لقد تمكّن الاقتصاد المصري من الصمود في وجه الأزمة المالية، إذ لعبت طبيعة الاقتصاد المحلي، مقارنة بديناميكيات الاضطراب المالي العالمي، دورًا حاسمًا في هذا الصمود.
كما كان المنطق الاقتصادي وراء استجابة الحكومة، والمُنفَّذ عبر عدد من المؤسسات المالية، عاملاً أساسيًا آخر في تخفيف التداعيات القاسية التي شهدتها البلاد – على غرار ما حدث في معظم أنحاء العالم.
وفي مقابلة مع صحيفة «البورصة» (انظر الداخل)، وصف وزير التنمية الاقتصادية، عثمان محمد عثمان، شعار الحكومة بعد الأزمة بأنه «إقلاع جديد للاقتصاد المصري». وتُشير إنجازات العام الماضي إلى أن هذه الطموحات قد تكون قابلة للتحقيق.
فخلال الأزمة، استطاعت مصر أن تسبح عكس تيار التشاؤم العالمي، مسجلةً معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.1% خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2009، و4.9% في الربع السابق، وفقًا لتصريحات رئيس الوزراء أحمد نظيف. أما في السنة المالية 2008/2009، والتي شهدت أحلك فترات الأزمة العالمية، فقد نجحت مصر في تحقيق معدل نمو بلغ 4.7%.
ويُعزى ذلك إلى تزايد الثقة في الاقتصاد المصري، والمناخ الجاذب للاستثمار، وصلابة الاستهلاك المحلي، إلى جانب النمو المتسارع في قطاعات مثل البناء والاتصالات.
كما أن استراتيجية الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، إلى جانب حزم التحفيز الحكومية – والتي قُدّرت قيمتها بما يعادل 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي – كانت تهدف إلى مواجهة الآثار السلبية للأزمة من خلال تحفيز الطلب المحلي ودعم الشركات الوطنية في الإنتاج وتوفير فرص العمل.
لكن، ورغم ذلك، لا تزال الصورة بعيدة عن المثالية، ولم تتمكن الحكومة من تحقيق المعجزات. فقد تراجعت الإيرادات العامة بنسبة 28% خلال الربع الثاني من السنة المالية الجارية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
كما ارتفع عجز الموازنة من 23 مليار جنيه خلال النصف الأول من السنة المالية إلى 58 مليار جنيه في الوقت الراهن. ويُقدّر معدل البطالة بنحو 9.4% من قوة العمل، وهو ما يعني أن على الحكومة أن تُوفّر فرص عمل لعدد كبير من المصريين الذين يقضون وقتهم حاليًا على المقاهي.
وتظهر التناقضات في التصريحات الصادرة عن وزراء في الحكومة نفسها، إذ تتأرجح نبرة التفاؤل أو التشاؤم بشأن الأزمة حسب المناسبة، أو طبيعة المؤتمر الصحفي سواء كان محليًا أو دوليًا – وهو ما يخلق انطباعًا بغياب التنسيق والدقة.
وتؤكد وزيرة الاقتصاد السابقة، نوال التطاوي، أن تأثيرات الأزمة لا تزال تُلقي بظلالها على مصر، ويتجلّى ذلك في عجز الموازنة وارتفاع معدلات البطالة والتضخم. وترى التطاوي أن هذا التأثير لا يجب أن يُقلل من أهمية التطورات الاقتصادية الإيجابية التي تحققت مؤخرًا، لكنها في الوقت ذاته تحذّر من أن هذا التفاؤل يجب ألا يحجب الحاجة إلى برنامج فعّال أو تدابير واضحة لمواجهة الظروف السلبية المستمرة.
ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته صحيفة «البورصة» شمل 50 من رجال الأعمال وخبراء القطاع المالي (انظر الداخل)، لا تزال هناك عقبات تُعطّل الاستثمار. فقد رأى 46% من المشاركين أن التحسينات التي أُجريت على آليات وإجراءات ومدد إصدار التراخيص الصناعية ما تزال محدودة، وتتأثر سلبًا بالبيروقراطية الحكومية.
كما أشار 59% من الخبراء إلى أن المحاكم الاقتصادية التي تم تحديثها مؤخرًا لا تزال تعمل بكفاءة غير كافية، وأنها بحاجة إلى المزيد من التدريب والتأهيل حتى تصبح أداة فاعلة.
من الواضح أن الأزمة التي وقعت العام الماضي تركت آثارًا مؤلمة على الاقتصاد المحلي، الذي شهد تباطؤًا في الاستثمارات والصادرات والسياحة وعائدات قناة السويس. إلا أن رئيس الوزراء أحمد نظيف أعلن في أكتوبر عن هدف الحكومة لإعادة معدلات النمو إلى ما بعد الأزمة، أي 7%، خلال عامين.
وربما كانت معدلات النمو التي تحققت سابقًا بدعم من طفرة اقتصادية، لكنّ بلوغ هذا الهدف الطموح اليوم يجب أن يعتمد على التخطيط المحلي والدوافع الداخلية.
وسيكون التعامل العملي والشفافية من العوامل الحاسمة لنجاح أي «إقلاع اقتصادي» تروّج له الحكومة، خاصة بعد أن صرّح وزير التجارة والصناعة، رشيد محمد رشيد، في منتدى دافوس الاقتصادي هذا الشهر بأن «عام 2010 سيكون عامًا صعبًا على الاقتصاد المصري».
هذا المقال نشر أولا بجريدة البورصة باللغة الإنجليزية.