لقد فعلها الدمايطة. هكذا يحب أهالي عزبة البرج، بلدة الصيادين، أن يُقدّموا أنفسهم بعد انتصارهم الأخير الذي يشبه أفلام هوليوود في الصومال. الجميع يتحدث عن المغامرة البطولية لرفاقهم الصيادين الذين حرروا أنفسهم من القراصنة، وقتلوا أربعة منهم، وأعادوا ثمانية أسرى إلى مصر.

الرحلة شمالًا من مدينة دمياط، عاصمة المحافظة، إلى عزبة البرج، هي مغامرة في حد ذاتها. طريق ضيق ذو حارة واحدة هو الرابط الوحيد بين البلدة ومظاهر التنمية العمرانية، مما يساعد في الحفاظ على طابعها المحلي الفريد.

أول مقارنة تخطر على البال هي الصورة الكلاسيكية لكوبا، بسبب العدد الكبير المفاجئ من سيارات دودج الأمريكية في الشوارع الضيقة، والتي لا تزال تعمل كسيارات أجرة محلية منذ خمسينيات القرن الماضي.

وعند النظرة الأولى، تبدو البلدة صورة للفقر. ومع ذلك، عند استكشاف اقتصادها المحلي، قد تكون عزبة البرج أغنى مجتمع في مصر—رغم ما يثقله من تردٍّ في التنمية.

البلدة حرفيًّا جزيرة: يحدّها البحر المتوسط شمالًا، وبحيرة المنزلة غربًا، ونهر النيل شرقًا، وقناة الرطمة جنوبًا. هذا التشكيل الطبيعي جعل منها ميناءً رئيسيًّا للصيد منذ العصور اليونانية، وهي سمة لا تزال حاضرة في استخدام بعض السكان للغة اليونانية.

تشير منشورات غير رسمية إلى أن لديها أكثر من 2700 مركب، ما يجعلها تضم أكبر أسطول صيد في الشرق الأوسط، وبلا شك الأكبر في مصر. يقول حسام خليل، كبير الصيادين: «عزبة البرج بها 1050 مركبًا مسجّلًا. أما الباقي فعادةً ما يكون مسجّلًا في موانئ مصرية أخرى لكنه يفضل العمل هنا، حيث السوق أكبر».

ويضيف خليل: «تتراوح أطوال المراكب بين 15 و35 مترًا، وتستوعب طواقم تتراوح بين 8 و40 فردًا. ليس جميعهم من أبناء دمياط؛ فنحن نستقدم العمالة من أنحاء مصر لتلبية الطلب العالي، مما يجعل بلدتنا حيوية للاقتصاد الوطني».

الموت الأحمر

يُبحر هذا الأسطول الضخم في كلٍّ من البحرين المتوسط والأحمر، ويصطاد في المياه الدولية وكذلك الإقليمية لدول مثل ليبيا ومالطا وتونس وغيرها على سواحل البحر الأحمر.

يشرح خليل: «لقد وُقّعت اتفاقيات صيد كثيرة مع دول مجاورة في الماضي، لكنها جميعًا انتهت الآن. ولا تُبدي الهيئة العامة للثروة السمكية في مصر أي اهتمام بتجديدها، تاركةً كل مركب يواجه المخاطر وحده».

في عزبة البرج، من الشائع سماع حكايات عن طواقم يتم اعتقالها، وغالبًا ما يحدث ذلك شهريًّا. وتُعدّ السلطات الليبية مصدر الخوف الأكبر. يقول محمد أحمد، صياد مسن يستخدم اسمًا مستعارًا: «لو دخل مركب، حتى عن غير قصد، المياه الليبية الواسعة بشكل غير طبيعي، فلا رحمة هناك. لقد دفعوا لإيطاليا مقابلها. وبمجرد أن يتم القبض عليك، لا يكشفون عن مكان احتجاز الطاقم وغالبًا ما ينكرون وقوع الاعتقال لأشهر».

ورغم أن حادث القراصنة الصوماليين نال مؤخرًا اهتمام وسائل الإعلام، فإن مراكب البلدة تواجه منذ سنوات طويلة القرصنة قرب القرن الأفريقي، بل وتعاملت مع حكومات تخرق الاتفاقيات والتصاريح الرسمية التي صدرت قبل الإبحار.

ويجلب الشتاء تحديات إضافية. إذ تدفع الضغوط المالية المراكب إلى الإبحار في أسوأ ظروف الطقس، دون وجود تنظيم يمنع مثل هذه المخاطر. وتروي حكايات كثيرة مآسي لطواقم ومراكب ابتلعها البحر أو تجاهلتها السلطات.

