بعد ان أصبح الفانوس صيني وكذلك المسبحة وسجادة الصلاة وحتي الجوافة، ليس من قبيل المفاجأة أن يتم الإعلان على أن الصين قد أصبحت المستثمر الأول في مصر حيث وصل عدد الشركات الصينية العاملة بالداخل إلى 865 شركة، تأسست 83% منها بالأعوام الخمسة السابقة فقط. غير أن الغريب أن نبرة الإعلان عن هذه المعلومة كانت تحمل في طياتها نوعا من الاحتفاء والفخر، وخاصة أن النظام الرسمي عود الشارع المصري على أن الأول دائما “حاجة كويسة” في سلسلة متوالية من الفخر الوهمي بكل شيئ. واستكمالا لمسلسل الفخر واحتفالا بهذه المناسبة التقى السيد وزير الاستثمار على رأس وفد رفيع بالسفير الصيني بالقاهرة “لبحث سبل التعاون الاقتصادي بين البلدين” كما نشرت الصحف في اسبوعها الماضي.
وفي نظرة تاريخية لتك العلاقة التي سعت مصر دائما “لتعزيزها” بمجرد قيام ثورة يوليو عام 1952 حيث بعثت بعد عدة اشهر بمفاوضا تجاريا للترويج للقطن المصري. وبالفعل وصل حجم التجارة بيم البلدين إلى 11 مليون دولار أمريكي عام 1953 مثلت الصادرات المصرية منها 94.5 في المئة. وتواصلت عملية “تعزيز” العلاقات الاقتصادية بين البلدين من وقتها وحتى الآن بحوالي 21 اتفاقية “تعاون اقتصادي”. وفي مقارنة بسيطة بين عام 1953 وعام 2005 بعد هذا التاريخ الممتد لأكثر من نصف قرن من المقابلات رفيعة المستوى والتوقيعات وأخذ الصور، نجد أن الصادرات المصرية لم تعد تمثل سوى 9.8% مسببة عجزا ضخما في الميزان التجاري بين البلدين بالعام2005 بما يدعو للتساؤل عما يتفق عليه الجانبان بالفعل في تلك المفاوضات.
قد يتناصح أحدهم ويقول أن هذه الاستثمارات هي تدفقات نقدية مفيدة للاقتصاد المصري تشجيعا لأي شكل من اشكال الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يعد إيجابيا في صورته النظرية البحتة. غير أن الفصل الساذج بين الاقتصاد والسياسة لا يعبر سوى عن جهل المتمسكين بهذا الرأي. فالصين لها سياسة اقتصادية خاصة لا تقل طمعا أو شراسة عن السياسات الاستعمارية التقليدية، بل هي تجسيدا للصورة الجديدة للاستعمار الاقتصادي وهي حقيقة لم تعد سرا على أحد كما تتحدث الكثير من التقارير والأبحاث. حيث تتجه الحكومة الصينية بدفع مستثمريها ودعمهم ماليا للاندماج والتغلغل داخل الشعوب الأخرى والتشبع بثقافاتهم خلال تواجدهم معهم من أجل اقتناص افضل الفرص السانحة للغزو التجاري التدريجي، والدليل فانوس رمضان وقصة إعادة تصدير الرخام المصري إلينا على أنه صيني.
الحقيقة أنه ليس من العيب أن تكون الصين على قائمة الدول الأجنبية المستثمرة في مصر من حيث المبدأ، غير أن كل العيب في أن يكون ذلك سببا مباشرا لتوسيع فجوة العجز التجاري “المبهوءة” في غياب الشرطية العادلة والمراعية لمصالح الاقتصاد الوطني بتحديد وتقنين تلك الصيغ المتعددة للاتفاقيات التي يبدو أنها تمنحهم أكثر مما تعطينا، “فالاتفاقيات المطلقة مخسرة مطلقة”. فالتمادي في الفخر هنا في حالة الصين ومركزها الأول والاحتفال به يذكر كثيرا بمشهد من فيلم “فول الصين العظيم” عندما كان الجد يحاول إقناع محمد هنيدي بالسفر إلى الصين ضد رغبته معقبا على كل سبب لرفضه بعبارة “الصين حلوة” كرد عبثي لا يختلف كثيرا عن فرحتنا بخبر الأسبوع الماضي.
نشر أولا بجريدة البورصة.