لو كان قد قدر ليونس شلبي رحمه الله أن يلعب دور الاقتصادي في مسرحية مدرسة المشاغبين بطريقته الهزلية متفككة المعاني والمنطق، لكان ذلك تجسيدا دقيقا لشخصية الكاتب الاقتصادي المعروف ستيف لافيت والذي حصل على جائزة “جون بيتس كلارك” كأفضل اقتصادي تحت سن الأربعين عن كتابه “اقتصاد غريب الأطوار” أو Freakonomics. تماما كما كان يؤدي يونس شلبي دوره في المسرحية، كتب لافيت كتابه تقريبا بنفس الطريقة الهزلية الملفتة للانتباه والباعثة على الضحك في انتقاد كل المبادئ والأساسيات التي يبني عليها معظم علماء الاقتصاد فرضياتهم  واستنتاجاتهم التي يؤمن بها الجميع وكأنما أنزلت من السماء. وعبقرية لافيت وشريكه في الكتابة ستيفن دابنر تجسدت في استغلال بعض الإحصاءات والأرقام التي أهملها الجميع متعالين على أهميتها من أجل إيجاد مفهوم أوضح تصادف أنه يخالف ما كان يبشر به عباقرة الاقتصاد ربما لما يقرب من قرن.

 

إن هذا الكتاب عمليا يعد شديد التركيز على المجتمع الأمريكي، غير أنه يمثل نموذجا يجب وضعه في الاعتبار مستقبلا عندما يشرع أحدهم في دولة ما بادعاء الإلمام بإحدى القضايا الاقتصادية وعلاقتها بالمجتمع. فقد طرح لافيت عدة تساؤلات في ستة فصول مبنية على تلك الإحصائيات والأرقام التي تبدو عديمة الارتباط بالاقتصاد الاجتماعي، ومنها: البحث في غش المدرسين ولاعبي المصارعة، التحكم في المعلومات في الشركات العسكرية والسمسرة العقارية، اقتصاد المخدرات والدخل المتدني لصغار التجار، إباحة الإجهاض قانونيا وانخفاض معدلات الجريمة، التأثير الغير ملفت للآباء المثاليين على التعليم، والأنماط الاقتصادية الاجتماعية في تسمسة الأطفال. وكلها جدليات قد تستخدم أدوات علم الاقتصاد في إثبات حقيقة غير اقتصادية أو حتي العكس في استخدام أدوات أخري غير معتادة ربما لدحض مسلمة اقتصادية يتفق عليا الكثير.

فعلى سبيل المثال اتخذ لافيت مثال مصارعي السومو – أحد أنواع الرياضات اليابانية عالية المشاهدة في الغرب – لإثبات حقيقة الغش الدائم في منافسات هذه الرياضة، حيث يتنافس المصارعون على مدار خمسة عشر مباراة ولا يصلون للنهائيات إلا إذا فازوا بما لايقل عن ثمانية منها. ومن المعروف عن مجتمع مصارعي السومو أنهم شديدي الارتباط ببعضهم البعض مما أكد للكاتب انهم يغشون في نتائج المباريات بتحديد الفائز مسبقا لكي يحصل كل منهم على اللقب بالترتيب مع الآخرين، حيث أنه وجد إحصائيا أن 80 % من المصارعين الذينيصلون للمباراة النهائية من غير الحاصلين على اللقب كان الفوز من نصيبهم. وهي حقيقة قد تكون غير اقتصادية ولكنه استخدم أدواته الاقتصادية لكشف هذا الغش وفضحه.

ومثالا آخر تناوله لافيت في كتابه والذي يعد المسار المعاكس للتساؤل السابق هو الحقيقة الاقتصادية الاجتماعية التي تناولتها الأبحاث الأكاديمية والحكومات الأمريكية المتعاقبة في أن انخفاض معدلات الجريمة بالولايات المتحدة في التسعينات يرجع إلى النمو وبرامج التأهيل الاجتماعي ومكافحة الجريمة. هنا قام لافيت بنفي كل تلك الأسباب وأرجع ذلك الانخفاض إلى تشريع القوانين التي تسمح بالإجهاض والتي بدأت في السبعينات، وقد نجح بالفعل في إثبات هذه العلاقة إحصائيا وبرهن على صحتها ملقيا بكل إنجازات كبار الأكاديميين والاقتصاديين فيما يخص هذة القضية في مرحاض التاريخ العلمي. وخاصة عندما تأكد أنه حتى الولايات التي قد بكرت ثلاث سنوات في تطبيق هذه القوانين مبكرا، حدث بالفعل أن سبقت الولايات الأخرى في بدء انخفاض معدلات الجريمة بفارق نفس المدة الزمنية.

لقد استطاع لافيت بمعاونة صديقه دابنر أن يفند بصورة كوميدية وجذابة الكثير من عقائد علم الاقتصاد الراسخة ويثبت عدم صحتها بطرق غير تقليدية مستعينا بارقام وبيانات هي أيضا غير تقليدية، متبعا في ذلك لفطرطه الشكاكة في حقائق الأمور مسجلا للائحة طويلة من الاتهامات ضد من يعتبرهم “مدعي اليقين”. ولم يتوانى مرارا وتكرارا عن التذكير بأن علم الاقتصاد ماهو إلا إثبات لما هو” حقيقي بالفعل” وليس “ما يجب أن يكون حقيقي”، بمعنى أن الاقتصادي الفطن هو من يستطيع الوصول للحقيقة بغض النظر عن المنهجية المتبعة أو النظرية المثبتة حتى وإن خالف المسلمات المسبقة. وهو بالفعل يطبق ذلك المبدأ على نفسه بأمانة تجعله حتي لا يدعي اليقين المطلق من اكتشافاته، بل يترك القارئ وحريته في أن يقرر موافقته من عدمها على استنتاجاته من خلال رحلته في صفحات كتابه.

ربما لا يستطيع كل الاقتصاديين اتباع نفس منهجية لافين ودابنر في رؤية العلاقة بين الأشياء وبعضها بنفس الموهبة، غير أن جميعهم عليهم ألا يستأنسون لما هو مالوف من المفاهيم المتفق عليها والتي هي في الأصل من صنع الإنسان وبالطبع قد تحتمل الخطأ. وربما أيضا استطاع يونس شلبي بان يضع أفكارا وجملا غير مترابطة لم يفهمها الجميع غير أنه أضحكهم، أما لافيت فقد تفوق بجدارة في الربط المنطقي بين المتناقضات والمشتتات الاقتصادية بصورة هزلية لاتقل عنه، غيرأن الجميع قد فهمها حتى عامة الجمهور.

نشر أولا بجريدة البورصة.