تُعرف القاهرة، هوليوود العالم العربى، بأنها مدينة لا تنام. وتُعد الزحام المروري إحدى أبرز سماتها، حيث يتسابق الجميع للوصول إلى أماكن عملهم أو العودة إلى منازلهم. غير أن ما يُميز القاهرة عن معظم مدن العالم هو أن شوارعها تظل مزدحمة حتى بعد منتصف الليل. ففى هذه المدينة التى يقطنها 20 مليون نسمة، تتداخل طبقات اجتماعية متعددة، ولكل منها نمط حياة مختلف على مدار اليوم. فهناك ملايين يعملون نهارًا، وملايين آخرون يعملون ليلًا أو يخرجون ببساطة للاستمتاع ببعض من حياة القاهرة الليلية.
الساعة 12 منتصف الليل
رحلة قصيرة بالتاكسي: فريق «البورصة» يتوجه إلى وسط البلد ويدفع خمسة جنيهات. فى شارع الشيخ ريحان يقع مسرح الحرية، حيث تُعرض مسرحية «ترالام لام» من بطولة الفنان الكوميدي الشهير سمير غانم. التذاكر كلها بيعت، والعرض بدأ بالفعل فى الساعة الحادية عشرة مساءً.
شباك التذاكر مغلق، ورجال الأمن عند البوابة لا يقدمون سوى معلومات شحيحة لانشغال الجميع بالعرض. يقول أحدهم: «أسعار التذاكر تبدأ من 150 جنيهًا وقد تصل إلى 1000 جنيه حسب الطلب على المقاعد الأمامية». كما يُنصح بالحجز المسبق، ويفضل أن يتم ذلك فى موعد أقصاه عصر يوم العرض نفسه. ويُضيف: «بالنسبة للمقاعد الأمامية، يفضل الحجز قبل أسبوع».
12:25 بعد منتصف الليل
يتحرك الفريق إلى مركز رمسيس هيلتون. مسافة كان يمكن قطعها سيرًا فى 15 دقيقة استغرقت 20 دقيقة بالتاكسي، مقابل خمسة جنيهات أخرى. فى الطابق السابع، يصل الناس متأخرين، ومن بينهم أسر وزوجات وشباب مراهقون. ويبدو بوضوح وجود سياح من ذوى «الهيئة الخليجية» بين الحشود.
الفيلم المعروض فى حفل منتصف الليل هو «الديكتاتور»، وهو كوميديا من بطولة حسن حسني، تم الترويج له بكثافة على القنوات المصرية والعربية خلال الأسبوعين الماضيين. سعر التذكرة 35 جنيهًا فى الصالة و50 جنيهًا فى الشرفة.
التذاكر لم تُنفد بعد، فالعرض يبدأ فى الساعة 12:45 صباحًا، لكن هناك حضور جيد من الجمهور، لا يزال بعضهم يحجز أو يفكر فيما إذا كان سيشاهد الفيلم أو ينتقل إلى وجهة ترفيهية أخرى ضمن حياة القاهرة الليلية النشطة والتي لا تهدأ.
12:55 بعد منتصف الليل
الوجهة التالية: «كايرو جاز كلوب» فى شارع 26 يوليو بمنطقة العجوزة. رحلة استغرقت حوالى 20 دقيقة وتكلفت عشرة جنيهات. تم إجراء الحجز فى وقت الظهيرة، إذ يُعد هذا المكان واحدًا من أكثر أماكن الحياة الليلية ذات الطابع الغربى إقبالًا.
عند البوابة، يتحقق رجلا أمن من الأسماء المحجوزة قبل السماح بالدخول، مع التزام صارم بعدم السماح بالدخول إلا للثنائيات. الجرسونات محترفون وسريعو الخدمة، ولا يُطلب حد أدنى للطلبات.
الزبائن يطلبون ويدفعون مقابل كل طلب عند البار، ثم يأخذون مشروباتهم إلى طاولاتهم بأنفسهم. فى بعض الأحيان، يقدم النادل الطلبات التى تستغرق وقتًا أطول للتحضير، مثل الطعام أو الكوكتيلات. ومع ذلك، فإن الإكراميات غير معتادة فى هذا المكان، إذ تُضاف رسوم الخدمة والضرائب تلقائيًا إلى كل فاتورة.
أسعار قائمة الطعام تُعد مرتفعة نسبيًا، لكنها ليست مبالغًا فيها. وتبدأ أسعار المشروبات الكحولية من 27 جنيهًا وتصل إلى نحو 100 جنيه، شاملة الضرائب والخدمة. غير أن جودة الطعام والمشروبات، كما يقول الزبائن، عالية. وتقول رشا، وهى إحدى الزبائن وتعمل مدربة تانجو فى مركز لياقة بدنية: «أنا بآجى هنا تقريبًا كل يوم وباقعد لحد الساعة 4 صباحًا، أنا مدمنة على المكان، ومعظم الناس هنا أصدقائى».
