دائما ما يسأل الظرفاء قبل كل رمضان “هاتصوم ولا زي كل سنة؟”. سؤال سئمته وسأمه الكثير وتعددت الإجابات عليه مع اختلاف درجات السخرية من السائل. والغريب أن رمضان كشهر النور والقرآن أصبح مدعاة للكثير من العادات والمفاهيم السلبية التي أصبحت تبرر بديهيا وبصورة أصبحت مقبولة تماما بقول “معلش أصل احنا في رمضان”.

حتى البورصة المصرية لم تسلم من هذا العطب الفكري حيث صدر تقرير على موقع مباشر يستهل الشهر الكريم بعنوان “خبراء يتوقعون هدوءاً نسبياً للبورصة المصرية خلال شهر رمضان” وهو أمرا لم يثير في التعليقات عليه بذيل الصفحة أيا من درجات الاستهجان بخلاف عدم الاتفاق على التفاصيل الفنية لهذه التوقعات.

وغالبا إذا ما قرر البعض الشروع بلاتفاق على تفاصيل بعض الأعمال أو الانتهاء من بعض المصالح فلا يجد سوى إجابة واحدة لم تعد تغضب أحدا “خلينا بعد رمضان”. وإذا اضطر أحدهم (لاقدرالله) أن يذهب إلى أحد المصالح الحكومية لاستصدار وثيقة أو البحث عن أحدهم لمباركة ورقة ما بتوقيعه الكريم لا يوجد غير احتمالين: أحدهما أن يكون الموظف متغيبا، والآخر أن يكون مرتسما على وجهه التجهم محمرة عيناه مبادرا بمقولة “فوت علينا بكره” أو ربما ثانية “خلينا بعد رمضان”.

وإذا كنت بشرا طبيعيا من هؤلاء الذين يستيقظون مبكرا للذهاب لأشغالهم في نهار رمضان، فربما تحتاج لإخلاص الدعاء في صلاة التراويح من أجل أن يهدي الله لك في اليوم التالي الشخص المستهدف من أجل أن يتواجد في شركته أو محل عمله وكأن السعي على الرزق في نهار رمضان أصبح من المفطرات. إذا حكوميا أو خاصا أو حتى فرديا أصبح الجميع “رمضانيين” على طريقتهم الخاصة، وهذا هو رمضان بالنسبة لهم.

وهنا تتضح بشدة كيف تتعطل الأعمال وتنخفض الإنتاجية في شهر رمضان بما قد يمثل عبئا اقتصاديا عاما يضاف إلى القائمة الطويلة من الأعباء المصرية الأخرى. غير أن تلك الثقافة العبثية التي اصبحت متاصلة في سلوك الأفراد وغدت مقبولة اجتماعيا يدفعها الإعلام دفعا نحو النمو والتأصل في وجدان الفرد. فلا تحلو المسلسلات سوى بالليل، بل وربما كلما تأخر الوقت كانت المسلسلات أكثر إثارة وتشويقا، والحال ينطبق على البرامج الحوارية والفوازير والكثير الكثير من التفاهات التي تزيد المجتمع تخلفا وعتها. هذا بالطبع بعيدا عن عالم الخيمات الرمضانية التي لا تعرف من رمضان غير توقيت إقامتها والسحور الفاخر على النغم الشرقي الأصيل “جدا”.

يستيقظ الغالبية إذا قبل الإفطار بقليل حتى وإن كانوا قد ذهبوا إلى أشغالهم كالموتى الأحياء بعد “عناء الليل”، ولم يدركوا من الصيام غير الجوع والعطش. وهنا يسقط أحد أهم مآرب الصيام في رمضان وهو أن يشعر القادر بأخيه غير القادر. حيث لا يوجد خيارا أمام الفقير أن يستيقظ متأخرا أو ألا يذهب إلى عمله من الأساس لأنه جائع، بل هو مجبر أن يستزيد من السعي والعمل من أجل سد رمق جوعه وعوز أولاده. جوع لا يعرف السهرات الرمضانية ولا يعرف النوم حتى يأتي موعد الطعام بمائدة عامرة بدون تعب. وهنا تسقط أحد أهم الحكم الرمضانية على المستوى الروحي والعقائدي، وتتعطل الأعمال ويتعثر النمو على مستوا آخر اقتصادي. وهنا قد نغير السؤال السنوي بسؤال أسخف: هتشتغل ولا زي كل سنه؟

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.