوره لاتخاذ القرار الخاطئ دائما. غير أن الخواجة دائما يعرف أكثر والحكومة تجتهد بإصرار في “تفريح” الشعب، وكأنه زبون يقف عند بائع الفول يطلب منه بربع جنيه “نمو” ويرجوه أن يتوصى.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.