ولا تزال مأساة الشتاء الماضي حاضرة في ذاكرة الأهالي: غرق طاقم مكوَّن من 12 فردًا في المياه المصرية شمال الإسكندرية. يتذكر جمال ميلو، صياد يبلغ من العمر 34 عامًا، قائلًا: «اتصلوا بكل الموانئ على الساحل بالراديو والموبايل، اللي كان لسه فيه شبكة. لكن محدش رد. مركب الإنقاذ استغرق ساعتين عشان يطلع من بورسعيد وساعتين كمان عشان يوصلهم. وقتها كانوا ماتوا خلاص».

الإحساس بالاضطهاد واضح في قصص الأهالي، ويغذّيه تجاهل الحكومة والبحر على حد سواء. ويختصر محمد الصنّي، صياد سابق في أواخر العشرينات يعمل حاليًّا نجارًا في دمياط، أسباب تركه للمهنة قائلًا: «ده موت أحمر». ومع ذلك، يبدو أن المخاطر تحوّلت إلى إدمان لكثيرين، تدفعه مشاعر فخر بحري عميق.

تحديات ناشئة

الطبيعة، والقرصنة، والإهمال الحكومي ليست التهديدات الوحيدة التي تواجه الأسطول؛ فالتقلبات الاقتصادية والسياسية تضيف مزيدًا من الأعباء على القطاع. الديزل لطالما مثّل عبئًا، إذ يستهلك جزءًا كبيرًا من ميزانية كل رحلة، لكن ارتفاع أسعاره مؤخرًا جعله عقبة أكبر. يقول سمير خليل، مالك حلقة سمك (يربط المراكب بالأسواق): «أسعار الديزل قفزت من 70 إلى 220 جنيهًا للبرميل خلال أقل من ثلاث سنوات، وده قلل جدًا من أرباح المراكب».

كما ظهرت المخاوف الأمنية كعامل جديد نسبيًّا، مع قرارات مفاجئة من قوات حرس الحدود مرتبطة بتهريب المخدرات و«الإرهاب». وتحمل البلدة سمعة تاريخية مبالغًا فيها باعتبارها بوابة مصر الشمالية لتهريب الحشيش، رغم أن عدد حالات الضبط لا يعكس هذه السمعة.

يقول عادل أبو السعود، بائع مسن يبيع البسكويت للصيادين عند الميناء: «أحيانًا البحر بيرمي رزم حشيش ضايعة من مهربين دوليين، وممكن تقع في شباك الصيد».

ودفاعًا عن الصيادين، يضيف أبو السعود: «الناس دي طيبة. كانوا بيوقفوا رحلاتهم ويبلغوا حرس الحدود، وده كان بيكلفهم خسائر كبيرة. لكن بدل ما يشكروهم، كانوا بيتحبسوا أيام في التحقيق. دلوقتي بيرموها تاني في البحر عشان ميتعاملوش كأنهم مجرمين».

وتعقّد القضية الفلسطينية الأمور كذلك، رغم الجهل السياسي العام لدى الصيادين بسبب قضائهم معظم حياتهم في البحر. إذ أضافت القوانين المرتبطة بـ«الحرب على الإرهاب» مزيدًا من العقبات. وتنتشر روايات عن مركب تم ضبطه بزعم تهريب أسلحة إلى فلسطين، دون وجود أدلة. يوضح أبو السعود: «أحيانًا بيلاقوا سلاح، بس بيرموه في البحر كمان. الناس الغلابة دي مرعوبة على أكل عيشها»، رافضًا التصوير لأنه يعتقد أن ذلك محرَّم.

ويأتي تحدٍ آخر من الممارسة العامة في مشروعات البناء: «ابنِ الأول، واصلّح بعدين». فعند تجديد كورنيش رأس البر (المصيف الملكي القديم)، تُركت صخور خلفتها أعمال البناء، واستقرت في ممر الميناء. يقول سمير خليل: «الصخور دي خلت من المستحيل إن مركبين يعدوا جنب بعض على الكورنيش الجديد. وده تحدي حقيقي للقباطين إنهم يمروا بأمان، والحكومة لسه مرجعتش تصلّح اللي حصل».

رأسمالية «بالطبيعة»

سوق السمك في عزبة البرج مثال حي على اقتصاد السوق الحرة، دون أي تدخل حكومي يُذكر في تطويره. تصل المراكب طوال الليل، تتسابق لحجز مواقع في طابور عند حلقة السمك، ولكل منها مرسى خاص على النيل.

وفي السادسة صباحًا، يبدأ العمل مع تفريغ أول كميات الصيد. يحصل أول مركب على أفضل سعر، إذ يُعتبر حصاده نادرًا. ثم تبدأ الأسعار في التراجع تدريجيًّا مع كل مركب تالٍ حتى التاسعة صباحًا.

