ثلاث قصص متتالية حدثت الأسبوع الماضي فيما يخص سيناريو تهميش المصريين على أرضهم. والغريب أن كثافة التكرار كانت عالية، فقط في بضعة أيام تجد من يقول لك عفوا أنت مصري ولأكثر من مرة.

والبداية عندما كنت مدعوا لمقابلة أحد المعارف الذي اختار أن يكون مكان اللقاء أحد الفنادق الخمس نجوم بالقاهرة. ذهبت قبل الموعد بدقائق معدودة وكنت على عجلة كبيرة من أمري كي أحافظ على موعدي. حدث خلط كبير وفقدت طريقي داخل الفندق الضخم وكنت على وشك دخول إحدى القاعات فأوقفني المسؤولون عنها قائلين “آسفين يافندم! للأجاني بس.” وعلمت بعدها أنها صالة القمار الخاصة بالفندق المحترم. لم أجادل على الإطلاق للحفاظ على الوقت، غير أني علمت بعدها أن كل جنسيات العالم بما فيهم الناطقين بالشهادتين وخاصة “الأخوة الخلايجة” مسموح لهم بالدخول إلا أصحاب هذه الأرض. ولكن السؤال هنا وبغض النظر عن أن القمار محرم دينيا، ألم يتردد على مسامعنا أكثر من مرة أن هذا النشاط مخالف للقانون؟ المهم هذه ليس بالمشكلة الكبيرة فكم من المصريين يحلم أو حتى يعلم بوجود نشاط للقمارلدينا ويريد أن يشارك فيه!

القصة الثانية حدثت عندما عزمت على استئجار شقة جديدة حيث اقترب عقد شقتي الحالي على الانتهاء. فوجدت ضالتى عن طريق أحد السماسرة وكان السعر منخفضا نسبيا مقارنة بأسعار المنطقة. حددت موعدا لتوقيع العقد مع مالك الشقة “المصري” ففوجئ بي وعبس بوجهه للسمسار قائلا “إنت من إمتى بتجيبلي مصريين!” وكأنني أجرب قد أصيب الشقة بوباء ما. وتأسف بكبرياء وتعجرف قائلا “أنا آسف يا أستاذ أنا بأجر لأجانب بس.” وسألت عن السبب فأجاب “أريح.” والملفت أن الشقة كانت منخفضة الإيجار نسبيا عن مثيلاتها التي تؤجر للمصريين أغلى قليلا، وكأنه يقدم دعما للمساكين الأجانب الباحثين عن لقمة عيش في مصر بلد الأثرياء والعياذ بالله.

أما الثالثة فهي مخالفة يحميها “القانون الدولي غالبا” ليس قانوننا المصري طبعا لكنه قانون المنظمات الدولية صاحبة أكبر المخالفات لأساسيات تكافؤ الفرص التي يوصون بها هم أنفسهم. وباختصار لي صديقة تعمل بمنظمة الهجرة الدولية وتمثلهم بمطار القاهرة. ومعها زميل مصري يعملان سويا على متابعة وتسهيل بعض إجراءات سفر اللاجئين عن طريق هذه المنظمة ومعظمهم من الأفارقة وأحيانا عراقيون. المهم أنني سألتها لماذا اثنين فالوظيفة يبدو أنها سهلة، فأجابت أن المنظمة “لا تقبل توقيع المصريين” وأن وظيفتها أن توقع فقط كأجنبية على بعض الأوراق بعد أن تتأكد أن “كله تمام”. والجدير بالذكر أنها حتى لا تحمل تأشيرة عمل، فقط تأشيرة سياحية ” لمدة عام كامل قابلة للتجديد، فلا تدفع ضرائب من ناحية وتأخذ مكان أحد المصريين الذي قد يكون أولى بهذه الوظيفة من تلك “البنوتة” الأوروبية.

القصص الثلاثة مؤسفة وتذكر بقوانين الامتياز في عهد الخديوية سعيد وإسماعيل حيث كانت تصدر للأجانب قوانين خاصة تميزهم عن المصريين وتعطيهم حقوقا لا يستطيع أصحاب الأرض حتى من الاقتراب منها. لكن الوضع حاليا والحمد لله ليس بهذا الظلام فلم تنشأ لهم “محاكم امتياز بعد” كما حدث حينها. والحقيقة أن وجود الأجانب بمصر ليس بالشيئ السيئ على الإطلاق بل قد يكون مفيدا في الانفتاح على العالم وتبادل الخبرات ربما. لكن الامتياز الآخذ في النمو على حساب أصحاب الحقوق هو مأساة حقيقية لن تجلب سوى المزيد من الظلم الذي قد يتبع بردود فعل متطرفة أو كراهية ما ضد الأجانب. فالمثل المصري يقول “خبطتين في الراس توجع” أما ما قد حدث وفي أسبوع واحد كان ثلاثة خبطات مؤلمات قد تمثل ردة فعل حاقدة لشخص آخر.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.