ويؤكد أحد الجرسونات، الذى طلب عدم ذكر اسمه، أن العمل مزدهر، ولا يرى أى علاقة بين نشاط المكان والأزمة الاقتصادية. ويقول: «بُص على الطوابير برا، الناس بتحب كايرو جاز لأنه على مستوى توقعاتهم». ويُضيف: «آه، إحنا بنقفل طول شهر رمضان، بس ده كل سنة، ومالوش علاقة بالأزمة».
ويقدم النادى عرضًا مختلفًا كل ليلة، يتنوع ما بين الجاز والسالسا والروك والموسيقى المصرية المعاصرة، لكنه يُشتهر بعروض «بوغى نايتس»، والتى تُعزف فيها موسيقى الثمانينيات.
فى هذه الليلة، تعزف فرقة جاز من المصريين على طريقة نيو أورليانز، والجمهور يستمتع بالموسيقى ويُشجع كل قطعة بحرارة. وتُلاحظ جنسيات مختلفة بين الحضور، إلا أن الطبقة «الراقية» المصرية هى الغالبة، وتُسمع اللهجة القاهرية بوضوح حول الطاولات.
أما نحن، فقد حان وقت اختتام تجربتنا فى «كايرو جاز»، لننطلق نحو مغامرة جديدة. يتم دفع الفاتورة الأخيرة، وتُضاف إلى مجموع قدره 54 جنيهًا، ولا يطالب أحد بإكرامية، بينما نغادر بابتسامة أنيقة من النُدُل، الذين لا يعلمون أننا فى مهمة صحفية.
الساعة 2:15 صباحًا
نواصل تحركنا، وهذه المرة باتجاه «نادي شهرزاد»، وهو قارب راسٍ على كورنيش النيل بالجيزة. رحلة استغرقت 10 دقائق بسيارة أجرة مقابل خمسة جنيهات. المكان يقدم عروضًا شرقية للرقص الشرقي والموسيقى الشعبية، ويُعرف شعبيًا بـ«الكباريه».
بمجرد وصولنا إلى بوابة القارب، يستقبلنا رجال الأمن بأسلوب ينطوي على الكثير من المبالغة فى الترحيب، وكأننا من طبقة الصفوة. إلا أن المكان لا يرقى إطلاقًا إلى وعودهم بليلة ساحرة.
ننزل الدرج المؤدي إلى القاعة، فنجد الجو مشبعًا بالدخان، وتفوح منه رائحة غريبة. يقترب منا عصام، كبير الجرسونات، بابتسامة ترحيب واسعة، يصافحنا مرارًا ويرحب بنا بنفس نبرة المبالغة التي استُقبلنا بها عند البوابة.
نسأله عن الحد الأدنى للطلبات قبل أن نغوص فى تجربة تبدو مريبة. يرد قائلًا: «250 جنيه للفرد من غير إكراميات، بس عشان خاطر الباشا». من الواضح أن السعر مبالغ فيه جدًا، خاصة لمكان يبدو غامضًا إلى هذا الحد. نساومه حتى ننجح فى خفض السعر إلى 150 جنيهًا للفرد، ليُعلق قائلاً: «عشان خاطر الباشا والبنت القمر، بس لازم تيجوا دايمًا من دلوقتي».
يُعد الكباريه وفن الرقص الشرقي أحد أبرز أنشطة الحياة الليلية فى القاهرة، وهو نشاط قانوني إلى حد كبير، لكنه يُحاط بكثير من السرية لأسباب اجتماعية. هذه السرية تبدو ضرورية لاستمرار هذا النوع من النشاط، الذى يُمثل تناقضًا صارخًا مع قيم المجتمع المصري السائدة.
يُقدَّم طبق فواكه كبير كجزء «إلزامي» من الحد الأدنى، بالإضافة إلى زجاجة مياه كبيرة وأربعة مشروبات. عدد الجرسونات، ومعظمهم من النساء في الثلاثينيات، يُمثل حوالى 25% من عدد الحضور. أماني، وهي الجرسونة المكلّفة بطاولتنا، تُصافحنا وتسأل عن أسمائنا وتبدأ في صبّ مشروبات لم نطلبها أصلًا.
فى منتصف القاعة توجد منصة تُقدم عليها مطربة وراقصة شرقية عروضًا تُعرف شعبيًا باسم «أغاني شعبية». نسأل عصام عن البرنامج، فيرد: «إحنا عندنا أحسن برنامج فى مصر. كل نص ساعة رقاصة جديدة لحد الساعة 6 الصبح»، ثم يُضيف: «هتعيشوا ليلة ما تتنسيش».
ولا شك في أن هذه الليلة لا تُنسى. فإلى جانب الجرسونات، يتكوَّن الجمهور بشكل أساسي من رجال تبدو عليهم ملامح «الفتونة» وعدد قليل من النساء. أما الراقصات، فيبذلن جهدًا ليس لتقديم فن، بل لعرض أكبر قدر ممكن من الجسد. وبأسلوب ملحّ، يجُلن على الطاولات ويُقنعن الرجال بالرقص معهن على المسرح ودفع «النقطة» (وهي إكرامية تُدفع فقط مقابل الرقصة).