شمال دمياط، مصر، أغسطس2009. (ماهرحمود)

ثم يأتي دور تجار التجزئة في مشهد منظم آخر، حيث يشترون الأسماك من حلقة السمك من خلال مزاد علني مفتوح وشفاف. وتُحدّد العروض فقط وفقًا لقانون العرض والطلب، بما يضمن سوقًا متوازنة خالية من التدخل البيروقراطي.

يشرح خليل، صاحب الحلقة: «صناديق السمك يتراوح وزنها بين 20 و22 كيلوجرامًا. المركب الصغير يشيل من 60 إلى 80 صندوق، أما الكبير فيشيل من 75 إلى 100».

ومن منظور اقتصادي، قد يُتوقّع أن ترتفع أسعار الأسماك في ظل التحديات المتزايدة مثل ارتفاع تكلفة الديزل. لكن الأسعار ظلت راكدة.

وقد سمح السوق الحر بدخول كميات كبيرة من الأسماك المستوردة، مما أضر بأرباح السوق المحلي. يأسف خليل قائلًا: «رغم كل المعاناة اللي بيشوفها الصيادون وتكاليف التشغيل اللي بتزيد، إلا إن السمك المستورد بيمنعهم من كسب أرباح عادلة».

ويعترف ياسر زاهر، مستورد أسماك ينتقد مجاله، قائلًا: «السمك المحلي أحسن بلا شك، لكن مضطر أعتمد على المستورد عشان نقص المعروض بسبب مشاكل الأسطول. لازم أحافظ على شغلي».

ويشير زاهر كذلك إلى الفساد في نظام الاستيراد. يقول: «سلطات الميناء كل اللي يهمها الورق. ماعندهمش فكرة عن جودة السمك، ولا حتى فيه نظام حجر صحي شغال».

ويضيف: «المستهلكين يهمهم الحجم والسعر، مش الجودة. مايعرفوش إن السمك المستورد جاي من مزارع برّا، وإحنا ماعندناش فكرة بيتغذى على إيه. السمك اللي بنسميه صفّار (المسافر) صحي ومتغذّي طبيعي، لكن مش قادر ينافس في السوق ده».

التلوّث يهدد الصيد بشكل خطير

ومع اعتراف المستورد الشاب بتشوّه السوق نتيجة الأسماك الرديئة، تبرز قضية تلوّث المياه كأمر حتمي. ويتناول حسام خليل، كبير الصيادين، هذا الموضوع في سياق أوسع.

يقول خليل: «ربنا عطى مصر نعمة مية: بحرين، وخمس بحيرات، ونهر عظيم. وردًّا على النعمة دي، بنلوّثها بمياه الصرف الصحي، ونفايات المصانع الكيماوية، وكمان مخلفات مراكبنا».

ويضيف: «حتى المزارع السمكية الكبيرة اللي موجودة في بحيرة المنزلة وأماكن تانية، واللي الحكومة بتديها ترخيص وبتشجعها، هي أكبر تهديد للثروة السمكية. وبتكون السبب الرئيسي في الصيد الجائر، خصوصًا وقت التفريخ».

ويشرح كيف أن المراكب الصغيرة اللي بتيجي من مدن ساحلية مصرية تانية بتستخدم شباك غير قانونية بتمشط المياه وتصيد الزريعة، وده بيكسر دورة النمو. يقول بأسف: «من كل ألف سمكة صغيرة بتوصل المزارع في البحيرات، مابيعيشش غير مية في أحسن الظروف».

وترجع المأساة، بحسب خليل، إلى سوء النقل والتخزين، اللي بيحطّوا السمك في بيئة بحرية مختلفة تمامًا عن بيئته الأصلية، وبالتالي بيوقفوا عملية التكاثر.

صورة مجتمعية

تنبض البلدة بأنشطة مرتبطة بالصيد، تشمل الورش الميكانيكية، وموردي الطعام، ومحال قطع الغيار—وكلها تتأثر بتقلبات القطاع.

يشرح محمد شَبكة، ميكانيكي بحري: «إحنا بنتأثر، بس مش قوي. المراكب لازم تفضل ماشية، وإحنا لازم نفضل نصلّحها—ده أكل عيشنا الوحيد. الفترة الأخيرة بقينا نعمل إصلاحات مؤقتة أكتر، عشان أصحاب المراكب مش قادرين يدفعوا لصيانة كاملة».