وتبدو «النقطة» العمود الفقري لاقتصاد الكباريه، إذ يتعين على كل من يرقص مع الراقصة على المسرح دفعها. ويُعد الرقص دون دفع أمرًا غير مقبول على الإطلاق. المثير للاهتمام هو آلية الدفع ومقداره.
يمكن استدعاء أي جرسون لتحويل أوراق نقدية كبيرة إلى فئات من فئة عشرة جنيهات، ثم يقف أحدهم، مُتفاخرًا برجولته، ويرقص مع الراقصة وهو ينثر المال على رأسها. ولا ينبغي أن تقل قيمة «النقطة» عن مئة جنيه في كل مرة.
بعد نصف ساعة، تتغير الراقصة، بينما تظل المطربة كما هي. الراقصة الجديدة أكثر جاذبية من سابقتها، ويبدأ الحماس بالتصاعد والمنافسة بين الحاضرين. بعضهم يُكرر إكرامية الراقصة، وآخرون يُغرقونها بورق نقدي يصل إلى 1000 جنيه أو أكثر، وبعضهم لا يُغادر طاولته بل يُشير إلى المطربة لتأتي، ثم يدفع للراقصة مبلغًا من المال فترد عليه بتحية باسمه.
وبشكل لافت، يُشير رجل في الأربعين من عمره، يرتدي بدلة رمادية وقميصًا أسود دون ربطة عنق وسلسلة ذهبية سميكة، إلى المطربة كي تأتي إلى طاولته. تسرع هي والراقصة نحوه، فيُسلمهما كومة من الأموال لا تقل عن عدة آلاف من الجنيهات.
بشعور من عدم الارتياح، نبدأ مغادرة «شهرزاد»، وندفع فاتورة قدرها 300 جنيه، و30 جنيهًا إكرامية لعصام، و10 جنيهات لأماني، و20 جنيهًا لأحد الجرسونات الذي لا علاقة له بطاولتنا لكنه يتوسل قائلًا: «دي حاجة بسيطة عليك يا باشا، أنت أصلاً دفعت كتير»، وهو صادق بلا شك. نُغادر المكان الذى يبدو غير متأثر على الإطلاق بالأزمة الاقتصادية، إذ إن نشاطًا مزدهرًا كهذا قد يحقق أرباحًا صافية بعشرات الآلاف يوميًا، حتى خلال فترات الركود، فى مدينة لا تعرف النوم.
الساعة 3:45 صباحًا
أخيرًا، نلتقط أنفاسنا ونمشي خمس دقائق على كورنيش النيل المزدحم قبل أن نستوقف تاكسي نحو محطتنا الأخيرة لهذه الليلة. عبر شوارع لا تزال نشطة بشكل مدهش فى هذا الوقت المبكر من الصباح، نصل بعد 20 دقيقة إلى ميدان طلعت حرب. ندفع للسائق عشرة جنيهات يبدو أنه غير راضٍ عنها.
نبدأ التجول بحثًا عن مقهى شعبي – أو كما يُطلق عليه «قهوة بلدي» – فى هذه المنطقة بوسط البلد المعروفة بكثرة مثل هذه الأماكن، حيث يجلس مصريون من الطبقة المتوسطة إلى جانب أجانب وسياح عرب، حتى شروق الشمس، يتبادلون الأحاديث، ويتناولون المشروبات الغازية، ويدخنون الشيشة.
تبدو المقاهي أقل عددًا من العام الماضي في التوقيت نفسه. ربما لأن يوم العمل على وشك أن يبدأ خلال ساعات، أو ربما تكون «القهوة البلدي» قد تأثرت فعلًا بالركود الاقتصادي.
نتجول قليلاً فى نفس المنطقة، فنجد أن معظم الأماكن هادئة ومملة. نحاول سؤال بعض الجرسونات عن سير العمل، لكنهم ينظرون إلينا بريبة، فضلًا عن أنهم يبدون منهكين.
إن هذا الإرهاق فى حد ذاته علامة إيجابية بالنسبة لنا، إذ يبدو أنهم خدموا عددًا كافيًا من الزبائن فى وقت سابق من الليلة ليبدو عليهم هذا التعب، تمامًا كما نشعر نحن بعد ليلتنا الطويلة من الترفيه.
الساعة 4:15 صباحًا
نقرر أن نختتم جولتنا الليلية فى القاهرة ونعود إلى المنزل، ونحن نعتقد أنها كانت لتكون أكثر كثافة وطولًا لو صادفت عطلة نهاية الأسبوع. لكننا خرجنا بقناعة راسخة بأن القاهرة، العاصمة التى لا تنام، بصناعتها الترفيهية الليلية الضخمة، محصّنة جيدًا ضد ما يُسمى بالأزمة الاقتصادية. نركب آخر تاكسي، يقوده رجل مسن بلحية كثيفة، يبدو أنه استيقظ لتوّه ليبدأ يومًا جديدًا، يومًا عاديًا. يومٌ يشبه ما يحدث فى كل مدينة أخرى، أو فى كل مدينة «طبيعية»… باستثناء القاهرة.
هذا المقال نشر أولا بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.