شمال دمياط، مصر، أغسطس2009. (ماهرحمود)

يضيف عم سعيد، صاحب محل بقالة يزوّد رحلات الصيد بالطعام: «كمية الأكل ماقلتش—الناس لازم تاكل عشان تشتغل. بس النوع اتغيّر، بقى أرخص، وأصحاب المراكب بقوا يشتروا بالدين».

ويظلّ استهلاك المأكولات البحرية جزءًا أساسيًّا من الثقافة المحلية. تقول سيدة مسنّة تتسوّق في سوق السمك القريب: «إحنا بناكل سمك يوم ويوم». ولما سُئلت إن كانت تشتري سمك مستورد، ردّت بحسم: «إحنا ما بناكلش الزبالة دي. إحنا عزّاوية. نسيبها للغُرب اللي مايعرفوش يفرّقوا».

ورغم العدد الكبير من أصحاب المراكب في البلدة، فإن الاقتراب منهم ليس سهلًا. كثيرون يتجنبون انتقاد الحكومة لحماية مصالحهم، ويفضّلون تحويل الأسئلة بلُطف. كثيرًا ما يقولون مبتسمين وهم يشيرون إلى قبطان آخر: «اتكلم معاه—هو اللي عارف كل حاجة».

ويعلّق قبطان مركب متوسط الحجم مشغول، فضّل عدم ذكر اسمه: «إحنا عندنا مشاكل كتير—أكيد إنت عارفها. بس ربنا كبير، ورحمته وسعة».

وتتكوّن القوة العاملة في صيد الأسماك بعزبة البرج بشكل شبه كامل من الرجال. ومع ذلك، تؤدي النساء دورًا مميزًا في تقشير الجمبري وتنظيف السبيط، حيث يعملن في دوائر قريبة من حلقات السمك.

تقول سيدة في الخمسينات من عمرها: «الشغل زمان كان مجزي أكتر، وكل حاجة كانت أرخص. دلوقتي ما بنشتغلش كل يوم، عشان مطاعم القاهرة بقت تشتري سمك مستورد، متعبّى ومثلّج».

ماضٍ يبعث على الحنين

يشترك معظم أهالي عزبة البرج، سواء العاملين في البحر أو على البر، في الحنين إلى الماضي الجميل. حتى الشباب، الذين لم يعاصروه، يتحدثون بنبرة شوق، ويمتدحون زمنًا مضى سمعوا عنه فقط.

يتذكّر هيثم أبو عطية، مدير ورشة عائلية لبناء المراكب: «والدي كان أول واحد يبني مركب حديد في دمياط سنة 1987. وقتها كانت المهنة في عزّها، وكان أصحاب المراكب يقدروا يجددوا مركبهم بالكامل كل سنة. دلوقتي يادوبك بيعملوا تصليحات بسيطة، ويدهنوا القاع كل سنتين».

شمال دمياط، مصر، أغسطس2009. (ماهرحمود)

يبدو كبار السن في هذه البلدة في حال أفضل من الجيل الأصغر، وهو ما يدل بوضوح على أن الحياة كانت أيسر في الماضي. فقد كانوا يتمتعون بدخول أعلى وفرص أوسع للتنقل حول العالم. فكل رجل مسن تقريبًا في البلدة سافر إلى أنحاء العالم أكثر من مرة، سواء على متن سفن شحن أو مراكب صيد يونانية.

يتذكر الحاج أحمد الكحكاني، رجل في الستينات من عمره يتقن اليونانية والإنجليزية واليابانية، قائلًا: «إنتو يا شباب تعبانين. ما شفتوش حاجة، ما تعرفوش حاجة، وما عندكوش فرصة تعملوا حاجة. أنا بنيت عمارة سكنية وأنا عندي 22 سنة. وأثّثتها بأحدث الأجهزة من أوروبا، وبعد كده قدرت أخلّي كل بناتي يدخلوا الجامعة».

ومن الناحية القانونية، كان الصيادون في الماضي قادرين على دخول أي بلد تقريبًا في العالم. لكن منذ تسعينيات القرن الماضي، أصبحت القوانين أكثر تقييدًا، وواجهوا الكثير من العقبات.

ويضيف الكحكاني، وقد بدا عليه الغضب من تدهور حال قطاع الصيد: «أنا بجواز السفر الأسود (جواز السفر البحري)، كنت أقدر أروح في أي حتة في العالم. وكان “الاتحاد الدولي” بتاعي في لندن بيتدخل لو حصلتلي مشكلة. لكن دلوقتي ابني، اللي معاه دبلوم، مش قادر يسافر، لأن جواز سفره الأسود ماعادش يسوى الحبر اللي مكتوب بيه».

هذا المقال نشر أولاً بمجلة بيزنس توداى إيجيبت.